ليبيا: صدام وخالد حفتر يعززان «نفوذهما القبلي» وسط تساؤلات

بعد تصعيدهما في المؤسسة العسكرية

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال لقاء مع أعيان قبيلة «العواقير» (إعلام القيادة العامة)
رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال لقاء مع أعيان قبيلة «العواقير» (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا: صدام وخالد حفتر يعززان «نفوذهما القبلي» وسط تساؤلات

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال لقاء مع أعيان قبيلة «العواقير» (إعلام القيادة العامة)
رئيس أركان الجيش الوطني الليبي خالد حفتر خلال لقاء مع أعيان قبيلة «العواقير» (إعلام القيادة العامة)

تسارعت وتيرة لقاءات صدام وخالد، نجلي القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، مع وفود من مشايخ وأعيان عدد من القبائل الليبية، بعد أقل من شهر ونصف الشهر من تصعيد رتبتيهما في قيادة المؤسسة العسكرية التي تهيمن على شرق ليبيا وغالبية مناطق الجنوب.

أصبح الفريق أول صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بينما يشغل شقيقه الفريق أول خالد منصب رئاسة الأركان العامة. وينظر مراقبون للقاءات التي عقدت خلال الأيام الماضية مع عدد من القبائل في بنغازي على أنها محاولة لتعزيز «النفوذ القبلي»، لكنها تفتح باباً للتساؤلات حول دور المكون القبلي في معادلة السياسة داخل بلد يغرق في الانقسام الأمني والعسكري.

وبحسب عدد من المحللين، ومن بينهم المحلل في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة»، جلال حرشاوي، فإن «خطوات صدام حفتر تحديداً بدأت مبكراً لدعم ومد شبكة نفوذه بين القبائل حتى قبل تصعيده في منصبه في أغسطس (آب) الماضي». ونبه حرشاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أيضاً، إلى أن «وجود ممثلي تلك الوفود القبلية في بنغازي، ولقاءهم صدام وخالد حفتر، لا يعنيان بالضرورة ولاء القبيلة التام للقيادة العامة».

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر خلال لقاء مع شيخ قبيلة «الدرسة» سعد بوخروبة (إعلام القيادة العامة)

وسبق أن عقد صدام اجتماعات مكثفة في بنغازي مع وفود من قبيلتي «أولاد سليمان» و«الدرسة»، ركزت على «توحيد الصفوف، ودعم جهود الجيش لمكافحة الإرهاب، وحفظ وحدة البلاد»، حسب بيانات رسمية.

كما التقى صدام وفداً من قبيلة «أولاد علي» المصرية لتقديم التعازي في وفاة أحد أبنائها في المعبر الحدودي بين مصر وليبيا، أخذاً في الاعتبار امتدادات هذه القبيلة في شرق ليبيا، وهو ما بدا في نظر مراقبين اهتماماً بمعادلة لروابط القبلية العابرة للحدود، ودورها في الاستقرار المحلي.

أمّا شقيقه خالد حفتر فقد استقبل وفدين من قبيلتي «العواقير» و«الجبل الأخضر»، حيث قدّما له التهاني بمناسبة ترقيته الأخيرة في المؤسسة العسكرية.

ويرى فريق من المراقبين أن كلمات صدام وخالد حفتر خلال لقاءاتهما مع القبائل، بما فيها العواقير، تحمل رسالة الحرص على «ترسيخ تحالف بين الجيش والقاعدة القبلية»، و«بناء شبكات دعم محلية تربط القوة العسكرية بالقبائل».

في هذا السياق، يصف عضو مجلس قبائل وأعيان ليبيا، مفتاح القيلوشي، لقاءات صدام وخالد حفتر مع القبائل بأنها «مبايعات تؤكد لُحمة الشعب مع الجيش، واستفتاء شعبي يدعم إعادة هيكلة القيادة وفق رؤية 2030». ويستند القيلوشي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى التذكير بأن ليبيا عانت لسنوات من «الإرهاب والجريمة المنظمة و(الهجرة غير المشروعة)، وسط سطوة الميليشيات، وانتشار الفوضى منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في 2011». لكنه يرى أيضاً أن «شرق البلاد شهد اليوم تحولات كبيرة في مجالات الأمن والتنمية»، وأن المشروعات العمرانية هناك «تعكس حيوية الإنجاز»، معتقداً أن «الكثير من قبائل المنطقة الغربية تقف اليوم مع الجيش».

ويطرح تحرك القبائل في ليبيا تساؤلاً لدى خبراء ومحللين بشأن الدور السياسي لها في معادلة السلطة والنفوذ في ليبيا. وتذهب تقديرات مراكز بحثية دولية إلى أن القبائل في ليبيا تلعب «دوراً حاسماً في غياب الدولة القوية»، إذ إنها توفر الأمن وتحل النزاعات عبر العدالة العرفية، بحسب دراسة لـ«معهد الولايات المتحدة للسلام». كما تلجأ بعض القبائل أحياناً إلى أساليب ضغط، مثل إغلاق قبيلة الزوي لحقل نفطي قبل عامين بهدف الضغط على السلطات في طرابلس للإفراج عن أحد أبنائها وزير المالية السابق، فرج بومطاري.

أحد أعيان قبيلة «أولاد سليمان» الليبية متحدثاً خلال لقاء الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

ووسط تساؤلات حول دور القبائل الليبية، فإن سالم كرواد، وهو أحد أعيان مدينة مصراتة، يعتقد أن بلاده بحاجة إلى «إحياء الدور الاجتماعي للقبائل في إطار وطني موحد، يمتد من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، بعيداً عن أي اصطفافات سياسية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا «مجتمع قبلي بطبيعته، والقبيلة تمثل ركيزة أساسية يمكن البناء عليها لتحقيق المصالحة الوطنية، ولمّ شمل الليبيين بعد سنوات من الانقسام».

لكن كرواد يلفت إلى أن بعض القيادات القبلية استُخدمت في السابق «كأدوات لإشعال النزاعات، وتحقيق مصالح سياسية ضيقة»، وهو ما أدى إلى تفاقم الانقسامات الداخلية. وينتهي كرواد إلى التأكيد على ضرورة أن تظل القبيلة «جسراً للتقارب بين الليبيين»، محذراً من تكرار أخطاء الماضي، قائلاً إنه «يجب أن تكون القبيلة أداة للوحدة الوطنية، لا وسيلة للاستغلال أو جني المكاسب».

ويهيمن على المشهد الليبي انقسام سياسي وجغرافي حاد بين الشرق والغرب، تغذيه صراعات على السلطة والنفوذ وموارد النفط.


مقالات ذات صلة

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

شمال افريقيا نائبة وزير الخارجية اليوناني ألكسندريا بابادوبولو تستقبل اللجنة البرلمانية الليبية 15 يناير (المتحدث باسم البرلمان)

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

تسعى لجنة برلمانية ليبية خلال زيارتها اليونان إلى انتزاع آلية تتيح لها إدارة «الأرصدة المجمدة في الخارج»، أو الإشراف على رقابتها، يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)

كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية موجة جدل واسعة

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مع فريق طبي ليبي في مركز مصراتة الطبي للقلب (مكتب الدبيبة)

وعكة الدبيبة الصحية تحيي سيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة ليبيا

أعادت الوعكة الصحية التي ألمّت برئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، إحياء ملف حساس يتعلق بسيناريوهات «الغياب المفاجئ» لقادة البلاد.

جاكلين زاهر (القاهرة)
تحليل إخباري المنفي في لقاء مع أعضاء في اللجنة العسكرية «5+5» في طرابلس (مكتب رئيس المجلس الرئاسي الليبي)

تحليل إخباري غموض وتضارب ليبي بشأن خليفة رئيس الأركان

يتعمق التضارب والغموض في ليبيا حول اسم رئيس الأركان الجديد للقوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، بعد مرور 3 أسابيع على حادث سقوط طائرة الحداد ومصرعه.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

على الرغم من التحذيرات الأممية لمجلس الدولة الليبي من اتخاذ أي «خطوات أحادية» بشأن مفوضية الانتخابات، أعلن عن اختياره 3 أعضاء جدد لمجلس المفوضية.

خالد محمود (القاهرة)

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
TT

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

تواجه جماعة «الإخوان» عزلة دولية بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

وانضمت الأرجنتين إلى قائمة الدول التي اتخذت قراراً بحظر «الإخوان»، حيث أعلنت، الخميس، «إدراج فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية»، حسب ما أعلن مكتب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ويرى خبراء وباحثون أن قرار ترمب «سوف يوسع من الحظر الدولي لفروع (تنظيم الإخوان)»، وتحدثوا عن أن «هناك دولاً سوف تتخذ نفس الخطوات، رغم أن الإجراءات الأميركية لن تؤثر على كافة فروع الجماعة في الخارج».

وجاء التحرك الأرجنتيني بعد يومين، من إعلان وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين، الثلاثاء، «تصنيف (جماعة الإخوان) بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان كـ(منظمات إرهابية)».

وقالت الحكومة الأرجنتينية إن «قرارها استند إلى تقارير رسمية تُثبت وجود أنشطة غير مشروعة ذات طابع عابر للحدود تشمل أعمالاً إرهابية ودعوات علنية للتطرف العنيف، فضلاً عن صلات مع منظمات إرهابية أخرى وتأثيرها المحتمل على جمهورية الأرجنتين».

وأشارت إلى أن «هذا الإجراء يعزّز آليات منع الإرهاب والكشف المبكر عنه ومعاقبة مموليه، بحيث لا يتمكن أعضاء (تنظيم الإخوان) وحلفاؤهم من الإفلات من العقاب».

ووفق الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، فإن «قرار الرئيس الأميركي ضد (الإخوان) سوف يشجع دولاً أخرى لحظر الجماعة وفروعها في الخارج»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك توقعات لاتخاذ دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا وفنزويلا، قرارات مشابهة بتصنيف الجماعة كـ(منظمة إرهابية)».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وأشار فرغلي إلى أن «الحظر المتتالي لجماعة (الإخوان) توازيه تحركات أوروبية مماثلة في النمسا والسويد». وقال إن «الأهم في القرارات الدولية هو مدى تأثيرها على تحركات التنظيم في الخارج»، منوهاً إلى أن «الإجراءات الأميركية تعدّ جزئية، لأنها شملت فروعاً بعينها محيطة بإسرائيل»، في حين أن «هناك فروعاً ومنظمات أخرى تابعة لـ(الإخوان) تحمل أسماء أخرى، لم يطلها قرار الحظر».

وجاء في البيان الرسمي الأميركي: «تدّعي فروع (الإخوان المسلمين) أنها منظمات مدنية شرعية، بينما تدعم في الخفاء وبحماسة جماعات إرهابية مثل (حماس).

وبناء على ذلك، يُدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الفرعين المصري والأردني لجماعة (الإخوان) بسبب تقديمهما دعماً مادياً لـ(حماس)، بوصفهما (إرهابيين عالميين مصنّفين بشكل خاص)»، بموجب سلطة مكافحة الإرهاب المنصوص عليها في الأمر التنفيذي رقم «13224» بصيغته المعدّلة.

«تثبت التحركات الدولية لعزل تنظيم (الإخوان) صحة الرؤية العربية والمصرية تجاه التنظيم»، بحسب تقدير فرغلي، الذي أشار إلى أن «القاهرة كانت سبّاقة بتصنيف (الإخوان) كجماعة إرهابية».

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» كـ«جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم، وسط انقسامات حادة، بحسب مراقبين.

خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، يرى أن «(جماعة الإخوان) تواجه عزلة دولية بعد القرارات الأميركية الأخيرة». وأشار إلى أن «تصنيف التنظيم (كجماعة إرهابية) سيحدّ من تحركاته، خصوصاً في مصر ولبنان والأردن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من تأثير القرار تجميد أموال التنظيم، وحظر سفر أعضائه، ومنع حصول أعضائه على أي دعم، مع تجريم أي شخص أو مؤسسة تقدم مساعدة للجماعة».

صابر يعتقد أن «هناك صعوبة في إدراج التنظيم كاملاً كحظر عابر للحدود، بسبب صعوبات قانونية في تصنيف منظمات تابعة للجماعة، لكنها تحمل أسماء أخرى». وقال إن «إجراءات واشنطن لن تطبق في الداخل الأميركي فقط، إنما ستطول أي معاملات خارجية لفروع الجماعة التي جرى حظرها».


مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
TT

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

تتطلع مصر إلى التوسع في تجربة التعليم الياباني؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «مضاعفة عدد المدارس اليابانية المستهدفة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وزيادة أعداد الخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارة هذه المدارس».

وأنشأت الحكومة «المدارس المصرية-اليابانية»، بهدف تطبيق مناهج متطورة، تستلهم فلسفة التعليم اليابانية. ووصل عدد هذه المدارس حتى نهاية عام 2025 إلى 69 مدرسة، كما تُشارك اليابان في تطوير مناهج الرياضيات بما يتوافق مع مخرجات التعليم الياباني.

واستقبل الرئيس السيسي، في القاهرة، الخميس، وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني، ماتسوموتو يوهي، في حضور وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، وسفير اليابان في القاهرة، إيواي فوميو.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم، مشيداً بالمساهمة اليابانية البارزة في مشروع إنشاء المتحف المصري الكبير وبنجاح مشروع المدارس المصرية-اليابانية». وأشار إلى «اهتمام مصر بزيادة عدد هذه المدارس في مختلف المحافظات، وتعزيز مشاركة وزيادة عدد المديرين والخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارتها».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقبال وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني (الرئاسة المصرية)

ولفت الوزير الياباني ماتسوموتو يوهي إلى أن زيارته لمصر هي الأولى خارجياً منذ توليه مهام منصبه، ما يعكس حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التعليم. مؤكداً أن «مشروع المدارس المصرية-اليابانية يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون التنموي والدعم الذي تقدمه اليابان لشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، إن اللقاء تناول آفاق تطوير العلاقات التعليمية بين مصر واليابان، بما يشمل التعاون في تطوير المناهج المصرية وتدريس مادة البرمجيات لنحو 750 ألف طالب وفق المناهج اليابانية، بالإضافة إلى التعاون في التعليم الفني، وتأهيل المعلمين المصريين لتدريس اللغة والمناهج اليابانية، ودعم برامج تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما جرى بحث سبل توسيع نطاق المدارس اليابانية في مصر لتكون نموذجاً يمكن تعميمه في أفريقيا والمنطقة العربية. وشدد السيسي خلال اللقاء على «أهمية الاستفادة من التجربة اليابانية المتميزة في الانضباط والرؤية التعليمية، والعمل على تكثيف برامج التبادل الطلابي بين البلدين».

مصر تتطلع إلى مضاعفة العدد المستهدف من المدارس اليابانية (الرئاسة المصرية)

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي في ديسمبر الماضي، أن «الحكومة تدعم نجاح مشروع المدارس اليابانية في مصر والتوسع فيه تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي». مشيراً إلى «حرص مصر على الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية الرائدة بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري، وزيادة عدد المدارس اليابانية والخبراء اليابانيين العاملين في مصر لتحقيق طفرة تعليمية نوعية».

وبدأت مصر تدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية، عبر منصة «كيريو»، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم المصرية في وقت سابق.


القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
TT

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ«جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل» في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين، أن «المحكمة العليا»، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، مجدداً لتنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس (آذار) المقبل، وهذا بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد، إذ دعا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان، مشدداً على أن الملف «يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة».

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن «سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية»، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة «كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام».

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ«أحداث الأربعاء ناث إيراثن» (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة رئيسه عثمان معزوز، خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ«التوظيف السياسي للجهاز القضائي»، والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع، ومواجهة ما سمّاه «حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي».

وأكد الحزب، في بيانه، أنه «صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة»، مؤكداً «تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم».

وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة، حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً، ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» أن «إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف، واحترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة مصداقية العدالة عبر أحكام لا تنطق إلا باسم الحقيقة».

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أحكامها في «قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل»، وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة. إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً، وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

مدانون بالإعدام في قضية الانتماء إلى ماك وحرائق القبائل (الشرطة)

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس (آب) 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. وأودت النيران المستعرة بحياة 90 شخصاً، زيادة على هلاك مواشي السكان وحقولهم والعطاء النباتي في المنطقة.

وتم تثبيت الأحكام في درجة الاستئناف عام 2023، وسط احتجاج كبير للمحامين وعائلات المدانين، علماً أن تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر مجمَد منذ أكثر من 30 سنة، على خلفية ضغوط دولية أجنبية في سياق الاقتتال بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي فترة تعرف بـ«العشرية السوداء».

وبث الأمن الجزائري «اعترافات» لعدد كبير من المعتقلين بعد الأحداث، أكدوا كلهم أنهم وراء النيران المستعرة، وأنهم أشعلوا المنطقة بأوامر من رئيس تنظيم «حركة الحكم الذاتي في القبائل» (تحول لاحقاً إلى حركة تقرير مصير القبائل) فرحات مهني، الذي يتحدر من المنطقة، ويقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا بصفته لاجئاً سياسياً، الذي أعلن في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2024 «دولة القبائل المستقلة» في خطوة تصعيدية جديدة مع الجزائر.

قصاص تحت ضغط الشارع

كان جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 38 عاماً يوم الأحداث، قد توجه طوعاً إلى بلدة الأربعاء ناث إيراثن، للمشاركة في إخماد الحرائق.

الشاب القتيل جمال بن إسماعيل (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

غير أن الشبهات سرعان ما لاحقته من طرف بعض سكان البلدة، على خلفية كونه غريباً عن المنطقة، حيث جرى اتهامه من دون تثبت، بالضلوع في إشعال الحرائق. وإزاء ذلك، بادر جمال إلى تسليم نفسه لقوات الشرطة طلباً للحماية، لكن حشداً من المواطنين الغاضبين انتزعه من أيدي عناصر الأمن، واعتدى عليه بوحشية قبل أن يحرق حيّاً، مع التنكيل بجثته، في مشاهد وثقت وبثت مباشرة عبر منصة «فيسبوك».

وأظهرت المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حشوداً هائجة تطوق سيارة الشرطة التي كان بداخلها، قبل أن تسحبه منها وتنهال عليه ضرباً بينما كان جمال يتوسَل إليه أن يتركوه «لأنني بريء والله بريء ياخاوتي». وبعد تعذيبه، أضرم النار في جسده، فيما ظهر شبان يلتقطون صوراً تذكارية إلى جانب جثته.

وقد أثارت هذه الجريمة صدمة وغضباً عارمين في مختلف أنحاء البلاد، رافقها تداول واسع للصور والمقاطع مرفقة بوسم #العدالة_لجمال_بن_إسماعيل.

ويرى عدد معتبر من المحامين المتابعين لهذا الملف أن لجوء القضاء إلى نقض الأحكام يندرج في إطار تصحيح أخطاء نتجت عن قرارات اتُّخذت على عجل، في ظل ضغط رأي عام كان يطالب بالقصاص.