تحشيدات طرابلس... ولاءات آيديولوجية تفاقم مخاوف الليبيين من مواجهة وشيكة

تسليح خفيف ومتوسط للميليشيات المتناحرة

عناصر تابعة لجهاز «الردع» خلال طابور عسكري في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للجهاز)
عناصر تابعة لجهاز «الردع» خلال طابور عسكري في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للجهاز)
TT

تحشيدات طرابلس... ولاءات آيديولوجية تفاقم مخاوف الليبيين من مواجهة وشيكة

عناصر تابعة لجهاز «الردع» خلال طابور عسكري في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للجهاز)
عناصر تابعة لجهاز «الردع» خلال طابور عسكري في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للجهاز)

تُسلط تحشيدات الميليشيات المتناحرة في العاصمة الليبية طرابلس الضوء على تنازع الولاءات لتيارات دينية، وسباق على النفوذ داخل مؤسسات ومرافق سيادية، راسمة خريطة لمكامن قوة الخصوم في العاصمة الليبية طرابلس، على وقع رعب متزايد لليبيين من احتمال مواجهة وشيكة.

وتهيمن فصائل متحالفة وتابعة لوزارتي الدفاع والداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على مناطق في غرب وجنوب طرابلس، فيما تقع أجزاء من شرقها تحت نفوذ خصومها، وتتمثل في عناصر «قوة الردع الخاصة». أما منطقة التماس بين الطرفين فتسيطر عليها سبعة ألوية وكتائب مسلحة من خارج العاصمة طرابلس، وتحديداً من مصراتة.

وحسب محللين ليبيين وتقارير محلية، فإن من أبرز مظاهر الولاءات الآيديولوجية في المشهد الحالي، تحالف رئيس حكومة الوحدة مع المفتي المعزول، الصادق الغرياني، الذي يقود تياراً محسوباً على ما يعرف بـ«الإسلام السياسي».

الدبيبة خلال اجتماع مع آمر المنطقة العسكرية الساحل الغربي الفريق صلاح النمروش منتصف الشهر الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

ويُعرف الغرياني بين الليبيين بأنه حليف غير معلن لجماعات الإسلامي السياسي، وخصوصاً «الإخوان» في ليبيا، وهي وجهة نظر يتبناها المحلل العسكري الليبي، محمد الترهوني، وفق ما ذكر لـ«الشرق الأوسط». وقد دأب المفتي المعزول على قيادة حملة إعلامية داعمة للدبيبة ضد ميليشيا «الردع»، عبر قناة محلية، تتمحور حول سجناء ينتمي بعضهم إلى تنظيم «داعش» المتشدد وتنظيمات متطرفة في سجن معيتيقة، الذي يخضع لسيطرة جهاز «الردع».

وأشار الترهوني إلى وجود عناصر سابقة من تنظيمي ما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي»، و«مجلس شورى مجاهدي درنة»، بين صفوف قوتين تخضعان لسلطة الدبيبة، وهما «اللواء 444» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111» بقيادة عبد السلام الزوبي. علماً بأن التنظيمين المتطرفين خاضا قبل سنوات حرباً ضد قوات «الجيش الوطني الليبي» في بنغازي ودرنة، في إطار ما يعرف بـ«الحرب على الإرهاب».

أما حليف الدبيبة القوي الثالث فهو ميليشيا «الأمن العام»، بقيادة عبد الله الطرابلسي، شقيق وزير الداخلية عماد الطرابلسي، وهو غير مصنف آيديولوجياً، لكنه يندرج ضمن ما يصفه محللون بأنه علاقة «تحالف نفعي»، فيما بات يعرف بـ«حكم العائلات» في ليبيا.

وكيل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة عبد السلام الزوبي يتوسط عدداً من أعيان مصراتة (الصفحة الرسمية للواء 111)

أما في معسكر خصوم الدبيبة، فإن ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز الردع»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، يتبنى فكر «السلفية المدخلية»، التي تكن خصومة آيديولوجية ضد جماعات «الإسلام السياسي»؛ وهو ما يفسر لدى محللين صداماته السابقة مع كتائب أو شخصيات محسوبة على هذه الأطياف في طرابلس.

وفي فريق الخصوم أيضاً، يبدو موقف ميليشيا ما تعرف بكتيبة «رحبة الدروع» في تاغوراء، تجسيداً لجانب من شبكة تقليدية من «تحالفات مرنة وغير مستقرة». ورغم صراع «رحبة الدروع» السابق مع ميليشيا «الردع» قبل ست سنوات، وعلاقة قائدها بشير خلف الله، المعروف بـ«البقرة»، مع المفتي الغرياني، فإن استشعارها بالخطر جعلها ربما تصطف بشكل غير معلن مع «الردع».

هذا الاصطفاف طفا على السطح بعد مقتل قائد ميليشيا «جهاز دعم الاستقرار»، عبد الغني الككلي «غنيوة»، وما تبعه من اقتحام معقله على يد قوات موالية للدبيبة في 12 مايو (أيار) الماضي. علماً بأن ميليشيا «جهاز دعم الاستقرار»، الذي تراجع نفوذه بشدة بعد مقتل قائده «غنيوة»، لا يعرف عنه انتماءات آيديولوجية.

وفي مسار متداخل مع هذا الصراع الآيديولوجي، تبدو شبكة النفوذ السيادية والأمنية والاقتصادية حاضرة في مشهد التحشيدات الميليشياوية في طرابلس.

ويتبلور ذلك في معركة النفوذ على مطار معيتيقة في طرابلس، وسجن معيتيقة الخاضع لسلطة «الردع»، إذ يطالب الأخير بتسليمه إلى سلطة حكومته تحت شعار «فرض هيبة الدولة».

وحسب الترهوني، فإن رئيس حكومة «الوحدة» يريد تشديد سلطة حكومته على «المرافق الحكومية والجهات السيادية، كالمصرف المركزي والشركات والمؤسسات، دون منافس حقيقي».

ومعلوم أن تغلغل الميليشيات في طرابلس أدى إلى ظهور «اقتصاد الحرب»، حيث أصبحت تعمل كـ«كارتل»، وتسيطر على المؤسسات الاقتصادية، وتستفيد من احتكار التهريب، والتحكّم في الدعم والسلع الموزّعة بأسعار مدعومة، وهي أيضاً تقديرات «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن.

وعلى صعيد موازين قوى النزاع المسلح في طرابلس، فإنه لا توجد تقديرات رسمية لقوى الحشد والقدرات التسليحية للميليشيات، لكنها وفق تقديرات دولية، تمتلك قدرة تعبئة سريعة، وآليات مدرعة خفيفة ومتوسطة، ومضادات أرضية، وأسلحة ثقيلة متنقلة.

عناصر تابعة للتشكيل المسلح «اللواء 444» خلال تأمين إحدى لجان الانتخابات البلدية في طرابلس (الصفحة الرسمية للتشكيل)

ويبدو حلفاء الدبيبة هم الأعلى كعباً في موازين التسليح، وتحديداً في ميليشيا «444» و«111»، وفق الترهوني، إذ إنها «الأقوى تسليحاً، استناداً إلى الدعم المالي الحكومي لوزارة الدفاع الذي قدرته بيانات المصرف المركزي بنحو 2.6 مليار دينار منذ مطلع العام الجاري». كما أن استخدام قوات حكومة الدبيبة لـ«المُسيرات» في اشتباكات مايو الماضي، طرح تساؤلات حول إمكانية دخول هذا السلاح في أي معركة مرتقبة، أخذاً في الاعتبار تقارير تتحدث عن استيراد سلطات طرابلس لمسيرات أوكرانية، ولم تقابل بنفي حكومي صريح.

في المقابل، فإن خصم الدبيبة في قوة «الردع»، يبدو على قدر عال من «الانضباط»، وفق الترهوني، حيث يمتلك قوة قوامها آلاف المقاتلين، وتسليحاً خفيفاً ومتوسطاً، مع قدرات تدخل خاص داخل العاصمة.

وأخيراً تسلط الضوء على التشكيلات العسكرية المرجحة لأي حرب محتملة، خصوصاً مع تسارع وتيرة التدفقات العسكرية الموالية للدبيبة، والقادمة من عدد من مدن الغرب الليبي إلى طرابلس.

وتمثل التشكيلات المسلحة في مدينة مصراتة، وعدد من مدن الغرب الليبي، «فرس رهان» لدى أنصار معسكر الدبيبة في أي مواجهة محتملة مع «الردع»، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعدادها تتجاوز 17 ألف مقاتل. ويبرز من بين التشكيلات المسلحة الموالية للدبيبة في مصراتة «قوة العمليات المشتركة»، التي يقودها عمر بوغدادة، إلى جانب مجموعات مسلحة في مدن الزاوية والزنتان وغريان.

المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» (رويترز)

وفي جانب بعيد عن المشهد، يترقب الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر (شرق)، مسارات ومآلات الأحداث في طرابلس.

وفي هذا السياق تستبعد تقديرات «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» تكرار أي تدخل مباشر من جانب حفتر في معادلة الصراع، تأسيساً على «تغير مفردات وقواعد المعادلة على مستوى القوى، واللاعبين الموجودين في المشهد عما كان عليه قبل حرب طرابلس، التي شنها في أبريل (نيسان) 2019».

وتلوح في الأفق راهناً أنباء عن بوادر اتفاق شامل بين حكومة «الوحدة» وخصومها برعاية المجلس الرئاسي، قد ينزع فتيل الأزمة.

إلا أن الباحث السياسي، محمد الأمين، يرى «ضرورة وجود خطوات ملموسة تنهي عسكرة العاصمة، وتُخضع الجميع لسلطة القانون، وعكس ذلك هو اتفاق شكلي سيعيد الصراع».


مقالات ذات صلة

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

شمال افريقيا الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

من طرابلس إلى مصراتة طالب حقوقيون ليبيون بإطلاق الناشط المهدي عبد العاطي كما أهابوا بالنائب العام سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

أفاد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، بأن «السلام الذي ساد في ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، ولكنه قائم، ويعتمد استمراره على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.