«الدَّين العام» يصدم الليبيين ويجدد الحديث عن «فواتير الانقسام»

القفزة الفلكية في الديون الداخلية انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين ومدخراتهم

رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في لقاء مع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بالعاصمة طرابلس (المركزي الليبي)
رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في لقاء مع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بالعاصمة طرابلس (المركزي الليبي)
TT

«الدَّين العام» يصدم الليبيين ويجدد الحديث عن «فواتير الانقسام»

رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في لقاء مع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بالعاصمة طرابلس (المركزي الليبي)
رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في لقاء مع محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى بالعاصمة طرابلس (المركزي الليبي)

يعيش الليبيون على وقع «صدمة شديدة» بعد إعلان «المصرف المركزي» في طرابلس عن تجاوز أرقام «الدين العام المحلي» 284 مليار دينار، تراكمت على مدار 11 عاماً، فيما عدّه خبراء «فاتورة باهظة» للانقسام السياسي. (الدولار يساوي 5.42 دينار في السوق الرسمية و7.79 دينار في الموازية).

ويبدو أن القفزة الفلكية في ديون ليبيا الداخلية انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين ومدخراتهم، وفق رؤية رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام في طرابلس، عبد الرازق الداهش، الذي ضرب مثلاً على ذلك «باضطرار قطاعات واسعة من الليبيات لبيع مقتنياتهن من الذهب».

القفزة الفلكية في ديون ليبيا الداخلية انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين ومدخراتهم (أ.ف.ب)

من جهته، يستنتج الخبير والمحلل المالي، الدكتور خالد الزنتوتي، بحسب حسابات أجراها، أن كل مواطن ليبي «مدين بنحو 40 ألف دينار حسب الأرقام الأخيرة، وهذا يعني أن العائلة المكونة من متوسط 5 أفراد مدينة بنحو 200 ألف دينار».

ومع استشعار مخاطر تراكمات «الدين العام»، التي كشفها «المركزي»، سارع مجلس النواب (شرق) إلى إقرار مشروع قانون يقضي بتسوية الدين العام حتى نهاية مايو (أيار) الماضي، في ختام جلسة عاصفة منتصف الأسبوع الماضي، شهدت اعتراضات برلمانية، ولم يتوقف بعدها الجدل.

تداعيات الانقسام السياسي

الملاحظ أن الانقسام السياسي بات هو المتهم الرئيسي في إثقال كاهل الدولة الليبية بالدين العام، خصوصاً مع إقرار رئيس لجنة المالية بمجلس النواب، عمر تنتوش، بأن القانون يخص الديون المتراكمة على الحكومات لدى المصرف المركزي والمصارف منذ عام 2014.

ويحمّل اقتصاديون، ومن بينهم الزنتوتي، النائب السابق لرئيس المصرف الليبي الخارجي، «الانقسام السياسي» مسؤولية تراكم الدين العام في ليبيا، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، مبرزاً أن «كل طرف سياسي يفسر الدين العام، ويحدد كيفية الحصول عليه بطريقته الخاصة». ويذهب إلى الاعتقاد أن هذا التراكم للدين العام «غير قانوني، ومخالف للمعايير الدولية»، مستنداً في ذلك إلى أرقام سبق أن أعلنها مسؤولون «تكشف ارتفاع الدين بنحو 50 في المائة خلال سنتين».

عبد الرازق الداهش تحدث عن اضطرار قطاعات واسعة من الليبيات لبيع مقتنياتهن من الذهب لتأمين حاجياتهن اليومية (أ.ف.ب)

ويبدو طبيعياً أن تلجأ الحكومات إلى الاقتراض من المصارف، عبر أدوات مصرفية مثل «السندات» و«أذونات الخزانة» لمواجهة عجز الإيرادات العامة عن تغطية النفقات العامة. لكن الزنتوتي يرى أن الحالة الليبية اتجهت إلى «الإنفاق الاستهلاكي، دون خطة واضحة للسداد، أو حتى ضبط للإنفاق، ودون مردود على الاقتصاد الوطني».

مأزق الدين الحكومي

في مواجهة مأزق الدين الحكومي، حظر التشريع البرلماني الجديد على الخزانة العامة الاقتراض من الخارج، أو الداخل، أو إصدار صكوك جديدة، وقرر خصم 3 في المائة من الإيرادات العامة من النفط والغاز والضرائب مباشرة لصالح المصرف المركزي، إلا أن هذا القانون لا يبدو كافياً في نظر محللين. وبحسب وجهة نظر الخبير الاقتصادي، الدكتور عمر زرموح، فإن أرقام الدين العام «تحتاج أولاً إلى مراجعة وتدقيق من جهة أو جهات محايدة وفي ضوء القانون الليبي»، ومن ثم «تحميل المسؤولية للمخالفين وإعلان ذلك للشعب».

وجهة النظر نفسها تبناها الزنتوتي، الذي لا يعتقد أن «ما تم إقراره في البرلمان أخيراً قادر على الإيفاء بهذا الدين، في ظل وجود حكومتين، وعدم توحيد الجسم السياسي والرقابي للدولة»، بل ويخشى من «نمو هذا الدين العام بشكل أكبر وربما مخيف».

يُشار إلى أن تحرك البرلمان لإصدار هذا القانون قوبل بانتقاد شديد اللهجة من جانب عضو المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، الذي رأى أن ما يثقل كاهل الليبيين ليس الأرقام في دفاتر الموازنات، بل غياب التوافق الوطني، الذي يُعيد بناء الثقة ويُعالج جذور الأزمة.

وتبلغ القيمة الإجمالية للدين العام 284 ملياراً و191 مليوناً و418 ألفاً و884 ديناراً حتى 31 مايو 2025، وذلك بحسب خطاب المصرف المركزي لمجلس النواب. علماً بأنها تشمل التزامات الخزانة العامة لصالح المصرف المركزي، من سندات وأذونات وسلف مؤقت، وقروض ورصيد الحساب المكشوف.

في غضون ذلك، ما تزال السرية تحيط بمخرجات اجتماع مغلق بين رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ومحافظ المركزي، ناجي عيسى، الأربعاء الماضي، لمناقشة ملفات مالية، من بينها الدين العام، وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مسؤولين بـ«المركزي» لكن لم يتسن لها الحصول على رد.

عقيلة صالح ومحافظ المصرف المركزي في اجتماع بحضور بلقاسم حفتر وأسامة حماد (حكومة الاستقرار)

بدوره، يحذر الباحث والمحلل السياسي الليبي، محمد الأمين، من مغبة ما عدها «حلولاً ترقيعية»، و«رهاناً على النفط وحده»، مشيراً إلى الحاجة إلى «إرادة سياسية لبناء اقتصاد منتج، وإصلاح جذري لمالية الدولة، ومصارحة حقيقية للمواطنين».

ولا يخفي الأمين خشيته من أن يكون التحرك الجديد للبرلمان والمصرف المركزي «مشهداً آخر»، فيما وصفها بأنها «مسرحية إدارة الإفلاس».

في المقابل، فإن المشهد ليس قاتماً على نحو كامل؛ إذ إن الإشارة الإيجابية الوحيدة هي أن «الدين العام المحلي بالدينار الليبي، وهو أخف وطأة من الدين العام الخارجي بالعملة الصعبة»، وفق الزنتوتي.


مقالات ذات صلة

رئيس «مفوضية الانتخابات» في ليبيا يتهم البعثة الأممية بـ«تكرار الأخطاء»

شمال افريقيا السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)

رئيس «مفوضية الانتخابات» في ليبيا يتهم البعثة الأممية بـ«تكرار الأخطاء»

اتهم رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عماد السايح، بعثةَ الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بتكرار ما وصفه بـ«الأخطاء السابقة»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لمرشحين ليبيين سابقين لرئاسة الحكومة (الحساب الرسمي لسلامة الغويل)

هل أنهت صراعات الأفرقاء في ليبيا آمال «حكومة موحدة»؟

وسط احتدام الانقسام السياسي وتبادل الاتهامات بين الأفرقاء الليبيين، عاد حديث «الحكومة الموحدة» إلى الواجهة.

علاء حموده
شمال افريقيا الدبيبة خلال آخر ظهور مع قادة محليين في 30 بلدية قبل إصابته بوعكة صحية (مكتب الدبيبة)

استقرار الوضع الصحي لرئيس «الوحدة» الليبية عقب جراحة مفاجئة

أعلنت حكومة «الوحدة» المؤقتة في غرب ليبيا، السبت، أن رئيسها عبد الحميد الدبيبة خضع لـ«تدخل طبي بسيط» داخل إحدى المؤسسات الصحية الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حملة تفتيش على أحد متاجر بيع المواد الغذائية في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)

«الوحدة» الليبية تلجأ لـ«التسعيرة الجبرية» لمواجهة الغلاء

تزايد الجدل بشأن الإجراءات الحكومية لضبط ارتفاع الأسعار في غرب ليبيا، بعد أن تمسكت حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) بقرار اللجوء إلى «التسعيرة الجبرية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي يقدم العزاء في الحداد وغريبيل (الأمين العام للقيادة العامة)

وفد لحفتر يزور غرب ليبيا لتقديم العزاء في الحداد ورفاقه

في خطوة لاقت استحساناً في أوساط الليبيين، زار وفد تابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» مدينتي مصراتة وطرابلس لتقديم واجب العزاء في ضحايا طائرة الحداد ورفاقه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
TT

مصر تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)
مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (مجلس النواب المصري)

أسدلت مصر الستار على أطول استحقاق انتخابي، بإعلان «الهيئة الوطنية للانتخابات»، النتائج الرسمية لآخر جولة بانتخابات مجلس النواب (البرلمان)، السبت.

وأعلن رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات»، القاضي حازم بدوي، نتائج جولة الإعادة للدوائر الملغاة بأحكام قضائية، في المرحلة الأولى من الانتخابات، والبالغ عددها 27 دائرة انتخابية.

وتعد انتخابات مجلس النواب المصري أطول استحقاق نيابي في البلاد، بعد أن استمرت فعالياتها 99 يوماً، وأُجْرِيَ التصويت على 8 جولات، شملت الانتخاب في 27 محافظة على مرحلتين وجولتي الإعادة بهما، إلى جانب التصويت على 19 دائرة ملغاة بقرارات من «هيئة الانتخابات»، و30 دائرة ملغاة بأحكام قضائية وجولتي الإعادة بهما.

وبدأت إجراءات انتخابات البرلمان المصري بفتح باب الترشح في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُجري التصويت على آخر جولة انتخابية يومي الثالث والرابع من يناير (كانون الثاني) الحالي، قبل إعلان النتيجة النهائية رسمياً، السبت.

ولا تتسم الانتخابات النيابية في مصر، بكونها الأطول فقط في الحياة البرلمانية، ولكنها الأكثر زخماً، وفق القاضي حازم بدوي، وقال خلال مؤتمر صحافي، السبت، إن «العملية الانتخابية انتهت، وترتب عليها تشكيل مجلس النواب للفصل التشريعي الثالث».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات مجلس النواب (مجلس الوزراء المصري)

وحسب بيان رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات»، بلغت حصيلة المشاركة في الانتخابات البرلمانية المصرية نحو 32.41 في المائة، بعد مشاركة 22 مليوناً و657 ألف ناخب، من إجمالي من يحق لهم التصويت في الانتخابات، وعددهم 69 مليوناً و891 ألف ناخب.

وتعد نسبة المشاركة، أعلى من نظيرتها في انتخابات برلمان 2020، والتي بلغت حينها 29.5 في المائة، حسب بيانات «الهيئة الوطنية للانتخابات».

وأظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب المصري، بينهم 8 أحزاب من المعارضة، و7 أحزاب مؤيدة للنظام الحالي، وفق تقرير أولي «لهيئة الاستعلامات المصرية»، الأسبوع الماضي، وأشار إلى أن «أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين»، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

ويبلغ عدد مقاعد مجلس النواب المصري 568 مقعداً، يتم انتخاب نصفهم بنظام القوائم المغلقة، والنصف الآخر بالنظام الفردي، في حين يعيِّن الرئيس المصري 5 في المائة من مقاعد المجلس، وعددهم 28 عضواً، ليصل إجمالي أعضاء البرلمان المنتخبين والمعينين 596 عضواً.

ويعتقد عضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، عصام شيحة، أن «انتخابات البرلمان المصري، أجريت وسط إرادة سياسية من الحكومة حرصت على نزاهتها»، وقال إن «تدخل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بطلب تصويب مسار الانتخابات في بدايتها ترتب عليه حياد كل المؤسسات، وحفّز قطاعات مجتمعية على المشاركة».

وتدخل السيسي قبل إعلان نتيجة المرحلة الأولى من الانتخابات في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بطلب «الفحص والتحقيق في مخالفات التصويت بتلك المرحلة»، إلى جانب «الإعلان عن الإجراءات المتخذة نحو ما وصل إليها من مخالفات في الدعاية الانتخابية».

ويرى شيحة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراءات التصويت بالانتخابات تمت وسط توافر عوامل تدعم مصداقية الانتخابات، من بينها رقابة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المصرية والأجنبية»، عاداً طول فترة الاستحاق الانتخابي «يعكس امتلاك الحكومة المصرية القدرة على إدارة الانتخابات بشكل جيد وفي موعدها من دون إلغاء».

إحدى جلسات البرلمان المصري الشهر الماضي (مجلس النواب المصري)

وأشار رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات» في المؤتمر الصحافي، إلى أن «الانتخابات حظيت بأكبر متابعة واهتمام من الرأي العام»، وقال إن «المؤسسات المصرية التزمت بالحياد التام خلال الانتخابات»، منوهاً إلى أن «الهيئة لم يضق صدرها بالانتقادات، بل تصدت من تلقاء نفسها للتصرفات الخاطئة التي كادت أن تؤثر في سلامة الاستحقاق الانتخابي».

وجاءت مخرجات الانتخابات البرلمانية أفضل من جميع التوقعات، وفق تقدير رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان (إحدى منظمات متابعة انتخابات مجلس النواب المصري)، علاء شلبي، وقال إن «العملية الانتخابية رغم طول مداها الزمني، فإنها الأفضل من زاوية قدرة الحكومة المصرية على تنفيذها في سياق إقليمي مضطرب»، كما أنها «عكست القدرة على إصلاح الأخطاء في أثناء الانتخابات».

وأوضح شلبي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المعيار الحاكم في الخروقات الانتخابية هو مدى تأثيرها في النتائج النهائية»، مشيراً إلى أن «الأخطاء التي شهدتها الانتخابات المصرية جرى إصلاحها بعد إعادة التصويت في 49 دائرة انتخابية»، وقال إن «تصويب مسار الانتخابات أحدث تحولات كبيرة في التصويت وهو ما أظهرته نتائج الانتخابات».

وبعد انتهاء الانتخابات، تعهد القاضي حازم بدوي بـ«تنظيم هيئة الانتخابات برامج تدريبية للمسؤولين في الأحزاب السياسية بشأن إعداد القوائم الانتخابية، لتلافي ما جرى في الاستحقاقات الماضية، والتي أدت إلى شطب بعض تلك القوائم، نتيجة عدم استيفاء الإجراءات القانونية للترشح».


الدعم المالي الأوروبي لمصر يعزز شراكة سياسية فعالة

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
TT

الدعم المالي الأوروبي لمصر يعزز شراكة سياسية فعالة

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل كايا كالاس الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السبت (الرئاسة المصرية)

تدعم زيارة الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى القاهرة إحراز تقدم نحو تسليم دفعة جديدة من الدعم المالي الأوروبي لمصر بعد أن أكدت المسؤولة الأوروبية «صرف الشريحة الثانية من الحزمة المالية خلال الأيام المقبلة»، وهو ما رآه خبراء «يعزز شراكة سياسية فعالة بين الطرفين».

والتقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، كالاس في القاهرة، السبت، وأبدى ترحيباً «بالاستثمارات الأوروبية فى مصر بقطاع الطاقة الجديدة والمتجددة وإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر»، بينما تطرق الاجتماع إلى التنسيق المصري الأوروبي بشأن جملة من القضايا السياسية والدبلوماسية المرتبطة بتسوية الأوضاع في المنطقة عبر السبل السلمية، وتأكيد ضرورة الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الموقَّع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأعلنت كالاس في منشور على منصة «إكس»، عقب لقائها السيسي، السبت، «أن الدفعة الجديدة من المساعدات المالية الأوروبية لدعم الاقتصاد المصري (في الطريق)، وأن قيمة هذه المساعدات تبلغ 1 مليار دولار»، مشيرة إلى أن الدفعة الجديدة من المساعدات الأوروبية تهدف إلى «دعم الاقتصاد المصري، وتعزيز أجندة الإصلاح».

وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن في عام 2024 عن حزمة تمويل شاملة لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار)، تتضمن 5 مليارات يورو في صورة قروض ميسّرة، حيث حصلت مصر بالفعل على الشريحة الأولى البالغة مليار يورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، وتشمل الحزمة الأوروبية أيضاً استثمارات ومنحاً.

مرحلة مرتبكة

أكد سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، السفير رؤوف سعد، أن التعاون الاستراتيجي بين مصر والاتحاد الأوروبي أكبر من كونه حزمة مالية غير أن إحراز تقدم على مستوى مسارات الدعم المالي يعظم من الشراكة بين البلدين في ظل مرحلة مرتبكة من العلاقات الدولية من المتوقع أن تشهد مزيد من الفتور في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ ما يجعل هناك مساعي أوروبية جادة لتعزيز التنسيق مع دول بعيدة عن نطاقها الغربي من خلال تنشيط شبكة العلاقات الدولية.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تعزيز التعاون السياسي بين الاتحاد الأوروبي ومصر يأتي في ظل حاجة أوروبية للعب مزيد من الأدوار التي تساعد في تهدئة الأوضاع بالمنطقة، خصوصاً في قطاع غزة مع التوصل لاتفاق بشأن وقف إطلاق النار يواجه الآن صعوبات جمة في التنفيذ، خصوصاً أن القاهرة أثبتت قدرة في التعامل مع الأزمة ومواجهة ضغوطات هائلة بشأن تمرير «خطط تهجير الفلسطينيين».

وأكد أن الاتحاد الأوروبي أدرك أن وجود متاعب اقتصادية لا يعوق الدور التاريخي للدول القادرة على صنع القرار، وهو ما يدعم إنجاح توجهات إقرار الدعم المادي المتفق عليه، وصرف شريحة جديدة منه تقوى القدرات الاقتصادية المصرية، وتسهم في لعب مزيد من الأدوار المشتركة في مواجهة أزمات مختلفة بالمنطقة.

مباحثات مصرية أوروبية في القاهرة تطرقت إلى تطورات الأوضاع بالمنطقة (الرئاسة المصرية)

ويعد التعاون المشترك بشأن مواجهة «الهجرة غير الشرعية» و«مكافحة الإرهاب» من ملفات التعاون الرئيسية بين البلدين، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه كالاس، الجمعة، مشيراً إلى أن «المباحثات مع مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية تناولت الأعباء الضخمة التى تتحملها مصر نتيجة استضافتها ملايين من اللاجئين الذين هربوا من بلادهم نتيجة الأزمات المتلاحقة التى تموج بها المنطقة خصوصاً دول الجوار، وأنه تم تأكيد أهمية التشارك فى تحمل الأعباء الناجمة عن ملايين اللاجئين الذين يتواجدون فى مصر».

تأمين الممرات البحرية

بينما ثمنت كالاس «الدور الفاعل الذي تضطلع به مصر في إرساء السلام والاستقرار بالمنطقة، معربة في ذات السياق عن تطلع الاتحاد الأوروبي لبدء أول حوار بين مصر والاتحاد الأوروبي في مجالات الأمن والدفاع في مارس (آذار) 2026».

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير محمد حجازي، إن الدعم المالي المقدم لمصر في هذه المرحلة يعزز الشراكة السياسية في ظل العديد من القضايا الملحة على الساحة الدولية بينها تأمين الممرات البحرية الدولية، ووجود ممارسات غير مألوفة تتعلق بدعم جهات انفصالية في «أرض الصومال» و«جنوب اليمن»؛ ما يزيد الصراع على الثروة.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي وصلت إلى «الشراكة الاستراتيجية» وهو الأمر الذي يؤدي لتكثيف الاتصالات من الطرفين في ظل وجود «أطماع عدائية للاستيلاء على الممرات البحرية»؛ ما يهدد أوروبا والعالم، كما أن الاتحاد الأوروبي يعول لأن تقوم القاهرة بأدوار تسهم في خفض التصعيد بالمنطقة مع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة ولبنان.

وأكدت كالاس «أن الاتحاد الأوروبي يثمن الجهود الدبلوماسية التي اتخذتها مصر من أجل أمن واستقرار المنطقة، مشيراً إلى الدور المحوري لمصر في تعزيز الاستقرار الإقليمي».

وفي الأول من أبريل (نيسان) الماضي، أعربت مصر عن «تقديرها البالغ» لاعتماد البرلمان الأوروبي، في جلسته العامة، القراءة الأولى لقرار إتاحة الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي الكلي المقدمة من الاتحاد الأوروبي إلى القاهرة بقيمة 4 مليارات يورو، وذلك بأغلبية 452 عضواً من أصل 720 عضواً.

وتتضمن الحزمة ‌أيضاً استثمارات ‌ومنحاً، وجاءت لأسباب من بينها تدهور الوضع المالي لمصر بعد حرب غزة وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر والتداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا.

وفي أكتوبر الماضي وقّع الاتحاد الأوروبي ومصر خلال قمة ثنائية في بروكسل مذكرة تفاهم بشأن تقديم برنامج مساعدات مالية كلية ثانٍ لمصر بقيمة إجمالية تبلغ 4 مليارات يورو.

كما وقّع الجانبان على برنامج الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في مصر بمبلغ 75 مليون يورو، فضلاً عن اتفاقية بشأن مشاركة مصر في برنامج «هورايزون» للتبادل العلمي والطلابي التابع للاتحاد الأوروبي، وذلك على هامش مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في «القمة المصرية الأوروبية الأولى»، في العاصمة البلجيكية بروكسل.


رئيس «مفوضية الانتخابات» في ليبيا يتهم البعثة الأممية بـ«تكرار الأخطاء»

السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)
السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)
TT

رئيس «مفوضية الانتخابات» في ليبيا يتهم البعثة الأممية بـ«تكرار الأخطاء»

السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)
السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)

سجل المشهد السياسي الليبي تصعيداً جديداً، بعد اتهام رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عماد السايح، بعثةَ الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بتكرار ما وصفه بـ«الأخطاء السابقة»، وحذّر من تداعيات المضي في مسارات سياسية لا تستند إلى توافق على القوانين الانتخابية، معلناً في الوقت نفسه عن استعداده لمغادرة منصبه إذا جرى التوافق بين مجلسي النواب والدولة على إعادة تشكيل مجلس المفوضية.

وجاءت تصريحات السايح خلال مقابلة تلفزيونية، مساء الجمعة، انتقد فيها بشدة ما عدّه إصرار البعثة الأممية على تطبيق خطوات «خريطة الطريق»، من دون معالجة جوهر الأزمة، المتمثل – بحسبه – في غياب إطار قانوني متفق عليه للانتخابات.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وقال السايح إن «البعثة تكرر أخطاءً سابقة عندما اتفقت على تشكيل حكومة من دون الاتفاق على قوانين انتخابية، وهي اليوم تريد تكرار الخطأ ذاته، عبر تغيير مجلس المفوضية من دون حسم القوانين».

ومضى السايح في انتقاداته قائلاً إن البعثة الأممية «ارتكبت خطأً كبيراً بإصرارها على التمسك بخطوات خريطة الطريق»، محذّراً من أن هذا النهج قد يهدد بانقسام المفوضية العليا للانتخابات، التي يعلّق الليبيون عليها آمالاً واسعة للخروج من أزمتهم الراهنة.

ويُعد ملء الشواغر في مجلس المفوضية من بين بنود خريطة الطريق لحل الأزمة، التي عرضتها مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، غير أن الانقسام السياسي الذي تتنازعه البلاد منذ سنوات ألقى بظلاله على هذا المسار.

وفي هذا السياق، أبدى السايح استعداده لمغادرة منصبه فوراً إذا توافق مجلسا النواب والدولة على إعادة تشكيل مجلس المفوضية، مؤكداً أن «المفوضية يجب ألا تُقحم في الصراع السياسي القائم». وشدد في مقابلة مع قناة «ليبيا الأحرار» على أن «المفوضية جهة فنية محايدة»، داعياً المجلسين إلى «أخذ خطوة إلى الخلف»، ولافتاً إلى أنه في حال التوافق على تغيير المفوضية فسيتم تسليم المهام فوراً.

وعاد رئيس مجلس المفوضية للحديث عن أن شرعيته وشرعية المجلس مستمدتان من حكم صادر عن المحكمة العليا، مشيراً إلى أن تحركات بعض الأطراف لإعادة تشكيل المجلس لم تكن محل تركيز من بعثة الأمم المتحدة، التي انصب اهتمامها – بحسب قوله – على «ملء الشواغر فقط».

وكان مجلس الدولة قد أعلن رسمياً انتخاب رئيس جديد للمفوضية العليا للانتخابات بديلاً عن السايح، في خطوة أثارت اعتراض بعثة الأمم المتحدة، التي عدّت الإجراء أحادياً ولا يستند إلى توافق سياسي شامل، مؤكدة ضرورة تحييد المفوضية عن التجاذبات السياسية، واحترام الأطر القانونية والتوافقية لضمان نزاهة العملية الانتخابية واستقرارها.

السفير البريطاني ووزير الحكم المحلي الليبي في لقاء بطرابلس (حسابه على «إكس»)

في سياق متصل، أبدت بريطانيا، مساء الجمعة، دعمها لوحدة ونزاهة المفوضية العليا للانتخابات، حيث أكد السفير البريطاني لدى ليبيا، مارتن رينولدز، أهمية الحفاظ على استقلالية المفوضية، وذلك خلال لقاء وصفه بـ«المثمر» مع وزير الحكم المحلي عبد الشفيع الجويفي، ناقشا خلاله ملفات الخدمات المحلية والانتخابات البلدية، بحسب تغريدة نشرها السفير عبر منصة «إكس».

وعلى صعيد ملف الهجرة غير النظامية، أعلنت السلطات في شرق البلاد، السبت، ترحيل 39 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مصرية وإريترية وصومالية وإثيوبية. وبحسب ما أعلنه «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة»، فقد جرت عملية الترحيل بعد نقل المهاجرين إلى مركز إيواء قنفودة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم.

عسكرياً، عقد نائب قائد العام للجيش الوطني الليبي، ونجله، الفريق أول صدام حفتر محادثات في القاهرة مع القائد العام للجيش المصري وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر.

وبحسب بيان صادر عن قيادة« الجيش الوطني» الليبي، السبت، «جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خاصة في مجال التدريب وتبادل الخبرات بين الجانبين». وأشاد صدام حفتر «بالدور المحوري لمصر على المستويين العربي والإقليمي»، مؤكداً «عمق العلاقات والروابط المتميزة التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين».

تدريبات تركية قبالة سواحل مدينة الخمس الليبية (وزارة الدفاع التركية)

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن فرقاطة تابعة لمجموعة المهام البحرية التركية نفذت تدريبات قبالة السواحل الليبية بمدينة الخمس، شملت مهام الاستطلاع والمراقبة ودعم الدفاع الجوي، وتمارين الإخطار والتحكم من البر.

ويأتي هذا النشاط في سياق تكرار الوجود البحري التركي قبالة السواحل الليبية من وقت لآخر، وتحديداً قبالة سواحل مدينة الخمس الواقعة شمال غربي البلاد على ساحل البحر المتوسط، التي تبعد نحو 120 كيلومتراً شرق العاصمة طرابلس.