رفض الجزائر تسلّم مُدان بالإرهاب يُعمق الأزمة مع فرنسا

مشارك في تفجيرات باريس عام 1995 يطلب الإقامة الجبرية بدل السجن

محادثات بين وزيري الخارجية الجزائري والفرنسي في أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
محادثات بين وزيري الخارجية الجزائري والفرنسي في أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
TT

رفض الجزائر تسلّم مُدان بالإرهاب يُعمق الأزمة مع فرنسا

محادثات بين وزيري الخارجية الجزائري والفرنسي في أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)
محادثات بين وزيري الخارجية الجزائري والفرنسي في أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)

رفضت الجزائر طلباً فرنسياً بتسلّم مواطن، بعد انتهاء فترة سجنه بتهمة الإرهاب، وذلك وسط التوتر الحاد الذي يعصف بالعلاقات بين البلدين منذ أكثر من عام، والذي كان مِن أبرز مظاهره تحفُّظ الجزائر على إصدار تراخيص قنصلية تتيح للسلطات الفرنسية إبعاد مهاجرين مصنّفين في خانة «الخطر على الأمن العام الفرنسي».

وأكدت مصادر قضائية جزائرية، نقلاً عن مسؤولين جزائريين، لـ«الشرق الأوسط»، أن السلطات رفضت إصدار وثيقة موافقة قنصلية لصالح بوعلام بن سعيد، المتهم في «قضية تفجيرات قطار الضاحية بباريس في صيف 1995».

وأوضحت المصادر أن إحدى القنصليات الجزائرية في فرنسا «لم تردَّ على طلب السلطات الفرنسية إصدار تفويض قنصلي يتيح ترحيل بن سعيد، وعدمُ الرد يعني امتناعاً صريحاً من جانب الجزائر». ولفتت المصادر إلى أن الجزائر «توقفت عن إقرار التراخيص الخاصة بترحيل رعاياها، الذين صدرت بحقّهم أوامر إدارية بمغادرة التراب الفرنسي، منذ بداية الأزمة الدبلوماسية»، التي اندلعت في نهاية يوليو (تموز) 2024، على أثر إعلان «الإليزيه» دعمه خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء.

ووفق اتفاقاتٍ أبرمتها الحكومتان، عام 1994، يلتزم الطرفان باستقبال رعاياهما المصنَّفين في خانة «الخطر على الأمن»، وذلك استناداً إلى ما يُعرف بـ«الرخصة القنصلية»، التي جرى العمل بهل منذ ذلك الحين.

وأضافت المصادر نفسها أن «موقفين تباينا حول ملف بن سعيد في الجزائر؛ الأول يرى ضرورة استقباله للاطلاع على ما لديه من معلومات حول ملابسات قضية التفجيرات وكل ما دار بشأنها، بينما يرى الثاني أنه لا جدوى من جلبه في الوقت الراهن، خاصة أن التعاون الأمني بين البلدين معلَّق بسبب التوترات السياسية».

صورة أرشيفية لبوعلام بن سعيد المُدان في تفجيرات باريس عام 1995 (متداولة)

وأكدت وسائل إعلام فرنسية، السبت، أن بوعلام بن سعيد (57 سنة)، المحكوم عليه بالسجن المؤبد بسبب تفجير قطار الضاحية بباريس سنة 1995، طلب وضعه تحت الإقامة الجبرية إلى حين ترحيله إلى الجزائر، وفق ما نقلته صحيفة «وست فرنس»، عن محاميه رومان رويز. وأشارت التقارير الفرنسية إلى أنه «رغم صدور قرار قضائي يسمح بإطلاق سراحه في 1 أغسطس (آب) 2025، بشرط نقله إلى الجزائر، لم تُسلّم الجزائر وثيقة المرور، في ظل توتر دبلوماسي بين البلدين».

وحُكم على بن سعيد بالسجن المؤبد مع 22 سنة من «مدة الأمان القضائية»، بسبب تفجير محطة سان ميشال على خط «آر أو آر بي» بالعاصمة باريس، والذي أسفر عن 8 قتلى، و150 جريحاً، وهو لا يزال مسجوناً في مدينة أونسيسايم (إقليم الراين الأعلى شرق فرنسا)، رغم قرار محكمة الاستئناف بباريس، الصادر في 10 يوليو (تموز) الماضي، الذي سمح بإطلاق سراحه في 1 أغسطس بشرط نقله إلى الجزائر.

جانب من مخلّفات تفجيرات مترو باريس عام 1995 (أرشيفية متداولة)

وقد أُدين بوعلام بن سعيد بوضع القنبلة، في 25 يوليو (تموز) 1995 بمحطة القطار، وينفذ عقوبته منذ نحو ثلاثين سنة. يُشار إلى أنه يتحدر من حي باب الزوار الشعبي بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، حيث تقيم عائلته حالياً.

وتبنّت «الجماعة الإسلامية المسلّحة» في الجزائر، حينها، موجة الهجمات تلك، التي جاءت احتجاجاً على ما وصفته بـ«دعم فرنسا» للنظام الجزائري، في وقتٍ كانت البلاد قد دخلت في دوامة من العنف على أثر تدخُّل الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون نهاية 1991.

وقد أُرسلت طلبات الحصول على وثيقة المرور إلى القنصلية الجزائرية في ستراسبورغ بشرق فرنسا، يوم 31 يوليو، «لكن لم يصل أي رد إلى الآن»، وفق «وست فرنس»، التي أشارت إلى أن «العلاقات الدبلوماسية المتوترة بين باريس والجزائر تزيد من صعوبة تنفيذ عمليات الترحيل، إذ تمتنع الحكومة الجزائرية، منذ أكثر من عام، عن استقبال مواطنيها المرحَّلين قسراً».

وصرح محامي بن سعيد: «هذا الاحتجاز تعسفيّ ويُشوّه سُمعة كل من يتحمل مسؤوليته»، معتبراً أنه «لا شيء يمنع» تطبيق الإقامة الجبرية المنصوص عليها في قانون دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء». وأضاف: «لا بوعلام بن سعيد، ولا أي إنسان آخر، يجب أن يتحمل وضعاً خارج القانون كهذا، حيث يُبقي السياسي القضاء معلَّقاً».

وزيرا خارجيتي الجزائر وفرنسا في 6 أبريل 2025 (الخارجية الجزائرية)

وفي 1 أغسطس الحالي، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان نوييل بارو الجزائر إلى الموافقة على تسلم بن سعيد، موضحاً أن «هذا واجب تتحمّله»، لافتاً إلى أنها «لم تُبدِ حتى الآن قبولها» الطلب. وقال أيضاً: «في هذه القضية تحديداً، أعتقد أن الجزائر ستتصرف بروح من المسؤولية عبر استعادة مُواطنها»، مشيراً إلى أن «العلاقات بين البلدين مجمَّدة تماماً منذ القرار المفاجئ للجزائر بطرد 12 دبلوماسياً فرنسياً» في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وذلك في سياق توالي موجات التصعيد بين الطرفين.

وتعود «مشكلة التراخيص القنصلية» بين الجزائر وفرنسا إلى «أزمة التأشيرات»، التي اندلعت في سبتمبر (أيلول) 2021، حين أعلن وزير الداخلية الفرنسي السابق (وزير العدل حالياً) جيرالد دارمانان، تقليص منح التأشيرات لمواطني الجزائر والمغرب وتونس، مبرّراً ذلك بـ«رفض هذه الدول إصدار التراخيص القنصلية اللازمة» لترحيل رعاياها المقيمين في فرنسا بشكل غير قانوني.

وتعمّقت الأزمة، مطلع العام الحالي، مع إصرار وزير الداخلية برونو روتايو على ترحيل «مؤثرين» جزائريين مقيمين في فرنسا، بحجة «تهديدهم معارضين للسلطة الجزائرية بالقتل»، في حلقة جديدة من حلقات الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.



أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
TT

أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)

في أعقاب انتهاء ماراثون انتخابات مجلس النواب المصري، دخلت الساحة الحزبية مرحلة جديدة من الحراك الداخلي، حيث شرعت أحزاب عدة؛ معارضة وأخرى محسوبة على الأكثرية البرلمانية، في مراجعة أوضاعها التنظيمية، عبر إجراء انتخابات قيادية، أو إعادة هيكلة مؤسساتها الداخلية.

هذه التحركات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التحركات، وهل تمثل استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً بعد انتهاء المدد القانونية للقيادات، أم محاولة لامتصاص تداعيات نتائج الانتخابات، وإعادة ترتيب الصفوف بعد خسائر، أو تراجع في التمثيل لبعض الكيانات.

وترى أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، نهى بكر، أن تلك التحركات «تمثل مزيجاً بين استحقاق ديمقراطي وترتيب للأوضاع، مع ميل واضح للخيار الثاني»، خصوصاً في ضوء تراجع تمثيل بعض الأحزاب.

قيادات في حزب الأكثرية «مستقبل وطن» خلال اجتماع مع كوادره (صفحة الحزب)

ويبرز «حزب الوفد»، أحد أعرق الأحزاب المصرية، بوصفه النموذج الأوضح لهذا الجدل؛ فالحزب يستعد لإجراء انتخابات رئاسته في 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، وسط منافسة بين 4 مرشحين.

وتأتي الانتخابات عقب حصول «الوفد» على 10 مقاعد فقط في مجلس النواب؛ 8 منها عبر «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي ضمنت الفوز قبل انطلاق الانتخابات، ومقعدان بنظام الانتخابات الفردية، وهو ما عدّه كثيرون تراجعاً كبيراً عن أدواره التاريخية.

وترافقت التحضيرات للانتخابات الداخلية في «الوفد» مع تصاعد خطاب نقدي حاد من مرشحين وقيادات سابقة تجاه أداء القيادة المنتهية ولايتها برئاسة عبد السند يمامة، الذي تولى المنصب قبل 4 أعوام، وقرر عدم الترشح مجدداً.

ويعزو منتقدو الأداء هذا التراجع إلى «انفصال الحزب عن الشارع»، وفقدانه القدرة على التعبير عن هموم الناخبين، مع مطالبات بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الدور السياسي للحزب.

وفي خضم هذا السجال، برز رئيس الحزب الأسبق السيد البدوي، الذي قارن نتائج الانتخابات الأخيرة بما حققه «الوفد» عام 2015 عندما حصد 36 مقعداً فردياً. كما انتقد نائب رئيس الحزب هاني سري الدين، تراجع الخطاب السياسي والتنظيمي، داعياً إلى «عملية إنقاذ مؤسسية» تعيد للحزب حضوره وتأثيره.

وقالت الدكتورة نهى بكر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الوفد يواجه أزمة شرعية ووجود»، لكنها أشارت إلى أن الانتخابات الداخلية «قد تشكل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وإدخال وجوه جديدة قادرة على إعادة تعريف رسالة الحزب وجذب الناخبين، إلى جانب إعادة ترتيب التحالفات الداخلية».

ولا يقتصر المشهد على «الوفد»، إذ يستعد «حزب التجمع» (يسار) لإعادة ترتيب أوضاعه أيضاً بعد حصوله على 5 مقاعد فقط. ويوضح أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بالحزب، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجمع» مقبل على عملية انتخابية تبدأ من القواعد في المحافظات، وصولاً إلى المؤتمر العام الذي سينتخب رئيس الحزب والمكتب السياسي والمجلس الاستشاري، في مسار قد يستغرق نحو 6 أشهر. ويؤكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار تقييم شامل للتجربة الانتخابية الأخيرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

اجتماع لقيادات حزب «الدستور» المصري المعارض (صفحة الحزب)

وتشير بيانات رسمية إلى أن 8 أحزاب «معارضة» حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، أي ما يقارب 10 في المائة من أعضاء المجلس، وهو رقم يعكس محدودية التمثيل المعارض، ويطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على التوسع جماهيرياً.

وفي هذا السياق، يتوقع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» ظهور وجوه جديدة في هيكل قيادته، خصوصاً بعد حصوله على 11 مقعداً، وبروز عدد من نوابه فاعلين مؤثرين في دوائرهم المحلية. ويؤكد نائب رئيس الحزب باسم كامل لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الداخلية، التي تأجلت بسبب الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ستبدأ من القواعد وصولاً إلى مؤتمر عام يضم نحو ألف عضو من المرجح عقده عقب عيد الفطر المقبل.

وبالمثل، يؤكد «حزب العدل»، الذي حصل أيضاً على 11 مقعداً، التزامه بالدورات الانتخابية المنتظمة، مع إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل يونيو (حزيران) المقبل، ضمن دورة تنظيمية تمتد 5 سنوات، وفق رئيسه عبد المنعم إمام، الذي شدد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية الانتظام المؤسسي واعتماد الميزانيات والمؤتمرات السنوية.

وتكتسب هذه المراجعات الداخلية أهمية إضافية في ظل الحديث عن احتمالات إجراء الانتخابات المحلية خلال العام الحالي، حال إقرار قانون الإدارة المحلية. ويرى سياسيون أن الأحزاب ربما تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لهذا الاستحقاق المحتمل، باعتباره فرصة أوسع للاحتكاك المباشر بالشارع.

وهذه هي رؤية نائب رئيس حزب «المؤتمر» رضا فرحات، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن «ضرورة تعديل نظام القوائم وتقسيم الدوائر ومراجعة قانون الأحزاب»، علماً بأن حزبه فاز بـ4 مقاعد في انتخابات النواب.

وحتى الأحزاب التي لم تحصد أي مقاعد، مثل «الدستور»، تستعد لانتخابات داخلية، حيث ترى قيادته أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة رسالة سياسية واختبار للنظام الانتخابي، أكثر منها رهاناً على الفوز، وفق رئيسته جميلة إسماعيل.

في المقابل، أعلن حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأكثرية البرلمانية، مؤخراً، عن خطة لإعادة هيكلة واسعة للمناصب القيادية على المستويين المركزي والمحلي، استناداً إلى تقييم التجربة الانتخابية الأخيرة.

ويشكك نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عماد جاد، في جدوى هذه التغييرات، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الأكثرية تعاني عيوباً هيكلية؛ أبرزها غياب البرامج السياسية الحقيقية، ما يجعل تأثيرها الشعبي محدوداً».

ومن جهتها، ترى نهى بكر أن الانتخابات الداخلية «تُمثل نظرياً فرصة للإصلاح وتجديد النخب، لكنها عملياً تواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، وانشغال المواطن بالهموم الاقتصادية، والانقسامات التنظيمية؛ وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة هذه الأحزاب على الانتقال من الوجود الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر».


الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب»، حسب بائع الفواكه، هاشم محمد.

بالقرب من هذه السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش و«الدعم السريع» للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلاً، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت 30 عاماً من حكم الرئيس السابق عمر البشير.

لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق، ولكن «بحذر شديد، لأن الهجمات كانت متكررة» لا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع.

وفي مارس (آذار) من العام الماضي شنّ الجيش هجوماً على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهى بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي «الدعم السريع» إلى غرب البلاد، مما كشف عن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب.

طريق طويل للتعافي

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس، مؤكداً في حديثه مع «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «السوق ليست كما كانت، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه عندما كانت (قوات الدعم السريع) هنا».

في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحُوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمراً صعباً.

وقال حماد: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل». ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم.

وتشهد معظم مناطق السودان قطعاً للطرق والاتصالات، مما يجعل الانتقال بين المدن أمراً صعباً ومكلفاً.

تدهور كبير للعملة

العملة السودانية (مواقع التواصل)

ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100 في المائة. وفي عام 2024 وصل التضخم إلى 151 في المائة بعد ذروة بلغت 358 في المائة عام 2021.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

ويقول مُدرّس تحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه كان قادراً على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (نحو 71 دولاراً). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى «العمل في السوق أو في أي مكان آخر» في أيام عطلته.

وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته: «تجنباً للمشكلات مع الأجهزة الأمنية لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية».

ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلاً، قائلاً: «لا نملك موارد ولا أيدي عاملة ولا سيولة كافية في السوق» بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. وأضاف «تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريباً وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه».


الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)
مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)
مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

منذ عام 2014، دأبت الجزائر، التي تُعدّ نقطة عبور إلى أوروبا، على ترحيل مهاجرين غير نظاميين من النيجر ودول أفريقية أخرى.

وفي قرية أساكاما الحدودية النيجرية الواقعة في قلب الصحراء، وثّق فريق منظمة «ألارم فون صحارى»، «ترحيل 34236 شخصاً من الجزائر في قوافل رسمية وغير رسمية بين يناير (كانون الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2025».

وأشارت المنظمة إلى أن هذا الرقم يُرجّح أن يكون أقل من الواقع لعدم توافر «تعداد» موثوق.

أفراد طاقم سفينة إنقاذ أثناء إبحارهم في منطقة البحث والإنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

في عام 2024، لفتت منظمة «ألارم فون صحارى» إلى تسجيل عمليات الترحيل رقماً قياسياً بلغ 31404 حالات، مقارنة بـ 26031 حالة في عام 2023.

يصل المهاجرون النيجريون في قوافل تُسمى «رسمية» في سيارات، وتتولى السلطات المحلية رعايتهم.

أما المهاجرون الأفارقة الآخرون، الذين يشكلون الغالبية، فيتم إنزالهم عند «نقطة الصفر»، وهي منطقة صحراوية تُحدد الحدود بين البلدين.

في أبريل (نيسان)، أعلن المجلس العسكري النيجري الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2023، أن التدفق الهائل للمهاجرين غير النيجريين يُهدد «بزعزعة التوازن الأمني» في النيجر التي تواجه أصلاً هجمات متطرفين على جبهات متعددة.

وأورد المجلس أنه طلب من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين «إعادة» المهاجرين إلى بلدانهم الأم.

وفي الوقت نفسه، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ألغى المجلس العسكري النيجري الجديد قانوناً صدر عام 2015 يُجرّم تهريب المهاجرين.