«تفاؤل حذر» إثر التوافق على تعديل الإطار الدستوري اللازم للانتخابات الليبية

توصلت إليه لجنتا «الاستشارية» و«6+6» برعاية أممية

أعضاء اللجنتين عقب انتهاء اجتماعهما في مقر البعثة الأممية (البعثة الأممية)
أعضاء اللجنتين عقب انتهاء اجتماعهما في مقر البعثة الأممية (البعثة الأممية)
TT

«تفاؤل حذر» إثر التوافق على تعديل الإطار الدستوري اللازم للانتخابات الليبية

أعضاء اللجنتين عقب انتهاء اجتماعهما في مقر البعثة الأممية (البعثة الأممية)
أعضاء اللجنتين عقب انتهاء اجتماعهما في مقر البعثة الأممية (البعثة الأممية)

هيمنت أجواء «تفاؤل حذر» على الطبقة السياسية في ليبيا، إثر التوصل إلى توافق بين لجنتي «6+6» و«الخبراء الاستشارية»، على مسار «تسوية سياسية شاملة»، يشمل تعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلى جانب تشكيل «حكومة ليبية موحدة».

وعقب اجتماعات استمرت يومين، تحت إشراف البعثة الأممية، أقرت «لجنتا (6+6)، المكوَّنة من أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة و(الاستشارية)، المكلفة من البعثة»، بأن «التسوية السياسية الشاملة أمر بالغ الأهمية لتمهيد الطريق للانتخابات»، بحسب بيان للبعثة مساء الخميس.

 

استصدار «تعديل دستوري جديد»

يتفق عضو المجلس الأعلى للدولة محمد الهادي، مع جانب مما خلص إليه الاجتماع، تحديداً ضرورة «استصدار تعديل دستوري جديد»، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما طالب به أعضاء اللجنتين «كان أمراً متوقعاً ومطلوباً، باعتبار أن حل الأزمة يبدأ من إيجاد قاسم مشترك، يجمع كل الأطراف وعليها الالتفاف حوله».

جانب من اجتماع اللجنتين «الاستشارية» و«6+6» برعاية البعثة الأممية في ليبيا (البعثة)

ويذهب الهادي إلى الاقتراح بـ«ضرورة أن تعمل البعثة على إيجاد دستور ولو لفترة مؤقتة، يتم من خلاله الوصول إلى انتخابات حرة نزيهة، وإيجاد سلطة تنفيذية جديدة، تبسط سيطرتها على كل التراب الليبي». وحض «المجتمع الدولي وكل الأطراف الإقليمية على المساعدة، والدفع نحو الوصول إلى هذا الحل الممكن، وقد يكون الوحيد»، واصفاً أي خيارات أخرى بأنها «مجرد إعادة تدوير للأزمة وتزيدها تعقيداً».

 

متطلبات «التسوية السياسية»

تتطلب «التسوية السياسية»، وفق اللجنتين، «مراجعة القوانين الانتخابية لضمان نزاهة الانتخابات، وتشكيل حكومة موحدة بتفويض انتخابي واضح ومحدد زمنياً، واعتماد ضمانات محلية ودولية لإعادة بناء الثقة بين الجميع، خصوصاً بين الشعب والمؤسسات السياسية».

كما تندرج أيضاً «تدابير لتعزيز الحكم المحلي، وضمان أمن الانتخابات، ودفع المصالحة الوطنية، وتعزيز شفافية الإنفاق مع مكافحة الفساد»، ضمن متطلبات التسوية السياسية التي أقرتها اللجنتان.

ورفعت النتائج السابقة لاجتماع لجنتي «6+6» و«الاستشارية» سقف الطموحات لدى سياسيين ونشطاء، رأوا أن دعم المجتمع الدولي وأطرافه الفاعلة في الملف الليبي «رهان جوهري، رغم إخفاقات سابقة لمسارات الدبلوماسية الدولية مع الملف الليبي في (برلين وجنيف) على سبيل المثال».

وفي هذا السياق، يرى رئيس «حزب ليبيا الكرامة»، يوسف الفارسي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسوية السياسية المقترحة التي أقرتها اللجنتان الليبيتان قابلة للتحقق، وهذه المرة تختلف عن المرات السابقة»، مستنداً إلى أن «الملف الليبي بات يحظى بزخم دولي كبير، تحديداً الدعم الأميركي للوصول بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار».

وبحسب الفارسي، وهو أيضاً أستاذ العلوم السياسية بجامعة درنة، فإن «كل الظروف والمعطيات باتت مواتية للتوصل إلى تسوية سياسية، في ضوء عجز الأطراف السياسية عن التوافق على تشكيل حكومة، وسأم الليبيين من إخفاقات البعثة الأممية السابقة، وقابلية الوضع للانفجار في طرابلس في أي لحظة».

 

«إجماع دولي مرتقب»

بالنسبة للناشط السياسي، محمد قشوط، فإن ليبيا «انتقلت من مرحلة المشاورات والتفاوض والاجتماعات وجلسات الحوار، وباتت على مشارف التنفيذ الفعلي لخريطة الطريق الأممية، التي ستعلن عنها المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن الدولي الشهر الحالي».

ويتوقع قشوط «إجماعاً دولياً مرتقباً على خريطة الطريق، التي تهدف بشكل رئيسي إلى تشكيل حكومة ليبية موحدة جديدة، وقد أصبحت قريبة جداً».

في المقابل، يشير الهادي إلى «خلافات كبيرة جداً حول جدوى تشكيل حكومة جديدة في ظل الظروف الراهنة، إذ يرى بعضهم أن هذه الخطوة ستكون زيادة للانقسام والتشظي والفساد، بينما يرى طرف آخر أن الحل يبدأ من هذه النقطة».

جانب من اجتماع اللجنتين «الاستشارية» و«6+6» برعاية البعثة الأممية في ليبيا (البعثة)

في موازاة ذلك، يرى ليبيون في اتفاق لجنتي «6+6» و«الاستشارية» على تعديل الإطار الدستوري، أنه «إعادة لتدوير الأزمة بأدواتها المعطوبة»، وهي رؤية يتبناها المحلل السياسي محمد الأمين، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «المفردات المستخدمة في البيان، مثل التسوية الشاملة وتشكيل حكومة موحدة بتفويض انتخابي، يعد تكراراً لما قيل في جولات تفاوض سابقة دون أن يُنفَّذ منها شيء».

وانتقد الأمين «غياب آلية تنفيذ واضحة، واستمرار العمل بلجان فاقدة للشرعية الشعبية»، معتبراً أنها «محاولة لإنتاج توافق شكلي، لا يلامس جوهر الانقسام».

أما الحديث عن تشكيل «حكومة جديدة»، فهو من منظور الأمين «عنوان محتمل لصفقة سياسية محتملة، قد تُعيد إنتاج السلطة بأسماء جديدة، لكنها لن تُنهي الانقسام، أو تقود إلى انتخابات فعلية ما لم تُستند إلى إرادة وطنية حقيقية وصندوق اقتراع حر».

وانتهى الأمين إلى الاعتقاد بأن «الخطر اليوم لا يكمن في فشل التسويات، بل في نجاحها الزائف، الذي يمنح شرعية مؤقتة لواقع مأزوم، ويؤجل الانفجار دون معالجته».

وفي مايو (أيار) الماضي، تقدمت لجنة خبراء استشارية، شكلتها البعثة الأممية من 20 أكاديمياً وسياسياً ليبيا، بأربعة خيارات، قالت إنها يمكن أن تشكل خريطة طريق لإجراء الانتخابات، وإنهاء المرحلة الانتقالية في البلاد.

وتشمل هذه الخيارات إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، أو إجراء البرلمانية أولاً، ثم اعتماد دستور. وشملت المقترحات كذلك اعتماد دستور دائم قبل الانتخابات، أو إنشاء لجنة حوار لوضع اللمسات الأخيرة على قوانين الانتخابات، والسلطة التنفيذية والدستور الدائم.

أما لجنة «6+6» فتضم 6 أعضاء من المجلس الأعلى الدولة ونظراءهم من مجلس النواب، وقد تشكلت بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر لإعداد قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ووضع إطار قانوني توافقي، يمهّد لإجراء انتخابات وطنية شاملة في ليبيا.


مقالات ذات صلة

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن «محور الحوكمة» سيعمل على معالجة 5 قضايا مهمة، من بينها كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات ونزاهة العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي جنود من قوات «يونيفيل» يجرون دوريات في مركبات برفقة جنود لبنانيين بمنطقة البويضة بقضاء مرجعيون جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل - 8 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«يونيفيل» تعلن عن إطلاق نار إسرائيلي قرب جنودها في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) عن إطلاق نار إسرائيلي تعرّض له جنودها قرب منطقة العديسة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ مايك والتز سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول الوضع في إيران بمقر الأمم المتحدة في نيويورك 15 يناير الحالي (أ.ف.ب) play-circle 00:41

مسؤول أميركي يحذّر إيران: ترمب «رجل أفعال»

المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة يبلّغ إيران أن الرئيس دونالد ترمب «رجل أفعال»، في تحذير أميركي لطهران على خلفية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».