«صفقة» صواريخ أميركية لمصر تعزز التعاون الاستراتيجي

واشنطن وافقت على بيع «ناسامز» للقاهرة بـ5 مليارات دولار

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
TT

«صفقة» صواريخ أميركية لمصر تعزز التعاون الاستراتيجي

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

رسائل تعكس «ثبات» التعاون الاستراتيجي بين مصر ودوائر صنع القرار الأميركي، يراها خبراء في «صفقة» صواريخ جديدة أعلنتها واشنطن إلى القاهرة أخيراً، وأشار الخبراء إلى أن «هناك علاقات جيدة على المستوى العسكري بين البلدين، والصفقة الجديدة تعزز التعاون الاستراتيجي».

وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مساء الخميس، عن موافقة وزارة الخارجية، على صفقة بيع لمنظومة صواريخ متقدمة للدفاع الجوي إلى مصر، بقيمة تقدر بنحو 4.67 مليار دولار. (الدولار يساوي 49 جنيهاً في البنوك المصرية).

وتشمل صفقة التسليح، توريد منظومة صواريخ «ناسامز» (NASAMS) المتقدمة، وأنظمة الدعم اللوجيستي، بالإضافة إلى برامج تدريب وصيانة لتعزيز قدرات مصر الدفاعية.

وليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها واشنطن عن صفقة تسليح لمصر هذا العام، وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في فبراير (شباط) الماضي عن «بيع أسلحة متطورة، طلبتها القاهرة، بنحو مليار دولار»، تشمل معدات وأنظمة رادارات للمراقبة الجوية والسطحية.

وتؤكد صفقة الصواريخ الأميركية الجديدة إلى مصر، «التعاون الاستراتيجي بين البلدين»، وفق الخبير العسكري المصري، اللواء نصر سالم، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «واشنطن تريد التأكيد على قوة علاقاتها مع القاهرة، خصوصاً بعد الحديث عن تعاون مصري صيني في مجال التسليح».

وحذرت تقارير إسرائيلية أخيراً من تطور التعاون العسكري الصيني - المصري، وكانت القاهرة وبكين، أقاما تدريب جوي مشترك باسم «نسور الحضارة»، هو الأول من نوعه، وذلك في أبريل (نيسان) الماضي، في إحدى القواعد الجوية المصرية، وشاركت فيها طائرات مقاتلة صينية متقدمة.

وأشار سالم إلى أن «سياسة الدفاع المصرية، قائمة على تنوع وتعدد مصادر التسليح، حتى لا تكون رهن أي ضغط سياسي من أي دولة خارجية»، وقال إن «القاهرة تحتفظ بشراكات في هذا الصدد مع أميركا وأيضا دول أخرى مثل روسيا والصين ودول أوروبية مثل فرنسا، بجانب التصنيع المحلي»، وشدد على أهمية الصفقة، بعدّها «تعمل على تطوير منظومة الدفاع الجوي المصري، في ضوء اضطرابات تشهدها المنطقة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله قائد القيادة المركزية الأميركية الأسبوع الماضي في القاهرة (الرئاسة المصرية)

و«تعكس صفقة التسلح الجديدة أهمية الشراكة العسكرية بين مصر وأميركا»، بحسب مستشار الأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا، اللواء دكتور هشام الحلبي، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «وزارة الدفاع الأميركية تنظر إلى القاهرة بعدّها شريكاً لا غنى عنه عسكرياً واستراتيجياً».

ويعتقد الحلبي أن مسار التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن «ثابت وحاضر، ولا يختلف بتغير سياسات الإدارات الأميركية»، وقال إن «هناك ملفات تعاون ثابتة على الصعيد العسكري، منها تدريبات (النجم الساطع)، والمشاركة في قوة المهام المشتركة (153) المعنية بحماية الملاحة في البحر الأحمر».

ومناورات «النجم الساطع» عبارة عن تدريبات عسكرية متعددة الجنسيات تقام بشكل دوري في مصر، بالتعاون مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى، بهدف تعزيز التعاون الإقليمي.

ولا يعني تطور التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن تغيُّراً في المواقف المصرية في بعض الملفات التي تتباين فيها رؤى البلدين، وفق الحلبي، وأشار إلى أن «ثوابت السياسة الخارجية المصرية لا تتغير وواضحة تجاه التطورات التي تشهدها المنطقة، لا سيما الأوضاع في قطاع غزة، ورفض أي دعوات للتهجير».

التدريب المصري - الأميركي المشترك (النجم الساطع) عام 2023 (المتحدث العسكري المصري)

وترفض مصر ودول عربية بشكل قاطع دعوات تهجير الفلسطينيين من غزة، التي سبق أن دعا لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بينما تقوم القاهرة وواشنطن بالتعاون مع قطر، بأعمال الوساطة الخاصة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ويعتقد المحلل السياسي الأميركي، ماك شرقاوي، أن إعلان واشنطن عن صفقة تسليح جديدة مع القاهرة، يعني أن «مصر تحتفظ بعلاقات جيدة مع دوائر صنع القرار الأميركي، خصوصاً الكونغرس والبنتاغون، بعيداً عن حالة الفتور التي قد تبدو في العلاقات المصرية مع إدارة ترمب».

وأشار شرقاوي إلى أن «علاقات القاهرة وواشنطن تحكمها مجموعة من المصالح المتعددة والمتشعبة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أميركا تدرك أهمية القاهرة في دعم الاستقرار بالمنطقة»، ودلل على ذلك «بالحرص الأميركي على تقديم المساعدات العسكرية كاملاً لمصر»، إلى جانب «انتظام إقامة تدريبات عسكرية مشتركة سنويا، بواقع مناورتين في العام».

وكانت واشنطن قد علقت خلال السنوات القليلة الماضية، نحو 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية المقدمة لمصر، بعد ربطها باشتراطات تتعلق بملف حقوق الإنسان، لكن في سبتمبر (أيلول) الماضي، قررت الولايات المتحدة الأميركية عدم تعليق جزء من مساعداتها العسكرية لمصر، لتحصل القاهرة على كامل قيمتها، البالغة 1.3 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

شمال افريقيا تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

مصر لتعزيز استثمارات المغتربين في السوق العقارية

عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اجتماعاً الأربعاء مع وزيرة الإسكان راندة المنشاوي في إطار التنسيق لتعزيز الجهود الوطنية لخدمة المصريين بالخارج

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

أكد القائد العام وزير الدفاع المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، «جاهزية الجيش المصري، واستعداده القتالي الدائم، لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات كافة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً أفضل

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.


أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».


ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

يترقب ليبيون بتوجس واهتمام متزايد تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية، ورصد «الجيش الوطني الليبي» وجود قيادي مسلح يقود عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن وُجد في الجنوب الليبي قبل فراره من ليبيا منذ سنوات.

القيادي المسلح في أحد التنظيمات المتطرفة إيلا أق عبد الرحمن متحدثاً في تسجيل مصور منسوب له في مالي (الشرق الأوسط)

ويأتي هذا الترقب وسط تحذيرات من تنامي التهديدات الأمنية المقبلة من منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نفوذ تحالفات تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة، من بينها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تبنت أخيراً هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية.

وقال مصدر عسكري بارز، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في مالي يثير القلق باعتبارها جزءاً من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنياً بالجنوب الليبي، ما يجعل أي تصعيد هناك مصدر تهديد محتمل، خصوصاً مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية».

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن «المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف، في ظل رصد وجود عنصر شارك في المعارك داخل مالي سبق أن وجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية». مشيراً إلى أن «أحد قادة الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان موجوداً سابقاً في مدينة أوباري بالجنوب الليبي».

وتلقت «الشرق الأوسط» تسجيلاً مصوراً منسوباً إلى القيادي المشار إليه، يظهر فيه معلناً تحقيق «انتصار» على من وصفهم بـ«الطواغيت» في منطقة كيدال شمال مالي.

خالد حفتر في لقاء مع قيادة عسكرية في الجنوب الليبي بمدينة سبها يوم الخميس الماضي (إعلام القيادة العام)

وكان «الجيش الوطني الليبي» قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية، استهدفت عناصر تابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في الجنوب الليبي، ضمن نطاق شمل سبها وغدوة وأوباري، وأم الأرانب ومرزق، وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة، عقب تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.

ولا تتباين كثيراً تقديرات عسكريين ومحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.

ورأى المصدر العسكري ذاته أن التطورات الأخيرة في مالي «تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود»، مشيراً إلى «وجود تمويل بطرق غير مشروعة يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة»، ولافتاً إلى أن تلك الجماعات تطلق على هذه الموارد تسمية «بيت المال ليبيا».

كما أكد المصدر وجود «تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل»، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية، التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.

من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، فيما يعرف بـ«مثلث السلفادور» على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد، موضحاً أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.

وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا عبد الهادي الحويج (صفحة الوزارة)

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية، وهو ما عكسه الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية في شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، مع نظيره المالي عقب الهجوم، الذي استهدف مدينة كاتي، أحد أبرز معاقل المجلس العسكري. وأكد الحويج وقوف بلاده إلى جانب الشعب المالي، ودعم الجهود الإقليمية والدولية، الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011. وفي هذا السياق قال السياسي الليبي موسى إبراهيم إن ما تشهده مالي يعد من «تداعيات سقوط الدولة الليبية»، معتبراً أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.

أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلاً إن «مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي، وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي»، مضيفاً أن الجنوب الليبي يشهد حالياً «سيناريو مشابهاً عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة».

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. وقال المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة إن ما يجري في مالي والنيجر «لم يعد بعيداً عن ليبيا»، معتبراً أن منطقة الساحل تتحول تدريجياً إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي، خصوصاً في الجنوب، عبر شبكات التهريب، وتدفقات السلاح والهجرة غير النظامية، وتحركات المقاتلين.

وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر، إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية، مؤكداً أن «قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد».