الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

العلاقات مع المستعمر السابق في أسوأ حالاتها بينما يواجه الداخل تحدّي الخروج من التبعية لقطاع المحروقات

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
TT

الجزائر تحتفي باستقلالها وسط ضغوط إقليمية وتداعيات إرث الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يترحم على أرواح شهداء الثورة في الجزائر 5 يوليو (د.ب.أ)

في 5 يوليو (تموز) 2025 تحتفل الجزائر بمرور 63 سنة على استقلالها، وسط لحظة محورية في تاريخها الحديث. داخليًّا، تعوّل الحكومة على تعزيز التنويع الاقتصادي لقطع شوط أبعد من اقتصاد الريع النفطي والغازي. إقليميًّا، تُخيِّم التوترات الأمنية والسياسية على حدودها، متأثرة بتشابكات مع دول الجوار. وعلى الصعيد الدولي، تشدِّد الجزائر على مطلب الاعتراف الرسمي من فرنسا بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها، بوصف أن ذلك أساسي لإعادة بناء علاقات دبلوماسية سليمة، خصوصاً بعد تبنِّي باريس لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية في صيف 2024.

صرَّح الرئيس عبد المجيد تبون، في معظم خطاباته وحواراته الصحافية، بأنّه اشتغل منذ تولِّيه الحكم نهاية 2019 على تحرير الاقتصاد من فخ الاعتماد على النفط والغاز، حيث شكَّل قطاع المحروقات أكثر من 90 في المائة من صادرات الجزائر و38 في المائة من إيرادات الدولة بين 2016 و2021، مما جعله عرضة لتقلّبات السوق العالمية. كما أكَّد أنّه أطلق «خطة تحوّل جذريّة نحو التنويع الاقتصادي» تهدف إلى رفع صادرات القطاع غير النفطي من نحو 5 مليارات دولار في 2023 إلى 7 مليارات في 2024، ثم 10 مليارات خلال 2025، وفي الأفق تصل إلى 29 - 30 ملياراً بحلول 2030.

وتفيد أرقام الحكومة بأنّ الصادرات غير النفطية تضاعفت ثلاث مرات منذ 2017، لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار في 2023. كما ارتفعت احتياطيات النقد الصرفية إلى نحو 70 مليار دولار بحلول منتصف 2024. ونما الاقتصاد بوتيرة قوية، مسجِّلاً معدل نمو يقارب 4 في المائة سنوياً.

صندوق النقد الدولي

من جانبه، أشار صندوق النقد الدولي، في ختام بعثة استشارية إلى الجزائر أُجريت بين 16 و30 يونيو (حزيران) 2025، إلى أنّ النمو الاقتصادي تباطأ إلى 3.6 في المائة في عام 2024 مقارنة بـ4.1 في المائة في العام السابق، نتيجة لتخفيضات إنتاج «أوبك بلس» التي أثّرت، حسب تقرير المؤسسة المالية العالمية، على قطاع المحروقات، بينما حافظ النشاط غير النفطي على قوته، محقِّقاً نموًّا بنسبة 4.2 في المائة.

كما أكّد أنّ الاقتصاد الجزائري، رغم تباطُئه في 2024، يتمتع باحتياطيات قوية، وانخفاض معدلات التضخم، إلّا أنّه يعاني من عجز مالي متزايد. وشجّع حكومة الجزائر على اتخاذ إجراءات فورية لتحسين الوضع المالي، ودعم تنويع الاقتصاد، وإطلاق إصلاحات مؤسساتية، لا سيما في القواعد المالية والنقدية، لضمان توازن واستقرار مستدامين.

الصعيد الإقليمي

على الصعيد الإقليمي، تحلّ ذكرى استقلال الجزائر في ظرف يتّسم بسوء العلاقة مع جيرانها في الجنوب، خصوصاً مالي والنيجر. وتعزو الجزائر ذلك إلى تدخل دول أجنبية في شؤون البلدين، ما فرض وضعاً جديداً، حسبها، تمثّل بشكل خاص في إعلان حكومة مالي فكّ ارتباطها بـ«اتفاق السلم والمصالحة» مع المعارضة المسلحة الذي تمّ التوقيع عليه بالجزائر عام 2015. كما طالبت من الحكومة الجزائرية، مطلع 2025، بوقف وساطتها بين الطرفين المتنازعين، الأمر الذي أحدث شبه قطيعة بين البلدين اللذين ربطتهما دوماً شبكة من التفاعلات الإنسانية، ونسيج اجتماعي متداخل بين قبائل الطوارق التي تعيش على التجارة والزراعة والرعي في المناطق الحدودية.

وانهارت جسور التواصل بين البلدين في أبريل (نيسان) 2025، عندما أسقط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي على الحدود. وقد عبّرت باماكو عن سخطها، واعتبرت ذلك «إعلان حرب من جانب الجزائر ضدها». وسرعان ما انضمّت النيجر وبوركينا فاسو إلى الموقف المالي، معلنتين خصومة شديدة ضد ما كان يُعرف بـ«الشقيقة الكبرى» في الشمال.

وكان لهذا الخلاف أثر بالغ على التعاون في مجالات عدّة، أهمّها محاربة الإرهاب، وتجارة السلاح، وشبكات المخدرات، وتهريب البشر على الحدود بين هذه البلدان.

العلاقة مع المغرب وليبيا

أمّا علاقة الجزائر بالمغرب، فلا يزال التوتر سمتها الغالبة، وهو يتعاظم بشكل متواصل مع استمرار نزاع الصحراء. وقد أبدت الجزائر استياءً من انحياز كل من إسبانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية إلى خطة الحكم الذاتي المغربية لحلّ هذه القضية التي عجزت الأمم المتحدة عن تفكيكها منذ اندلاعها قبل نصف قرن.

كما يظلّ الوضع هشاً على الحدود مع ليبيا، حيث تلاحظ الجزائر رهانات كبرى في حدودها الجنوبية الشرقية، تُحرّكها قوى عالمية. ومنذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تشتكي الجزائر من تحوّل هذه الحدود إلى ملاذ لمهرِّبي السلاح، ومسرحٍ لنشاط التنظيمات الجهادية.

التوتر مع فرنسا

وتحلّ ذكرى الاستقلال في ظرف دقيق بالنسبة للعلاقات مع دولة الاستعمار بالأمس: فرنسا، وما تمثّله من عمق إنساني (5 ملايين جزائري يعيشون بها)، ومصالح تجارية واقتصادية كبيرة، وتنسيق استخباراتي مهم في مجال الأمن بمناطق الساحل والمغرب العربي وحوض المتوسط.

عند أول امتحان جدي، تهاوت هذه العلاقات التي وُصفت يوماً بـ«الاستراتيجية»، حتى لامست القطيعة. فما إن تبنّى الإليزيه في صائفة 2024 أطروحة الرباط بشأن الصحراء، حتى تفجّر غضب الجزائر، وجرّ معه خلافات قديمة كانت مناسبةً رفعت من مستوى الانتماء الوطني وتجذيره في وجدان الجزائريين.

وبرهنت هذه الخلافات على أنّ ماضي فرنسا الاستعماري ما زال محفوراً في نفوسهم، كما أنّ قطاعاً من الطيف السياسي في فرنسا لا يزال يشدّه الحنين إلى «الجزائر الفرنسية».

وقد شمل خطاب مكتوب للرئيس تبون في ذكرى الاستقلال هذه المحاور، حيث أكّد أنّ «تاريخ الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية هو يوم انجلت فيه عن وطننا المفدى جحافل الاستعمار البغيض، وهي تجرّ أذيال الهزيمة، لأنّها جوبهت برجال أشداء سكن الوطن سويداء قلوبهم، وعقدوا العزائم أن تتحرر الجزائر».

وشدد على أنّ الجزائريين «يستحضرون تلك الملاحم الخالدة التي خاضها شعبنا ضد الاستعمار وقواه العاتية، وظلّ على درب التضحية، يقدّم القوافل تلو الأخرى من الشهداء البواسل حتى النصر المبين».

من جهته، وصف قائد الجيش، الفريق أول سعيد شنقريحة، في خطاب للأفراد العسكريين، أنّ الاستقلال في عامه الـ63 «هو من أعظم المحطات المجيدة في تاريخ وطننا العزيز، محطة ستبقى دائماً رمزاً لانتصار الجزائر والجزائريين على المستدمر الفرنسي الغاشم، الذي سلب وطننا حريته وسيادته بالنار والحديد، وأذاق شعبنا، لسنوات طويلة، كلّ أنواع القهر والظلم والحرمان». وبحسب شنقريحة: «رغم حجم الدمار الذي تسبّب فيه هذا المستعمر، لم يستسلم آباؤنا وأجدادنا يوماً للعدو، وتمسّكوا بهويتهم الجزائرية الأصيلة، وبذلوا النفس والنفيس من أجل الانعتاق».


مقالات ذات صلة

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شرعت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن «معتوهين يريدون قطع العلاقة بالجزائر» الباب أمام مواجهة سياسية مفتوحة بين التيارات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

تتصاعد في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي - الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لوكا زيدان (رويترز)

لوكا زيدان يعاني من كسر في الفك والذقن

أعلن غرناطة أن حارس مرماه ومنتخب الجزائر لكرة القدم لوكا زيدان مصاب بكسر في الفك والذقن اثر اصطدام تعرض له الأحد في المرحلة السابعة والثلاثين من دوري الدرجة.

«الشرق الأوسط» (غرناطة )
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.