مصر تحتفل بذكرى «30 يونيو» في ظل تحديات جديدة

مروحية للجيش المصري تحلّق فوق مظاهرة تأييد للسيسي في ميدان التحرير بالقاهرة عام 2014 (إ.ب.أ)
مروحية للجيش المصري تحلّق فوق مظاهرة تأييد للسيسي في ميدان التحرير بالقاهرة عام 2014 (إ.ب.أ)
TT

مصر تحتفل بذكرى «30 يونيو» في ظل تحديات جديدة

مروحية للجيش المصري تحلّق فوق مظاهرة تأييد للسيسي في ميدان التحرير بالقاهرة عام 2014 (إ.ب.أ)
مروحية للجيش المصري تحلّق فوق مظاهرة تأييد للسيسي في ميدان التحرير بالقاهرة عام 2014 (إ.ب.أ)

في ظل تحديات جديدة اقتصادية وجيوسياسية، احتفلت مصر بالذكرى الـ12 لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)»، وبينما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن بلاده «وقفت في وجه الإرهاب وكسرت موجات الفوضى»، أشار إلى وجود «أعباء ثقيلة وتحديات جسيمة» وراهن على وعي وتماسك المصريين لتجاوزها.

وتحدث خبراء لـ«الشرق الأوسط» عن أن مصر واجهت «تهديدات وجودية عقب 30 يونيو»، واليوم تواجه تحديات جديدة تستلزم «إجراءات وخطوات إصلاحية لمجابهتها».

وقال الرئيس المصري، في كلمة متلفزة بمناسبة ذكرى «30 يونيو»، الاثنين، إن «الثورة شكلت ملحمة وطنية وقفت في وجه الإرهاب والمؤامرات، وكسرت موجات الفوضى، وأحبطت محاولات الابتزاز والاختطاف، وأعادت الدولة إلى مسارها الصحيح».

وعدّ السيسي «الثورة نقطة الانطلاق نحو الجمهورية الجديدة»، مشيراً إلى أن «مصر واجهت الإرهاب حتى تم دحره... وتصدت للتحديات الداخلية والخارجية... ومضت في طريق التنمية الشاملة وبناء مصر الحديثة».

ولفت الرئيس المصري إلى أن الاحتفال يأتي هذا العام و«المنطقة بأسرها تئن تحت نيران الحروب»، من غزة إلى السودان وليبيا وسوريا واليمن والصومال، مناشداً «أطراف النزاع، والمجتمع الدولي، مواصلة اتخاذ كل ما يلزم، والاحتكام لصوت الحكم والعقل، لتجنيب شعوب المنطقة ويلات التخريب والدمار».

وأكد أن «مصر، الداعمة دائماً للسلام، تؤمن بأن السلام لا يولد بالقصف، ولا يُفرض بالقوة، ولا يتحقق بتطبيع ترفضه الشعوب». وأضاف أن «السلام وإن بدا صعب المنال، فهو ليس مستحيلاً»، مستلهماً تجربة السلام المصري - الإسرائيلي في السبعينات التي تمت بوساطة أميركية.

وخاطب السيسي المصريين باعتبارهم «السند الحقيقي، والدرع الحامي، والقلب النابض لهذا الوطن». وقال إن «قوة مصر ليست في سلاحها وحده؛ بل في وعيكم، وفي تماسك صفوفكم، وفي رفضكم لكل دعوات الإحباط والفرقة والكراهية».

وأكد أن «الأعباء ثقيلة، والتحديات جسيمة، لكننا لا ننحني ولن نحيد عن طموحاتنا»، مشدداً على أن تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن «أولوية قصوى للدولة، خصوصاً في ظل هذه الأوضاع الملتهبة المحيطة» بالبلاد. واختتم كلمته: «هذه هي مصر الشامخة أمام التحديات، مصر التي تبنى بإرادة شعبها، وتحيا بإخلاص أبنائها».

مقر تنظيم «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وأطاحت أحداث «30 يونيو» عام 2013 بحكم تنظيم «الإخوان» بعد عام من وصولهم إلى كرسي الرئاسة، حيث خرج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين برحيلهم، لتتم الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وحوكم هو وقيادات التنظيم بتهم مرتبطة بـ«التخابر وارتكاب عنف والتحريض عليه». كما حظرت السلطات المصرية تنظيم «الإخوان»، وعدّته «إرهابياً».

ومع سقوط «الإخوان» واجهت مصر تحديات عدة؛ بعضها على المستوى الخارجي؛ حيث تعرضت لانتقادات دولية وساءت علاقاتها مع دول عدة، وجمد الاتحاد الأفريقي عضويتها؛ إضافة إلى تحديات داخلية كانت أبرزها الهجمات «الإرهابية» التي تعرضت لها مناطق عدة من البلاد، لا سيما شمال سيناء.

لكن مصر استطاعت تجاوز هذه التحديات، وتحسنت علاقاتها مع تركيا وقطر وغيرهما، كما رفعت علاقاتها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وتطورت علاقتها مع الولايات المتحدة وروسيا والصين، وداخلياً أعلنت «دحر الإرهاب»، وبدأت مشروعات لتنمية سيناء.

ومع احتفال مصر بذكرى «30 يونيو» برزت تحديات جديدة، ارتبطت بواقع جيوسياسي متغير في ظل استمرار «حرب غزة» وتداعياتها، ما دفع لـ«توترات في البحر الأحمر» أدت إلى تراجع عائدات قناة السويس المصرية بنسبة 61 في المائة، ما فاقم من أزمات مصر الاقتصادية، لا سيما أن القناة تعد أحد مصادر الدخل الرئيسية في البلاد.

عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان)، الدكتور عبد المنعم سعيد، قال إن «مصر نجحت خلال 12 عاماً في تجاوز التحديات التي تلت 30 يونيو، وعلى رأسها الإرهاب، وحافظت على استقرارها وسط إقليم مضطرب ومشتعل»، مشيراً إلى أن «الإخوان لم يعُد لهم قبول في المجتمع المصري، وانحصر تأثيرهم في أصوات إعلامية على (السوشيال ميديا) ليس لها تأثير سياسي».

وخاضت مصر على مدار سنوات «مواجهة شاملة» في شمال سيناء، ضد جماعات «إرهابية»، وعدّ الرئيس المصري، تعمير شبه جزيرة سيناء بمثابة «خط الدفاع الأول»، وفق خطاب رئاسي في أبريل (نيسان) 2022، قبل أن يعلن في فبراير (شباط) 2023، إحباط تحول سيناء إلى بؤرة دائمة للإرهاب، واستمرار الدولة في تنميتها.

مستشار رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، قال إن «مصر واجهت بعد 30 يونيو تهديدات وجودية تمثلت في تحدي الإرهاب الذي هدد العاصمة ومدناً رئيسية»، مشيراً إلى «تجاوز هذا التهديد وحصار الإرهاب وإضعاف تنظيماته».

وأضاف الشوبكي أن «القاهرة (اليوم) تواجه تحديات جديدة تتمثل في الأوضاع الاقتصادية الصعبة والغلاء والتضخم وغياب الأولويات، وهذا برز بوضوح في حادث (فتيات المنوفية) أخيراً»، مشيراً إلى ما أفرزه هذا الحادث من «انتقادات عدة للأداء الحكومي وضعف المعارضة والحياة الحزبية، وعدم قدرة الإعلام على التعاطي مع الأزمات». لكن سعيد عدّ الانتقادات لأداء الحكومة وضعف الرقابة البرلمانية «أمراً طبيعياً وجيداً».

مئات الآلاف من المصريين قرب القصر الرئاسي شرق القاهرة في يونيو 2013 للتظاهر ضد حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتعرضت الحكومة المصرية لانتقادات إعلامية وبرلمانية على وقع حادث الطريق «الدائري الإقليمي»، الجمعة الماضي، الذي نتج عنه مقتل 19 فتاة وإصابة 3 أخريات من محافظة المنوفية (شمال القاهرة). وطالب عدد من أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان) بمحاسبة مسؤولين بالحكومة، ما أضاف تحدياً جديداً تزامن مع «30 يونيو»، يتعلق بـ«تحديد الأولويات وضعف أداء الحكومة والمعارضة السياسية».

ويرى سعيد أن «مصر تواجه الآن تحدي استغلال الفرص والكفاءات وتشجيع الاستثمار واستكمال خطوات الإصلاح الاقتصادي والقضاء على البيروقراطية»، متفائلاً بقدرة مصر على تجاوز هذه التحديات في ظل مؤشرات «إيجابية» من تراجع مستوى المواليد وزيادة تحويلات المصريين في الخارج.

وأكد الشوبكي: «واجهت مصر تحديات كانت تهدد الدولة ومؤسساتها واستقرارها، و(اليوم) تواجه تحديات من نوع جديد لإصلاح هذه المؤسسات»، لافتاً إلى أن «مواجهة الأزمة الاقتصادية تتطلب إصلاحات حقيقية في المؤسسات والأداء السياسي العام».

وفي سبيل مواجهة ظروف اقتصادية وصفت بأنها «صعبة»، عمّقتها تحديات وأزمات إقليمية، تبنت مصر خلال السنوات الأخيرة، سياسات عدة قالت إنها «تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية»، و«تشجيع القطاع الخاص»، وتراجعت قيمة العملة المحلية متجاوزة حاجز الخمسين جنيهاً للدولار الواحد. وأبرمت مع صندوق النقد الدولي اتفاق قرض بقيمة 8 مليارات دولار ارتبط بتنفيذها برنامج «إصلاح اقتصادي» يتضمن «تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية». (الدولار يساوي 49.6 جنيه في البنوك المصرية).

الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور مصطفى بدرة، أشار إلى أن «التحديات الاقتصادية هي الأبرز الآن، لا سيما مع زيادة التضخم وارتفاع الأسعار»، وأوضح أن «مواجهة هذا التحدي يتطلب تحسين قيمة الجنيه المصري عبر زيادة الاستثمارات وتحسين الصادرات وخلق بيئة صناعية». وأكد أن «الاستمرار في الاعتماد على بيع الأصول دون توطين الصناعة لن يخرج مصر من أزمتها».

وكان المفكر الاقتصادي والسياسي، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، الدكتور زياد بهاء الدين، قد دعا الدولة في أكثر من موضع، إلى «وضع برنامج اقتصادي طويل المدى يتيح التعامل مع الأزمات والتحديات»، مشيراً إلى «استمرار إشكالية دور الدولة في الاقتصاد».

واحتفت وسائل الإعلام المحلية بذكرى «30 يونيو»، ونشرت تقارير عدة أكدت خلاها أنها كانت السبيل لتصحيح المسار، وأعلنت الحكومة الخميس المقبل إجازة بمناسبة ذكرى الثورة.

كما وجّهت جهات رسمية عدة التهاني للسيسي بمناسبة «30 يونيو»، على رأسها رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي.

وكانت الهيئة العامة للاستعلامات بمصر قد أعلنت قبل أيام، عن تدشين حملة إعلامية للتذكير بـ«إنجازات ثورة 30 يونيو».

وتفاعل مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي، بينهم إعلاميون ونواب في البرلمان مع ذكرى الثورة. وأكد الإعلامي وعضو مجلس النواب، مصطفى بكري، عبر حسابه على منصة «إكس»، أن «30 يونيو حققت كثيراً من الإنجازات، وعادت مصر للمصريين»، مضيفاً: «مصر تواجه التحديات على كل اتجاهاتها الاستراتيجية بعزيمة وإيمان».

بينما قال الإعلامي المصري، أحمد موسى، عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «هذا يوم الملحمة... هذا يوم الاصطفاف الوطني... يوم إحباط المؤامرات... يوم إنقاذ مصر بعد خطفها ومواجهة الإرهابيين».

وكتب المدون المصري، لؤي الخطيب، على حسابه على منصة «إكس»، أن هذا (اليوم) يرمز إلى «ذكرى نزول المصريين بالملايين، لتكليف قائد الجيش بإنقاذ البلاد».

وهنأ الإعلامي نشأت الديهي المصريين بذكرى «30 يونيو»، وعدّها «لحظة مفصلية في تاريخ الأمة المصرية».


مقالات ذات صلة

إيرادات قناة السويس ترتفع بأكثر من 18 % بعد هدوء توترات البحر الأحمر

شمال افريقيا الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس خلال اجتماع موسع مع ممثلي 20 جهة من الخطوط والتوكيلات الملاحية الأربعاء (هيئة القناة)

إيرادات قناة السويس ترتفع بأكثر من 18 % بعد هدوء توترات البحر الأحمر

أكدت هيئة قناة السويس أن إحصاءات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026 شهدت تحسناً ملموساً.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

تحليل إخباري هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل، ووصف ذلك بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر».

هشام المياني (القاهرة )
تحليل إخباري أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تحليل إخباري محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري تساؤلات حول الموقف المصري خصوصاً وهو يقف في خصومة مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يسعى لعقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن لدى أميركا علاقة رائعة وقوية مع مصر، وأوضح أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي خلال ترؤسه اجتماعاً لمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر: جدل متصاعد حول «خفض الدَّين» يستبق «خطة حكومية» مرتقبة

تصاعدت حدة الجدل في مصر بشأن «خفض الدين العام» وسط تساؤلات حول ما إذا كانت خطة الحكومة المنتظرة في هذا الصدد تتضمن بيعاً لأصول الدولة لتخفيف أعباء خدمة الدين

فتحية الدخاخني (القاهرة)

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يسلم تونس معدات لتعزيز مراقبة الحدود

مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قوارب الموت قبالة أحد شواطئ تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

سلم الاتحاد الأوربي دفعة جديدة من المعدات إلى تونس، لتعزيز مراقبة الحدود ضمن برنامج تعاون يهدف إلى كبح تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وتولت بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس الخميس، تسليم المعدات في ثكنة الحرس الوطني التونسي قرب العاصمة.

وينضوي هذا الدعم ضمن برنامج إدارة الحدود الذي بدأ منذ عام 2018، بتمويل تبلغ كلفته 130 مليون يورو، وفق ما ذكرته البعثة.

مهاجرون أفارقة في العاصمة تونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضحت البعثة، في بيان لها، أن هذا الدعم «ساهم في تعزيز القدرات العملياتية للحرس الوطني وحرس السواحل، بخاصة في مجالي البحث والإنقاذ وحماية المهاجرين غير النظاميين».

ويعد طريق وسط البحر الأبيض المتوسط الذي يشمل أساساً سواحل ليبيا وتونس، أكثر الطرق نشاطاً لعمليات العبور غير النظامية لحدود الاتحاد الأوروبي ولأنشطة مهربي البشر. لكن أحدث تقرير لـ«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل»، يشير إلى تدفقات رئيسية من سواحل ليبيا التي تحولت إلى المنصة الأولى لعمليات العبور في 2025.

وقالت البعثة الأوروبية: «كل هذه الجهود مكنت من تسجيل انخفاض ملحوظ في عمليات العبور غير النظامية، وعدد المفقودين والوفيات في البحر، ابتداء من سنة 2024».

خفر السواحل التونسي يحاول إيقاف بعض المهاجرين في البحر في أثناء محاولتهم العبور إلى إيطاليا (أرشيفية - رويترز)

وترتبط تونس بمذكرة تفاهم شاملة مع الاتحاد الأوروبي تعود إلى يوليو (تموز) 2023، تشمل من بين بنودها مكافحة الهجرة غير النظامية مقابل دعم اقتصادي ومالي وتمويلات لخفر السواحل.

وتنتقد منظمات حقوقية في تونس مدافعة عن حرية التنقل، المذكرة وتطالب بوقف عمليات الترحيل القسري والإبعاد لمهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو المناطق الحدودية النائية، على ما أفادت به «وكالة الانباء الألمانية».


​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
TT

​الجزائر تعلن عن مكاسب جديدة بمسار «استرجاع الأموال المنهوبة» في الخارج

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (الرئاسة)

أكد مسؤول جزائري رفيع المستوى، أن بلاده «جنت نتائج إيجابية» من مساعيها لدى دول كثيرة، ودولة أفريقية واحدة، فيما يخص «استرداد الأموال العامة المحولة إلى الخارج بطرق غير شرعية»، في إشارة إلى خطة، يقول رئيس البلاد عبد المجيد تبون إنه نفذها منذ وصوله إلى الحكم، تتعلق بتتبع آثار عائدات مالية محل شبهة فساد، يعتقد أن وجهاء من النظام وضعوها في الخارج خلال الـ20 سنة الماضية.

وصرح كمال تويجيني مساعد النائب العام بـ«مجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، الأربعاء، بأن القضاء الجزائري «وجه 52 طلباً لكثير من الدول الأجنبية، منها دولة أفريقية واحدة، في إطار مساعي استرداد الأموال المنهوبة»، من دون ذكر اسم دولة واحدة.

وكان المسؤول القضائي يتحدث للصحافة لمناسبة اجتماع نظمته «السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته» (هيئة دستورية مستقلة) في إطار مهامها الخاصة بمتابعة «الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته»، التي وُضعت قبل 5 سنوات.

من اجتماع «سلطة مكافحة الفساد» (سلطة المكافحة)

«من التخطيط إلى التفعيل»

وصرحت رئيسة «سلطة الشفافية» سليمة مسراتي، في بداية الاجتماع، بأن فريق العمل «انتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التفعيل الميداني».

وأكدت الحكومة الجزائرية، في يوليو (تموز) 2025، أنها اصطدمت بصعوبات في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى استرجاع الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج، نتيجة التعقيدات التي تفرضها الأنظمة القضائية في بعض الدول. غير أن سويسرا أبدت، في الفترة الأخيرة، استعداداً للتعاون في هذا المسعى، الذي يطول شخصيات نافذة من النظام السابق ممن ارتبطوا بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019).

رئيسة سلطة مكافحة الفساد (سلطة المكافحة)

وأوضح وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، أن الحكومة «حققت تقدماً ملموساً في ملف استرجاع الأموال المتأتية من الفساد، إلا أن هذه الجهود واجهت تحديات كثيرة أدت إلى بطء تجاوب بعض الدول». وأرجع ذلك إلى «خصوصية أنظمتها القضائية وتعقيد المساطر المعتمدة، فضلاً عن تعدد الأطراف المتدخلة، سواء كانت قضائية أو دبلوماسية وغير ذلك».

كما يجدر التذكير بأن الرئيس تبون سبق أن أعلن عن حجز «فندق كبير» في إسبانيا، في إطار التعاون القائم مع السلطات الإسبانية، ويتعلق الأمر بممتلكات تعود لرجل الأعمال علي حداد، المحكوم عليه بالسجن منذ خمس سنوات بتهمة «غسل الأموال».

فندق «إل بالاس» في برشلونة الذي استعادته الحكومة الجزائرية (متداول)

وكان تبون قد أشار، في تصريحات أدلى بها للصحافة الأجنبية العام الماضي، إلى أن فرنسا «لا تتعاون بالقدر المطلوب» مع الجزائر بشأن طلبات تتعلق بتجميد ودائع مالية وممتلكات عقارية تعود لوزراء وشخصيات نافذة من النظام السابق. ومن بين أبرز الأسماء المعنية وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (2015 - 2017)، الذي رفضت محكمة فرنسية في مارس (آذار) الماضي تسليمه إلى الجزائر، رغم صدور أحكام قضائية جزائرية بحقه بعقوبات مشددة على خلفية قضايا «فساد مالي». وبرر القضاء الفرنسي قراره بأن الجزائر «لم تقدم ضمانات كافية بشأن توفر شروط محاكمة عادلة لبوشوارب» في حال تسليمه، وهو ما زاد من حدة التوتر بين البلدين.

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

وعلى خلاف الموقف الفرنسي، خطت سويسرا خطوة وُصفت بالمهمة في مسار تعاونها مع الجزائر في ملف «استرجاع الأموال المنهوبة». ففي سنة 2023، قرر القضاء الفيدرالي السويسري مصادرة وديعة بقيمة 1.7 مليون يورو مودعة في أحد البنوك السويسرية تعود لعبد السلام بوشوارب، تمهيداً لتحويلها إلى الجزائر. كما تطالب الجزائر السلطات السويسرية بتجميد أموال أخرى تعود لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، الذي صدر في حقه حكم بالسجن بتهم «الفساد»، وهي القضايا التي تطول أيضاً زوجته وابنه، إضافة إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحقه.

وزير الطاقة السابق المتهم بالفساد شكيب خليل (الشرق الأوسط)

وفي سياق ذي صلة، أصدرت محكمة عنابة (شرق البلاد) الأربعاء، أحكاماً مشددة في حق شرطيين واثنين من أعوان الجمارك كانوا ينشطون بمطار عنابة، بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ«الفساد والاتجار غير المشروع بالمعادن الثمينة». ويأتي ذلك في إطار تفكيك شبكة مختصة في تهريب المعادن الثمينة، عقب حجز كمية معتبرة من الفضة تقدر بـ80 كيلوغراماً، كانت آتية من فرنسا إلى إحدى كبرى مدن شرق البلاد.

وتعود فصول القضية إلى نحو ثمانية أشهر مضت، حين أوقفت فرقة للدرك الوطني مركبة على مستوى بلدية الحجار بعنابة، كانت تنقل شحنة الفضة المحجوزة. ووفق ما أوردته جريدة «الخبر»، كان سائق المركبة مرفوقاً بشرطي يعمل بمطار عنابة، وكانا في طريقهما نحو ولاية الطارف الحدودية مع تونس.

من اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بالخزانة الأميركية عام 2023 في سياق مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة (البرلمان الجزائري)

وبعد تعميق التحقيقات، تبين أن الشحنة أُرسلت من فرنسا من طرف شخص لم يكن على متن الرحلة الجوية، وأن إخراجها من مطار عنابة تم بتواطؤ شرطيين واثنين من أعوان الجمارك، قبل تسليمها إلى شريك آخر كان في انتظارها خارج المطار.

وفي إطار هذه القضية، جرى توقيف ستة أشخاص، من بينهم الشرطيان وأعوان الجمارك المعنيون، ووجهت إليهم تهم «الاتجار في المواد الثمينة، وإساءة استغلال الوظيفة، وتلقي منافع غير مستحقة، إضافة إلى تبييض الأموال».


«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
TT

«الوحدة» الليبية تتحدث عن «آليات جديدة» للحد من تهريب الوقود

الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين ورقابيين بالعاصمة طرابلس 21 يناير (مكتب الدبيبة)

عاد ملف تهريب الوقود إلى واجهة المشهد الليبي، بعد أن تزايد حديث السلطات في غرب البلاد عن «حلول وآليات جديدة» للحد من هذه الأزمة المزمنة التي تواجه الدولة منذ أكثر من عقد، في ظل انقسام سياسي وعسكري مستمر.

وأشارت مصادر رسمية (سابقة) ومحللون سياسيون لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تهريب الوقود في ليبيا لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل يتداخل مع مصالح سياسية، وشبكات مسلحة ميليشياوية معقدة، ما يزيد صعوبة وضع حلول فعالة.

«اللواء 444» التابع لحكومة «الوحدة» يعلن ضبط شاحنات مهربة عبر مسار جبلي بغرب ليبيا (اللواء)

وتجددت التساؤلات حول أزمة تهريب الوقود على وقع حديث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأربعاء، عن «أهمية تفعيل آليات متابعة ورقابة مشتركة، ووضع إجراءات واضحة، لضمان وصول الوقود إلى مستحقيه».

وليس هذا الحديث الحكومي الأول من نوعه، إذ كان تهريب المحروقات محور مناقشات لجنة فنية شكلها رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، في أغسطس (آب) 2025، للتدقيق في عقود قطاعي النفط والكهرباء خلال السنوات الخمس الماضية، وفق ما صرح مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط».

وأشار المصدر ذاته، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام، إلى أن «قضية تهريب المحروقات لم تحقق أي تقدم حتى الآن، لكون اللجنة فنية، ومحدودة التحرك ميدانياً، فضلاً عن تأخر بعض الجهات في إتاحة المعلومات المطلوبة».

وينظر مراقبون إلى تهريب المحروقات باعتباره أحد المنغصات في الأزمة الليبية منذ 2011، إذ سجل تقرير سابق لخبراء الأمم المتحدة زيادة ملحوظة في عائدات الميليشيات المسلحة من الديزل، «مستفيدة من نفوذها» على مرافق حكومية رئيسة.

وكان النائب العام، الصديق الصور، أكثر وضوحاً في هذا الشأن، عادّاً أن «عمليات التهريب تموّل بعض المجموعات المسلحة»، وفق تصريحات تلفزيونية الأربعاء.

وفي هذا السياق، شكك وزير النفط والغاز السابق، محمد عون، في قدرة حكومة «الوحدة» على الحد من الظاهرة، مشيراً إلى أن «غياب السيطرة الأمنية الفعلية على كامل الأراضي الليبية، إلى جانب سنوات من العبث والفساد، يقوض أي آلية حكومية».

ويذهب عون إلى الاعتقاد، بحسب تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، بأن «جذور الأزمة تكمن في تدخلات سياسية مباشرة في قطاع النفط، ومخالفة صريحة للتشريعات، وأن الجهود لم تفلح رغم إصداري خلال فترة تولي الوزارة مذكرات متعددة لمؤسسة النفط والجهات الرقابية».

ولم يتوقف الحديث عن «هيمنة» المجموعات المسلحة على ملف تهريب الوقود في ليبيا عند التقارير الأممية، إذ سبق أن تحدثت دراسة لمنظمة «ذا سنتري» الأميركية غير الربحية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن «تورط قيادات عسكرية» محسوبة على «الجيش الوطني» وأسماء مرتبطة بحكومة «الوحدة»، دون أي رد رسمي من الأطراف المعنية.

ويعتقد المحلل السياسي حسام فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تهريب الوقود هو «جزء من منظومة مصالح مسلحة وسياسية تشكّلت خلال سنوات الانقسام، والفوضى». وأضاف أن هذه الشبكات «تدار، أو تحمى من قبل مجموعات مسلحة محددة، وتستفيد من غطاء سياسي، وأمني، ما يتيح لها تحقيق أرباح تُقدّر بمئات الملايين سنوياً»، مشيراً إلى أن نشاطها «يمتد داخلياً وخارجياً، ليصبح جزءاً من اقتصاد غير مشروع عابر للحدود».

وتُعدّ مدينة الزاوية غرب ليبيا من أبرز مراكز تهريب الوقود المدعوم خارج البلاد، حيث كشف النائب العام عن ضبط 42 ألف لتر ديزل معدّة للتهريب في منطقة المطرد بالزاوية، مصحوبة بمواجهات محدودة مع المهربين في أغسطس الماضي.

ويبرز الحل الأمني كأحد الخيارات التي لا يستبعد مراقبون أن تلجأ إليها حكومة الدبيبة، لمواجهة التشكيلات المسلحة، وعصابات التهريب، خاصة بعد إطلاق عملية عسكرية في الزاوية العام الماضي، واستخدام طائرات مسيّرة لمكافحة أوكار المهربين.

ويقر فنيش بأن «المسيّرات توفر قدرة أكبر على مراقبة الطرق الصحراوية، والسواحل، وخطوط النقل الطويلة، بتكلفة سياسية وعسكرية أقل من المواجهة المباشرة»، لكنه يرى أن مجمل الحلول الأمنية والعسكرية «تبقى أدوات مؤقتة ما لم تُدمج ضمن استراتيجية شاملة، إذ يظل غياب القرار السياسي الموحد، والقدرة التنفيذية الفعلية عائقين أمام تفكيك الشبكات».

ويشير إلى أن جوهر المشكلة يكمن في جوانب فنية واقتصادية تشمل «اختلالات في منظومة الدعم، والتسعير، وآليات التوزيع، وضعف الرقابة المالية».

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وتبلغ خسائر ليبيا من تهريب المحروقات نحو 1.5 مليار دولار سنوياً، بالنظر إلى اعتماد البلاد على أسلوب «مبادلة النفط بالمحروقات»، بحسب تقديرات النائب العام، فيما كشفت بيانات ديوان المحاسبة الأخيرة عن إنفاق نحو 45 مليار دينار خارج سجلات وزارة المالية لدعم الوقود، دون إدراج المحروقات ضمن بند الدعم في الترتيبات المالية للدولة للعام الماضي، ما يعكس هشاشة الرقابة، وانهيار أجهزة الدولة، بحسب مراقبين. و(الدولار) يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية، و9.09 دينار في السوق الموازية.

وكان صندوق النقد الدولي اقترح إصلاحات اقتصادية برفع سعر البنزين في ليبيا إلى 3.3 دينار للتر، وذلك على مراحل تمتد لثلاث سنوات، مع تقديم دعم نقدي شهري يصل إلى 509 دنانير لكل مواطن، ما يفتح الباب لاحتمالية رفع الدعم بشكل تدريجي. ويبلغ سعر لتر البنزين 0.150 دينار، وهو أحد أدنى الأسعار عالمياً، ما يجعل تهريبه نشاطاً بالغ الربحية.

ويرى الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود، لـ«الشرق الأوسط»، أن حديث الدبيبة عن «أسعار مقبولة للبنزين» قد يكون إعلاناً ضمنياً عن هذا «المسار الإصلاحي».