على نحوٍ متصاعد، ازدادت حدّة الغضب في ليبيا ضد البعثة الأممية، وبدا لافتاً أن الدعوات التي انطلقت لـ«طردها» لم تقتصر على حكومة شرق البلاد، بل وصلت إلى أطراف اجتماعية وسياسية بغربها، وسط تساؤلات عن أسباب هذا التحوّل.
كانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد تقدّمت بإحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، مساء الثلاثاء الماضي، أثارت انتقادات من جهات عدّة، من بينها حكومة أسامة حمّاد المكلّفة من مجلس النواب، التي أبدت رفضها تدخّل البعثة في مناقشات البرلمان حول ميزانية «صندوق إعادة الإعمار والتنمية».
وعقب انتهاء تيتيه من إلقاء إحاطتها، حاول محتجون اقتحام البوابة الخارجية لمقر البعثة الأممية في مدينة جنزور غرب العاصمة طرابلس، بدعوى أن «الإحاطات التي يتقدم بها المبعوثون لا تُقدّم حلاً للأزمة السياسية»، ورأوا أن البعثة «ملزَمة بإيجاد حل أو ترحل عن البلاد».

ورغم الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا بين حكومتين تتنازعان السلطة، فإن وجهات النظر حيال البعثة الأممية جاءت متوافقة من كلا الجانبين، وهو ما يُرجعه محللون إلى أن «كل فريق يريد من البعثة الاصطفاف معه ضد خصمه».
وقال مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط» إن المبعوثة تيتيه «عرضت في إحاطتها جوانب من تعثّر العملية السياسية، لكن كل طرف في الأزمة دوماً يرى نفسه بمنأى عنها، وأن الطرف الآخر هو المتسبب فيها».
شعار «لا للتدخل الأجنبي»
وانتشرت على نحو ملحوظ دعوات للتظاهر أمام مقر البعثة في جنزور الاثنين المقبل، تحت شعار: «لا للتدخل الأجنبي في ليبيا»، و«الشعب سيُسقط البعثة».
ويرى الداعون للاحتشاد أمام مقر البعثة أن الهدف هو «استعادة القرار الليبي، المتمثل في رحيل البعثة عن البلاد». وأكدوا عبر صفحات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي أن مدناً عدّة بغرب ليبيا ستشارك في «وقفة كبرى»، وأن «غضباً شعبياً سيجتاح الميادين ضد بعثة الأمم المتحدة والتدخلات الأجنبية».
وكان حمّاد قد دعا إلى «طرد البعثة الأممية من ليبيا فوراً»، بوصفها «غير مرحَّب بها»، وذلك لتعاملها مع «أطراف فاقدة للشرعية»، على حد وصفه. وعبَّر عن رفضه الصريح لإحاطة المبعوثة الأممية، التي قال إنها «مليئة بالتجاوزات والمواقف المنحازة».
وانتقد رئيس «تجمّع الأحزاب الليبية»، فتحي الشبلي، أداء البعثة الأممية منذ تأسيسها عام 2011، متحدثاً في تصريح نقلته وسائل إعلام محلية عن «تراجع فاعلية البعثة وضعف التزامها بالحياد».
ويرى علي أبو زريبة، عضو بمجلس النواب عن مدينة الزاوية غرب ليبيا، أن البعثة «لم تَعُد طرفاً نزيهاً»، مشيراً إلى أن «تدخُّلها المباشر والعلني أصبح سبباً في تعطيل مسارات الحل وتجميد مؤسسات الدولة».
وقال في تصريح نشره عبر صفحته على «فيسبوك»: «تابعت بأسف بالغ الأسلوب الصادم الذي تعاملت به البعثة مع المتظاهرين السلميين أمام مقرّها، عبر استنفار عناصر أمنها الأجانب والتلويح باستخدام القوة»، لافتاً إلى أنها «اعتادت منذ سنوات القفز بين مسارات متعدّدة، وطرح مبادرات لا تتّسم بالجدية، متجاهلة أهمية جمع الفرقاء على طاولة حوار واحدة، مما أدى إلى إهدار الوقت وتدوير الأزمات بدلاً من حلّها».
وتحفَّظ مصدر بالبعثة على حديث أبو زريبة، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن البعثة الأممية «ليست طرفاً مع جهة ضد جهة أخرى، وتعمل على تيسير حل الأزمة بملكية ليبية دون تدخّل»، لافتاً إلى أن المبعوث الأممي السابق، عبد الله باتيلي، سعى إلى جمع أفرقاء الأزمة السياسية على طاولة حوار، بغية وضع حدّ لحالة الجمود السياسي دون استجابة من بعضهم.
وسبق أن طالب متظاهرون ليبيون برحيل جُلّ المبعوثين الأمميين عن البلاد، لا سيما عند ذِكر أحدهم اسم جبهتهم بما لا يحبّون. وكان محتجّون قد طالبوا برحيل المبعوث الأسبق غسان سلامة عن ليبيا.
«النفير العام» وموقف البعثة
وفي غرب ليبيا، أعلن المجلس الاجتماعي للمنطقة الغربية ما سمّاه «حالة النفير العام»، داعياً السلطات إلى «طرد» بعثة الأمم المتحدة من ليبيا.
ودون التطرّق إلى ما جاء في إحاطتها، رأى المجلس الاجتماعي أن البعثة «لم تحترم إرادة الليبيين»، مؤكداً أن اقتحام مقارّها «رسالة واضحة بأن زمن الوصاية الأجنبية قد انتهى، وأن ليبيا ليست ساحة للتجارب السياسية، ولا لنفوذ القوى الخارجية».

وتغاضت البعثة عن هذه الدعوات، وفتحت باب التسجيل للشباب للانخراط في مشاورات حول العملية السياسية في حلقة نقاشية حضورية لمدة ساعة ونصف الساعة، وقالت إن النقاش سيتركّز حول الخيارات والتوصيات التي قدّمتها اللجنة الاستشارية، وفهم مخاوف الشباب وتوصياتهم.
وأشارت إلى أن الحلقة متاحة للشابات والشبان المقيمين في مدن أجدابيا، والبيضاء، ودرنة، وشحات والمناطق المحيطة بها، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً.



