«أطباء بلا حدود» تحذّر من تفشٍّ خطير للأوبئة في السودان

قالت إن الوضع كارثي والكوليرا تخرج عن السيطرة

المدير العام لمنظمة «أطباء بلا حدود» كريستوفر لوكيير (إعلام المنظمة)
المدير العام لمنظمة «أطباء بلا حدود» كريستوفر لوكيير (إعلام المنظمة)
TT

«أطباء بلا حدود» تحذّر من تفشٍّ خطير للأوبئة في السودان

المدير العام لمنظمة «أطباء بلا حدود» كريستوفر لوكيير (إعلام المنظمة)
المدير العام لمنظمة «أطباء بلا حدود» كريستوفر لوكيير (إعلام المنظمة)

حذّر الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، من أخطار جدّية قد تنتج عن تفشي الأمراض الوبائية في السودان خلال الفترة المقبلة، جراء الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي، وتصاعد النزوح، واستمرار النزاع، إضافة إلى تفشي الكوليرا والحصبة وحمى الضنك.

وقال لوكيير في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن تردّي خدمات الصرف الصحي، وتعطّل حملات التطعيم الروتينية، وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة، كلها عوامل تساهم في تفاقم الوضع الإنساني. وأضاف أن موسم الأمطار، الذي يتزامن مع شحّ الغذاء وذروة انتقال الأمراض، مرشّح لأن يزيد من تعقيد الأزمة الصحية، ويرفع خطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه والحشرات، بالتوازي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

وأشار لوكيير إلى أن أكثر من 13 مليون شخص نزحوا داخل البلاد، في حين يواجه نصف السكان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وقال: «هذه الظروف تهيّئ الأرضية لتفشّي الأوبئة بشكل واسع، ما لم تُنفّذ تدخلات إنسانية عاجلة وواسعة النطاق».

الكوليرا تخرج عن السيطرة

وحول تفشّي الكوليرا، أوضح لوكيير أن من الصعب الحصول على صورة شاملة لحجم الإصابات؛ إذ تم الإبلاغ عن حالات في ولايات عدة، من بينها جنوب دارفور. وأشار إلى أن كثيراً من المصابين لا يسعون للعلاج في المرافق الصحية؛ بسبب صعوبة الوصول إليها ونقص الخدمات الطبية، ما يعقّد جهود الاستجابة ويُبقي الأرقام الحقيقية غير معروفة.

مستشفى مؤقت تابع لمنظمة «أطباء بلا حدود» في أدري بتشاد على الحدود مع السودان (رويترز)

وأوضح أن ولاية الخرطوم شهدت ارتفاعاً حاداً في عدد الإصابات في النصف الثاني من مايو (أيار) 2025؛ بسبب غياب المرافق الصحية العاملة وانقطاع الكهرباء على نطاق واسع، خصوصاً في مدينة أم درمان؛ ما أدى إلى تعطل وصول السكان إلى المياه النظيفة. ووفقاً لوزارة الصحة، بلغ عدد الحالات نحو 1000 إصابة يومياً في نهاية مايو، قبل أن تبدأ الأرقام بالتراجع تدريجياً، وأوضح لوكيير أن «أطباء بلا حدود» تعمل بشكل وثيق مع وزارة الصحة لتعزيز جهود التصدي للكوليرا، مشيراً إلى أن المنظمة دعمت وحدات عدة لعلاج الكوليرا في ولاية الخرطوم، إلى جانب إنشاء نقاط لإعادة الترطيب، وتعزيز فرق الرصد والتحويلات الطبية، وتنفيذ حملات توعية مجتمعية.

قيود على المنظمات الإنسانية

قال لوكيير إن الأوضاع الميدانية بعد أكثر من عامين من الحرب، لا تزال كارثية، مشيراً إلى أن المنظمات تواجه تحديات كبيرة في تقديم الرعاية الطبية، نتيجة القيود الإدارية، ونقص التمويل، وشحّ الإمدادات الطبية، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة. وضرب مثلاً بانقطاع حملات التطعيم الروتينية؛ الأمر الذي أدى إلى تفشّي أمراض يمكن الوقاية منها بين الأطفال، كالحصبة.

وحذّر من أخطار اندلاع أوبئة جديدة في المناطق المتأثرة بالنزاع، مشيراً إلى تفشّي الحصبة في دارفور، والارتفاع الحاد في حالات الكوليرا بولاية الخرطوم ومناطق أخرى. وأكد استمرار الهجمات على البعثات الإنسانية والبنية التحتية المدنية، بما فيها المرافق الصحية ومحطات المياه والكهرباء. وأوضح أن منظمة الصحة العالمية قدّرت، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أن 70 إلى 80 في المائة من المرافق الصحية في السودان بالكاد تعمل، نتيجة الهجمات المباشرة، ونقص الكوادر، وانعدام الإمدادات. وقال: «في بعض المناطق، من الصعب جداً العثور على مركز صحي يعمل بشكل فعّال ويضم كوادر مؤهلة وأدوية أساسية».

وضع إنساني متدهور

وصف لوكيير الوضع الإنساني في السودان بأنه «كارثي»، مستشهداً بتقديرات الأمم المتحدة، وقال إن أكثر من 13 مليون نازح، معظمهم يعيشون في ظروف مكتظّة وغير صحية، مع محدودية شديدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

مستشفى «بشائر» بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمَّة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

ودعا المنظمات الدولية إلى تكثيف تدخلاتها، وتجاوز الحواجز البيروقراطية، وتخزين الإمدادات مسبقاً قبل أن تتفاقم الأوضاع بشكل أكبر. كما حذّر من أن الهجمات بالطائرات المسيّرة على البنية التحتية للكهرباء تؤدي إلى انقطاع محطات ضخ المياه؛ ما يجبر السكان على استخدام مصادر مياه غير آمنة، ويزيد خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا. وقال: «(أطباء بلا حدود) تنفّذ حالياً تدابير وقائية، تشمل تحسين البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية صحية في المناطق المتضررة».

تحذير من كارثة في الأفق

فيما يتعلق بإقليم دارفور، قال لوكيير إن الوضع الصحي هناك، لا سيما في شمال دارفور، يزداد سوءاً بسرعة. وأوضح أن مخيم زمزم، الذي كان أكبر موقع للنازحين في السودان ويضم أكثر من نصف مليون شخص، تعرّض لهجوم واسع في أبريل (نيسان) 2025، بعد عام كامل من الحصار والتجويع. وأضاف أن المخيم أصبح الآن شبه خالٍ، واضطرت فرق المنظمة إلى مغادرته في فبراير (شباط) الماضي. وأشار إلى أن الوصول إلى الرعاية الصحية في دارفور محدود للغاية بسبب انعدام الأمن وتضرر البنية التحتية والطرق، موضحاً أن الوجود الإنساني لا يزال محدوداً، حيث تعمل فقط بعض وكالات الأمم المتحدة وعدد قليل من المنظمات غير الحكومية.

وأكد لوكيير أن «أطباء بلا حدود» تواصل تقديم خدمات الطوارئ والرعاية الصحية الأساسية، خاصةً في مجالات الأمومة، ورعاية الأطفال، والتغذية، رغم التحديات الأمنية واللوجيستية. وقال لوكيير مجدداً، إن السودان يواجه كارثة إنسانية وصحية معقّدة، تستوجب استجابة دولية سريعة، مشدداً على أن فشل المجتمع الدولي في التحرك قد يؤدي إلى تفشي أوبئة مدمّرة في مختلف أنحاء البلاد، لا سيما في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع والنزوح.


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

«الشرق الأوسط» (مروي (السودان))
شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.