العلاقات المصرية - السودانية متماسكة رغم بعض «الغموض والارتباك»

وسط اتهامات للقاهرة بدعم «جيش البرهان»

السيسي يستقبل البرهان في القاهرة ويؤكد دعمه للسودان (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل البرهان في القاهرة ويؤكد دعمه للسودان (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

العلاقات المصرية - السودانية متماسكة رغم بعض «الغموض والارتباك»

السيسي يستقبل البرهان في القاهرة ويؤكد دعمه للسودان (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل البرهان في القاهرة ويؤكد دعمه للسودان (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

تؤكد مصر مراراً على ثبات موقفها بشأن دعم مؤسسات الدولة السودانية واستقرار البلاد ووحدتها وسيادة أراضيها، استناداً إلى «علاقات تاريخيّة متماسكة”، لكن هناك «غموض» يكتنف مستويات وشكل هذا الدعم، لا سيما مع اتهامات «الدعم السريع» للقاهرة بـ«دعم الجيش السوداني عسكرياً»، واعتادت مصر نفيها بشكل رسمي أو غير رسمي.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أعربت القاهرة عن قلقها من تطورات الوضع، مطالبة بـ«تغليب لغة الحوار». وأكدت مراراً «موقفها الثابت والراسخ بالوقوف إلى جانب السودان، ودعم أمنه واستقراره، ووحدة وسلامة أراضيه».

لكن هذه التأكيدات مع لقاءات عدة جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والبرهان، كان في مقابلها اتهامات متكررة من جانب حميدتي للقاهرة بـ«دعم الجيش السوداني، وعرقلة جهود الاستقرار في البلاد». كان آخرها مساء الاثنين الماضي، عبر كلمة مصورة جدّد فيها حميدتي اتهامه لمصر بالهجوم على مواقع قواته، زاعماً أن «مصر ساندت الجيش السوداني بثماني طائرات يقودها طيارون مصريون تقلع من مدينة دنقلا لقصف كردفان ودارفور»، كما زعم أن «مصر أدخلت يوم الأحد 32 شاحنة عسكرية تحمل أسلحة وذخيرة ووقوداً للطيران». وسبق لمصر أن نفت رسمياً اتهامات مماثلة.

حميدتي من خطاب مسجل الاثنين 2 يونيو يتهم القاهرة بتسليح الجيش السوداني (صورة مأخوذة من فيديو)

تقرير معهد واشنطن

ولفت المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية في أبريل الماضي، إلى أن «مصر ورغم ما تعانيه من ضغوط اقتصادية لا يزال لديها تأثير قوي في السودان». وفي فبراير (شباط) الماضي لفت تقرير نشره معهد واشنطن إلى ما وصفه بـ«معضلة القاهرة في التعامل مع الحرب السودانية»، مشيراً إلى أن «مصر تجد نفسها في وضع معقد حيث ترتبط تاريخياً وجغرافياً بالسودان ما يجعل استقراره أمراً حيوياً لمصالحها، لكنها في الوقت نفسه أمام خيارات صعبة بين الحياد ودعم طرف على حساب الآخر».

ولفت التقرير إلى «تحول في الموقف المصري لدعم الجيش السوداني على استحياء»، استناداً إلى «اتهامات لمصر بالمشاركة في هجمات جوية بالسودان».

ووفق مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن، فإن موقف مصر من الأزمة السودانية «لم يتغير»، وهو موقف عبّرت عنه القاهرة رسمياً في مناسبات عدة، مؤكدة «دعمها مؤسسات الدولة ووحدتها وسيادة أراضيها». وأوضح حسن لـ«الشرق الأوسط» أنه استناداً لهذا الموقف الثابت «دعمت القاهرة مجلس السيادة والجيش السوداني، بأشكال عدة»، لم يوضحها.

أمن البحر الأحمر

النيران تشتعل بمستودع وقود في بورتسودان على البحر الأحمر 6 مايو (أرشيفية - رويترز)

وفي رأي مديرة وحدة أفريقيا في «مركز الأهرام للدراسات السياسية» الدكتورة أماني الطويل، فإن «موقف مصر ثابت بشأن الرغبة في وقف الحرب السودانية، لكنه متغير في آليات التفاعل معها حسب المعطيات الداعمة لها».

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «استمرار الحرب يفرض ضغوطاً كبيرة على مصر، لا سيما ما يتعلق بضبط الحدود وتدفق اللاجئين والنازحين، وتأثير انهيار دولة السودان على أمن البحر الأحمر، وإمكانية تحول السودان لمنصة للتنظيمات المتطرفة»، مؤكدة «موقف مصر الثابت بشأن أهمية وقف الحرب، وهي تتبع كل السبل المطلوبة طبقاً للمعطيات المتغيرة في هذه المسألة».

وتتراوح مستويات الدعم، بحسب أماني الطويل، بين دعم دبلوماسي يستهدف الحفاظ على كيان الدولة، ودعم إنساني ولوجيستي يتعلق باستقبال اللاجئين والنازحين، وتوفير الدعم الغذائي والطبي». لكنها تشير في الوقت نفسه إلى ما وصفته بـ«دعم على مستويات غير منظورة»، موضحة أن «هذا النوع من الدعم مرتبط بتعامل الجهات الرسمية العسكرية مع بعضها بعضاً، وهو تعاون سابق على الحرب يتضمن مناورات عسكرية، وتعاوناً في ضبط الحدود من غير الواضح أو المعلن مستوى تطوره بعد الحرب».

استقرار السودان

وعقدت مصر والسودان عدداً من المناورات العسكرية المشتركة؛ بهدف تبادل الخبرات العسكرية، من بينها «نسور النيل 1 و2»، عامي 2020 و2021، و«سيف العرب» 2020 وغيرها؛ وفق ما رصده تقرير لـ«مركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، أكد «قوة ورسوخ وتماسك العلاقات المصرية - السودانية».

وأشارت «مجموعة الأزمات الدولية» في تقرير نشرته في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى مصر كأحد الأطراف الإقليمية الفاعلة في الأزمة السودانية، لافتة إلى أن «القاهرة تعد الحليف الأهم للجيش السوداني من بين مجموعة واسعة من الحلفاء الإقليميين، بينما تدعم أطراف أخرى (قوات الدعم السريع)».

وقالت إن «القاهرة لديها علاقة تاريخيّة وطيدة مع الجيش السوداني، وتنظر لاستقرار السودان بوصفه عنصراً حيوياً في أمنها، لا سيما في حوض نهر النيل والبحر الأحمر». لكن التقرير لفت إلى «علاقات القاهرة الوطيدة مع أطراف إقليمية لديها مواقف مغايرة من الأزمة السودانية، يقلل من ثقة بعض الأطراف في الجيش السوداني، لا سيما الإسلاميين منهم في دعم القاهرة، حيث يرى البعض أن القاهرة لن تذهب بعيداً في دعمها للجيش حتى لا تخاطر بعلاقاتها الوطيدة مع تلك الأطراف الإقليمية».

وأكدت «مجموعة الأزمات الدولية» في تقرير آخر نشر في أبريل الماضي أن «التدخلات الخارجية في الحرب السودان تزيد من احتدام الصراع، لا سيما أن طرفيها يتلقيان دعماً خارجياً يتضمن مسيرات وتكنولوجيا»، مشيرة إلى أن «هناك صراعاً على النفوذ يتخذ من السودان مقراً له، لا سيما مع موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر».

غموض المواقف الخارجية

عناصر بالجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

وأكد مصدر دبلوماسي مصري مطلع «الشرق الأوسط» أن التدخلات تعقد الوضع في السودان، و«أن هذه المسألة كانت محل نقاش في الدوائر الدبلوماسية، وبدا واضحاً منذ البداية أن الصراع لن يحل إلا بالتفاوض، خصوصاً أن طرفي الصراع يحظيان بدعم دولي وإقليمي، ولديهما من الموارد ما يكفي لمد أمد الحرب».

وفي رأي المصدر، فإنه «كان ينبغي على مصر عدم الانحياز إلى طرف واحد في صراع لن يحل إلا بالتفاوض، وربما كان عليها الانضمام إلى (منصة جدة) ومحاولة تبني موقف وسطي محايد». الحديث عن «غموض» الموقف المصري، وربما «ارتباكه» يتردد في وسائل إعلام سودانية عدة، تساءلت عن موقف القاهرة من «إخوان السودان»، وكيف «تدعم تنظيم تحاربه في الداخل».

لكن الدكتورة أماني الطويل ترفض تلك الادعاءات، مؤكدة أنه «لا يوجد غموض أو ارتباك، ومصر تتعامل مع معطيات الأمر الواقع، ولديها قدرة لتطويع تلك المعطيات»، مشيرة إلى أن «دعم القاهرة لإخوان السودان هو حديث يروجه نشطاء سودانيون، وهو غير صحيح».

نقطة أخرى تُلقي بعض الغموض على الموقف المصري تتعلق بالقيود على الأجانب المقيمين على أرضها ومطالبتها إياهم بتقنين أوضاعهم، مما أربك كثيراً من السودانيين في مصر الذين تزاحموا للعودة إلى بلادهم، لا سيما مع إغلاق السلطات المصرية في يونيو (حزيران) الماضي، المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفُّر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي.

وأكدت الدكتورة أماني أنه «لا يوجد تضييق على السودانيين في مصر، والإجراءات الجديدة مرتبطة بتقنين وجود غير المصريين في مصر، لا سيما مع زيادة عددهم بشكل مقلق للدولة، مما يؤثر على قدرتها على أداء وظائفها التقليدية».

ويبدو أن موقف القاهرة يثير تساؤلات منذ بداية الأزمة، وهو ما أشار له أنتوني سكينر، مدير الأبحاث لدى «مارلو غلوبال»، في تقرير نشره «معهد واشنطن» بعد نحو شهرين من الأزمة، قال فيه إن «الصراع في السودان سيضع ضغوطاً كبيرة على البنية التحتية الاقتصادية والسياسية والأمنية لمصر»، مضيفاً أن القاهرة «لا تملك خيارات عملية تُذكر لمواجهة التهديدات السودانية التي تطول الاستقرار».


مقالات ذات صلة

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

شمال افريقيا صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

حشدت «قوات الدعم السريع» قوات كبيرة في كردفان، وظهر القائد الثاني للقوات عبد الرحيم دقلو بين جنوده، بينما قُتل أكثر من 13 شخصاً في الأُبيّض بقصف مُسيّرة

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان (أ.ب) play-circle

السودان: 10 قتلى بينهم 7 أطفال بقصف في مدينة الأبيّض

قُتل، الاثنين، عشرة أشخاص بينهم سبعة أطفال في مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في جنوب السودان، وفق ما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون فارون من الحرب ينتظرون تلقي المساعدات الإنسانية في مخيم شمال الخرطوم في 30 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

عشرات القتلى بقصف مستشفى وسوق في ولاية شمال دارفور

بينما أكّدت مصادر متطابقة مقتل أكثر من 64 مدنياً، بقصف استهدف مستشفى وسوقاً في منطقتي الزرق وغرير بولاية شمال دارفور، السبت، اتهمت «قوات الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون فارون من الحرب ينتظرون تلقي المساعدات الإنسانية في مخيم شمال الخرطوم في 30 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

تقارير عن عشرات القتلى بشمال دارفور واستهداف محطة الكهرباء في الأُبَيّض

بينما أدان تحالف «صمود» مقتل عشرات المدنيين في ولاية شمال دارفور، انقطعت الكهرباء عن مدينة الأُبَيّض الخاضعة لسيطرة الجيش في شمال كردفان بعد قصف بطائرات مسيّرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص جانب من سوق أم درمان الشعبية العريقة (الشرق الأوسط)

خاص السودان: الحياة تولد تحت رماد الحرب والدمار

يحاول تجار سوق مدينة أم درمان العريقة النهوض مرة أخرى من تحت أنقاض وركام الحرب. ينهضون بأيدٍ عارية وجيوب خاوية وقلوب مثقلة بالأمل، تتشبث بمستقبل زاهر ومشرق.

بهرام عبد المنعم (أم درمان)

وزير خارجية إسرائيل يزور «أرض الصومال» لتثبيت الاعتراف

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

وزير خارجية إسرائيل يزور «أرض الصومال» لتثبيت الاعتراف

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، «أرض الصومال»، وذلك لتثبيت اعتراف حكومة بنيامين نتنياهو بهذا الإقليم الانفصالي قبل نحو أسبوعين. وأفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأن رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله يعتزم زيارة إسرائيل في الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الحالي، والانضمام رسمياً إلى «اتفاقات أبراهام» التي وُقّعت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أميركية.

ونددت وزارة الخارجية الصومالية بالزيارة، وقالت، في بيان، إنها «انتهاك لسيادة الصومال وسلامة أراضيه»، مؤكدة أن «أي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية من دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية، يعدّ غير قانوني وباطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجة قانونية».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، بشدة، زيارة ساعر، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات «تمثل انتهاكاً صارخاً لوحدة الصومال وسيادته، ومن شأنها تقويض السلم والأمن الإقليميين، ومفاقمة التوترات السياسية في الصومال والبحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي».


زيارة ساعر لـ«أرض الصومال» تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

زيارة ساعر لـ«أرض الصومال» تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يزور الإقليم الانفصالي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

تزامناً مع اجتماع لـ«مجلس السلم الأفريقي»، برئاسة مصر، لدعم وحدة الصومال، زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، «أرض الصومال»، الإقليم الانفصالي الذي اعترفت به حكومة بنيامين نتنياهو قبل نحو أسبوعين، وسط رفض صومالي وعربي وأفريقي وأوروبي، وتحفظ أميركي غير قاطع.

تلك الزيارة، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية، سوف «تعمق أزمة الاعتراف الإسرائيلي وتنقله من مرحلة الحديث الدبلوماسي لمرحلة إجراءات على أرض الواقع باحتمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية وتهجير فلسطينيين، مع تصعيد متوقع في المنطقة جراء ذلك».

وصل ساعر إلى «أرض الصومال»، الثلاثاء، بعد أقل من أسبوعين من اعتراف إسرائيل الرسمي بالجمهورية المعلنة من جانب واحد، والتي يعدّها الصومال جزءاً من أراضيه.

وفقاً لما أعلنته «رئاسة أرض الصومال»، الثلاثاء، «وصل وفد برئاسة ساعر إلى هرغيسا، وكان في استقباله في المطار مسؤولون من الحكومة».

ونددت وزارة الشؤون الخارجية الصومالية بالزيارة قائلة، في بيان، إنها «انتهاك لسيادة الصومال وسلامة أراضيه»، مؤكدة أن «أي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية، يعدّ غير قانوني وباطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجية قانونية».

وأدان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، بشدة، زيارة ساعر، وعدّها «محاولة فاشلة لتمرير خطوة الاعتراف الإسرائيلي بانفصال إقليم شمال غربي الصومال عن الدولة الصومالية».

وجدّد «رفض جامعة الدول العربية الكامل لأي تعامل رسمي، أو شبه رسمي، مع سلطات الإقليم الانفصالي خارج إطار السيادة الوطنية للحكومة الفيدرالية الصومالية»، مؤكداً أن مثل هذه الخطوات «تمثل انتهاكاً صارخاً لوحدة وسيادة الصومال، من شأنه تقويض السلم والأمن الإقليميين، ومفاقمة التوترات السياسية في الصومال والبحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي».

وأوضح المتحدث الرسمي باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، جمال رشدي، أن هذه الخطوة، التي قوبلت بالرفض والإدانة على المستويين الدولي والعربي، عدّها مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي «خطوة باطلة ولاغية وغير مقبولة».

وأشار إلى أن هذه التحركات «تسعى إلى تسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني، واستباحة مواني الصومال بهدف إنشاء قواعد عسكرية فيها». وأضاف أن جامعة الدول العربية «ستواصل تقديم المساندة السياسية والفنية لمؤسسات الدولة الصومالية، في مواجهة محاولات خلق بؤر نزاع جديدة داخل البلاد من شأنها تقويض استقرارها ووحدتها، أو استباحة الممرات المائية العربية الحيوية».

وتحدثت «هيئة البث الإسرائيلية»، مساء الثلاثاء، عن أن رئيس إقليم «أرض الصومال» يعتزم زيارة إسرائيل في الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الحالي، والانضمام رسمياً إلى اتفاقات «أبراهام التي وُقّعت عام 2020 بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين برعاية الولايات المتحدة، ثم انضم إليها لاحقاً السودان والمغرب».

جانب من زيارة ساعر إلى «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

والأسبوع الماضي، صرّح الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بأن «أرض الصومال» قد قبلت ثلاثة شروط من إسرائيل، وهي «إعادة توطين الفلسطينيين على أراضي الإقليم، وإنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن، والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات»، فيما نفت «وزارة خارجية أرض الصومال»، في بيان، أخيراً، الشرطين الأولين، مؤكدة أن الاتفاق بين البلدين «دبلوماسي بحت».

وفي نهاية ديسمبر الماضي، أكّد الوزير في «أرض الصومال»، خضر حسين عبدي، «أن الاعتراف بالدولة ووصول إسرائيل لن يتسببا في أعمال عنف، ولن يؤديا إلى نزاع، ولن يضرا أحداً، خاصة أن التعاون مع إسرائيل سيركز على تحسين اقتصادنا، والإنتاج الزراعي الذي تتفوق فيه إسرائيل، والمياه».

ولا يرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، صحة لما يروجه الإقليم الانفصالي من عدم وجود أضرار على المنطقة، مشيراً إلى أن زيارة ساعر «قد تشهد قيام أرض الصومال بتحديد موقع القاعدة الإسرائيلية في مدينة بربرة، وكذلك مواقع لنقل الفلسطينيين الذين يريدون مغادرة غزة طوعاً كما تزعم تل أبيب»، داعياً لدور أكبر أفريقي لمنع تصعيد كبير قد يحدث بمنطقة القرن الأفريقي.

وصعّدت مصر أفريقياً، حيث ترأس وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جلسة «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، التي عقدت افتراضياً بناءً على طلب مصر، «لدعم وحدة وسيادة وسلامة الصومال»، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، الثلاثاء.

وأشار عبد العاطي إلى أن «الاعتراف الإسرائيلي الأحادي وغير القانوني بما يُسمّى بإقليم أرض الصومال يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وسابقة خطيرة تهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين»، مشدداً على «عدم جواز الصمت إزاء الإجراءات الأحادية التي تهدد استقرار القارة، وتهدف إلى فرض وقائع سياسية جديدة خارج أي إطار قانوني».

ودعا الوزير المصري «مجلس السلم والأمن إلى اعتماد موقف قوي وموحّد لإدانة الاعتراف بما يُسمّى بأرض الصومال، والرفض القاطع من قبل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي لأي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف الإسرائيلي، مع التشديد على الدعم الكامل وغير المشروط لسيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية».

ويعتقد إبراهيم أن «أمام الصومال مشوار كبير وجهد دبلوماسي أكبر في ضوء زيارة ساعر؛ إذ إن الإقليم الانفصالي سيصبح مسرحاً لتصفية الحسابات بالمنطقة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر حريصة على أمن الصومال، وستواصل التصعيد ضد الاعتراف الإسرائيلي، مدعومة عربياً وأفريقياً وأوروبياً».


«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
TT

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان
صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

حشدت «قوات الدعم السريع» المئات من عناصرها في ولايات كردفان الثلاث، في حين ظهر القائد الثاني للقوات عبد الرحيم دقلو وسط جنوده وهو يحثّهم على الصمود في القتال، ويتعهد بتوفير العتاد اللازم للتوجه للسيطرة على منطقة لم يحددها. في غضون ذلك تحدثت تقارير عن مقتل 13 شخصاً؛ بينهم أطفال، وأصيب آخرون بقصف مُسيّرة يرجَّح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض، حاضرة ولاية شمال كردفان، والعاصمة التاريخية لإقليم كردفان (وسط).

وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، شهود عيان، معلومات عن حشد كبير لـ«قوات الدعم السريع» في عدد من مناطق ولايات غرب وجنوب وشمال كردفان، ورجّحوا أن تتجه هذه القوات إلى جنوب أو شمال كردفان، وسط توقعات بحدوث معارك «كسر عظام» وشيكة بين الطرفين حول المدن الرئيسية التي يسيطر عليها الجيش.

عبد الرحيم دقلو وعبد العزيز الحلو أثناء عقد المؤتمر التأسيسي لـ«تأسيس» بنيروبي في فبراير (إعلام الدعم السريع)

وشُوهد عبد الرحيم دقلو وهو يتحدث إلى جنوده، وفقاً لمقطع فيديو جرى تسجيله ليلاً، زعم إعلام «الدعم السريع» أنه في منطقةٍ ما بولاية شمال كردفان، قائلاً لهم: «إن النصر الذي حققوه في معارك الأسبوع الماضي، جاء بسبب تطبيق جرعة جديدة من التدريبات».

وقال دقلو، الذي يُعدّ القائد الميداني الفعلي لـ«قوات الدعم السريع»، للجنود الذين كان يخاطبهم: «سأوفر لكم العربات لتذهبوا في مأمورية». وتابع: «لن تذهبوا لتأكلوا البسكويت، بل لتأكلوا النار»، وحثّهم على الانضباط أثناء توجههم للمنطقة التي لم يُسمِّها.

وتشهد ولايات شمال وجنوب كردفان، منذ أيام، معارك طاحنة أحرز خلالها الجيش والقوات الحليفة له تقدماً ملحوظاً، عبر محوريْن قتاليين؛ أحدهما من جهة مدينة الأُبيّض اتجه جنوباً، وآخر قادم من جهة أبو جبيهة شرقاً اتجه غرباً، لفك الحصار عن مدينتيْ كادوقلي عاصمة جنوب كردفان، والدلنج، المدينة الثانية بالولاية.

تقدم لافت للجيش

وفي اليوم الأول لتجدد القتال، الأسبوع الماضي، حقق الجيش تقدماً لافتاً، واستطاعت قواته القادمة من الأُبيّض استرداد بلدات الرياش، وكازقيل، والحمادي بغرب الأبيض، ووصلت مشارف مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، بينما أفلحت القوات القادمة من جهة أبو جبيهة الشرقية في التقدم غرباً ودخول بلدة هبيلا الاستراتيجية. ولاحقاً، تراجع الجيش وحلفاؤه في محور الأبيض عن مناطق الحمادي، وكازقيل، والرياش، وعاد لخطوط دفاعاته الأساسية غرب مدينة الأبيض، بينما نشرت «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو زعمت فيها استرداد بلدتيْ كازقيل والرياش. وكانت قد أعلنت، يوم الاثنين، استعادتها مدينة هبيلا بولاية جنوب كردفان، واضطرت للانسحاب من هبيلا إلى بلدة كرتالا.

نازحون يصطفّون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أ.ف.ب)

وتفرض «قوات الدعم السريع»، وحليفتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، حصاراً خانقاً على مدينتيْ كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، وتحاول الاستيلاء على الفرقة 14 مشاة، التابعة للجيش بمدينة كادوقلي، واللواء 45 التابع لها بمدينة الدلنج، بينما يسعى الجيش لفك الحصار عن المدينتين.

بينما تُحاصر «الدعم السريع» مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان الاستراتيجية، من ثلاث جهات، وتسيطر على مدن بارا، وجبرة الشيخ، والمزروب، من جهة الشرق والشمال، بجانب بلدات أم سيالة، ورهيد النوبة، بالقرب من ولاية النيل الأبيض والطريق البري الرابط بين أم درمان وغرب السودان.

ومن جهة الغرب والجنوب، تسيطر «الدعم السريع» على بلدات «أم صميمة، والرياش، وكازقيل، والحمادي، ومدينة الدبيبات»، بينما يسيطر الجيش على مدن «أم روابة، والرهد»، التي تستحكم على الطريق البري الرابط بين وسط البلاد ومدينة الأبيض، الذي يمثل خط الإمداد الوحيد لقوات الجيش في المدينة.

وأثناء ذلك، تُواصل «قوات الدعم السريع» قصف كادوقلي والدلنج بالمدفعية والمُسيّرات الانقضاضية والقتالية، مستهدفة مقرات الجيش والمنشآت، في وقتٍ نشط فيه نزوح المواطنين إلى خارج المدينتين. وقالت تقارير صحافية إن أكثر من 800 ألف نزحوا، خلال حصار المدينتين، ونحو 500 ألف منهم اختاروا مناطق سيطرة «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، الشمال، إلى الجنوب الغربي من الولاية.

قصف الأُبيّض

من جهتها، قالت «شبكة أطباء السودان» إن 13 شخصاً قُتلوا؛ بينهم أطفال، و9 منهم من أسرة واحدة، جراء قصف مُسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» استهدفت منزلاً بمدينة الأبيض، التي تُحاصرها تلك القوات من جهات ثلاث.

وأدانت الشبكة الطبية المُوالية للتيار الإسلامي الحليف للجيش، ما سمّته «المجزرة المروّعة» التي ارتكبها «الدعم السريع»، وقالت إن الحي الذي استهدفته المُسيرة مدني لا توجد به مواقع أو مظاهر عسكرية. وتابعت: «هذا الهجوم جريمة حرب مكتملة الأركان، وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني».

وحمّلت الشبكة «الدعم السريع» المسؤولية الكاملة، وطالبت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والأممية بالتحرك لوقف الجرائم، والضغط على قيادات «الدعم السريع» لوقف قتل المدنيين ووقف استهداف الأحياء السكنية.