العلاقات الفرنسية - الجزائرية تسلك مساراً جديداً لطيّ صفحة الخلافات

كيف نجح الرئيسان إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون في تخطي المتطرفين لدى الجانبين؟

فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية تسلك مساراً جديداً لطيّ صفحة الخلافات

فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)

وفّر عيد الفطر المبارك، الاثنين الماضي، للرئيس الفرنسي مناسبة للتواصل هاتفياً مع نظيره الجزائري لتهنئته به. لكن الغرض الأساسي تمثل برغبة الطرفين في طيّ صفحة الخلافات، التي تحكمت في علاقات البلدين منذ شهر يوليو (تموز) 2024، بعد أن نشرت حينذاك الرئاسة الفرنسية نص الرسالة التي وجهها إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي بمناسبة ذكرى اعتلائه العرش، وفيها يؤكد له أن «حاضر الصحراء الغربية ومستقبلها يندرج في إطار السيادة المغربية».

ماكرون يكرم خلال أكتوبر الماضي بعض المشاركين في الحرب الجزائرية (أ.ف.ب)

وكشفت مصادر دبلوماسية في باريس عن أن ماكرون لم يفاجئ الرئيس عبد المجيد تبون بهذا الموقف؛ لأنه أطلعه عليه قبل ذلك خلال لقائهما في إيطاليا على هامش قمة «مجموعة السبع»، وذلك «عملا بمبدأ الشفافية».

وخلال أشهر طويلة، تأرجحت العلاقات بين فرنسا والجزائر بين المراوحة والتصعيد، والأسباب كثيرة وطفت على السطح تباعاً؛ فمن جانب، هناك رفض الجزائر استعادة مواطنيها الذين فقدوا حق البقاء على الأراضي الفرنسية، وملاحقة «مؤثرين» جزائريين متهمين بالعمل لمصلحة النظام والدعوة إلى العنف، واعتقال الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال وسجنه.

الرئيس الجزائري مستقبلاً مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)

ومن جانب آخر، تكاثرت الحملات السياسية على الجزائر، ومنها استخدام التأشيرات الفرنسية وسيلة ضغط على الجانب الآخر، وتداخل ملفات الهجرة والأمن والتطرف والإرهاب ببعضها ببعض، ورغبة وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، الدخول في عملية «ليّ ذراع» مع الجزائر، و«الإنذار» الذي وجهه رئيس الحكومة فرنسوا بايرو، والتهديد بالتراجع عن عدد من الاتفاقيات المبرمة منذ سنوات بين البلدين. والأهم من ذلك، كله أن العلاقات الثنائية أصبحت لدى الطرفين سلاحاً سياسياً يُستخدم في التحارب الداخلي، خصوصاً في فرنسا حيث يستغل اليمين؛ بجناحيه التقليدي والمتطرف، الملف الجزائري شعبوياً.

دور «الخلية الدبلوماسية»

في ظل هذه الأجواء، لم يكن الاتصال الهاتفي بين الرئيسين ممكناً لولا العمل الدبلوماسي البعيد عن الأضواء، الذي جرى في الأشهر الثلاثة الماضية من العام الحالي. وعُلم في باريس أن «الخلية الدبلوماسية» في «قصر الإليزيه» أجرت 3 زيارات إلى الجزائر، آخرها زيارة آن كلير لوجاندر، مستشارة الرئيس ماكرون لشؤون العالم العربي، ولقاؤها الرئيس تبون بهدف تمهيد الأرضية لعودة التواصل بين الرئيسين، والسعي للرجوع إلى علاقات طبيعية.

وزير داخلية فرنسا برونو ريتايو (أ.ب)

وكان بوعلام بوعلام، مدير مكتب الرئيس تبون، المحاورَ المنتدبَ لـ«الخلية الدبلوماسية» من «الإليزيه». ولعبت الجملة التي قالها الرئيس تبون في حديث لمجموعة من الصحف الجزائرية دورها في تسهيل الأمور، عندما أكد أن «المرجع» بالنسبة إليه، فرنسياً، هو رئيس الجمهورية وليس أي طرف آخر. وفسرت باريس ذلك بأنه رغبة رئاسية جزائرية في تجاوز وزير الداخلية برونو ريتايو، الذي يُنظر إليه في الجانب الآخر من المتوسط، على أنه «يصب الزيت على النار لغرض سياسي؛ نظراً إلى سعيه لترؤس حزب (الجمهوريون)، بمناسبة الانتخابات الحزبية الداخلية الشهر المقبل».

معضلة صنصال في طريقها إلى الحل

ورأت باريس في الحكم «المخفف» الصادر بحق صنصال (5 سنوات سجناً بدلاً من العشر التي طلبها الادعاء العام)، مؤشراً لرغبة جزائرية في قلب صفحة الخلافات. وعدّت مصادر سياسية معنية بالملف الجزائري في باريس أن الطرفين توصلا إلى قناعة مفادها بأن «القطيعة بينهما مضرة للطرفين، وأن لكليهما مصلحة في عودة التعاون؛ لأنهما يواجهان معاً تحديات أمنية واستراتيجية وسياسية واقتصادية في عالم متغير، وأن كلاً منهما يحتاج الآخر».

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال الذي حكم عليه القضاء الجزائري بـ5 سنوات سجناً (أ.ب)

وجاء في بيان مشترك أن «الرئيسين توافقا على أن متانة الروابط، لا سيما الروابط الإنسانية، التي تجمع فرنسا والجزائر، والمصالح الاستراتيجية والأمنية للبلدين، والتحديات والأزمات التي تواجه أوروبا والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، تتطلب العودة إلى هذا الحوار بين شريكين على قدم المساواة». ويبدو أن باريس فهمت أن الجزائر «تجاوزت» أزمة رسالة ماكرون إلى ملك المغرب، ووعت أنه لن يتراجع عنها. لكن في المقابل، ووفق ما جاءت به صحيفة «لوبينيون» في عددها ليوم الأربعاء، فقد تفاهم الرئيسان على أن تتحاشى باريس إثارة اللغط بشأن الصحراء الغربية، عبر الامتناع عن إرسال وزرائها إلى هذه المنطقة، وقبول الإشارة إلى دور الأمم المتحدة في الملف المذكور.

وفي أي حال، ترى باريس أن الرئيس تبون يريد الفصل بين علاقات بلاده بفرنسا، وعلاقات باريس بالرباط. وقد أوحى بذلك، في الحديث الصحافي المشار إليه سابقاً، بقوله إن «العلاقات الجزائرية - الفرنسية عمودية»، بمعنى أنها ليست مرتبطة بأي شيء آخر، في إشارة إلى التقارب الفرنسي - المغربي.

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم مع الرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

جاء البيان المشترك والمطول شاملاً وتناول؛ تصريحاً وتلميحاً، نقاط النزاع كافة بين العاصمتين، ففي ملف استعداد الجزائر لاستقبال مواطنيها المرحّلين عن الأراضي الفرنسية، عُلم أن الطرفين شددا على العودة إلى الأصول المعمول بها، بحيث يتعين على السلطات الفرنسية أن تطلب من القنصليات الجزائرية المنتشرة على الأراضي الفرنسية أن توفر «وثيقة سفر» تؤكد جنسية الشخص المرحّل، وليس تجاوز هذه الأصول كما فعلت فرنسا مؤخراً، حين قدمت للجزائر لائحة من 60 اسماً، وطلبت موافقتها عليها. ولإعادة ترسيخ هذا المبدأ، اتُفق على اجتماع يضم المسؤولين عن 18 قنصلية جزائرية لدى فرنسا مع مسؤولي الأجهزة الأمنية في المناطق المعنية. كذلك، فإن باريس تأمل «لفتةً» من الرئيس تبون بخصوص الكاتب بوعلام صنصال، بمعنى أن يعمد الرئيس تبون إلى العفو عنه والسماح له بالعودة إلى فرنسا. وبما أن صنصال متقدم في السن ومريض، فقد يأتي ذلك تحت شعار «البادرة الإنسانية» التي دعا إليها ماكرون أكثر من مرة.

انطلاقة جديدة

يبدو واضحاً اليوم أن الطرفين يريدان «انطلاقة جديدة» لعلاقاتهما، وتفعيل «إعلان الجزائرّ» الذي صدر بمناسبة زيارة الدولة التي أجراها ماكرون صيف عام 2022. بالإضافة إلى «اللجنة المشتركة»، التي تشكلت من مؤرخين من الجانبين لتصفية ما يسمى «ملف الذاكرة»، والتي ستلتئم قريباً في باريس، لتقدم خلاصاتها إلى الرئيسين قبل الصيف المقبل. كما اتفق الطرفان على العودة إلى التعاون الأمني - الاستخباري، الذي توقف منذ 8 أشهر. ويعدّ الطرفان أن التعاون يفرض نفسه عليهما بشأن ملف منطقة الساحل، التي أُجبرت القوات الفرنسية على الخروج منها. كما أن الجزائر تتخوف من امتداداته السلبية إلى داخل أراضيها.

وبالتوازي، سيعاود الطرفان التعاون القضائي. وفي هذا السياق، سيزور وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، قريباً الجزائر. كما أن وزير الخارجية جان نويل بارو سيزور الجزائر في 6 أبريل (نيسان) الحالي، بدعوة من نظيره أحمد العطاف. ومن المرتقب أن تكون العلاقات الثنائية من اختصاص وزيرَي الخارجية. واللافت أنه لا إشارة إلى زيارة ما من وزير الداخلية الفرنسي للجزائر.

اجتماع بين «اتحاد أرباب العمل» الفرنسي و«مجلس التجديد الاقتصادي» الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

أما في الملفات الاقتصادية، فقد توافق الطرفان على تطويرها، وتكثيف الحركة التجارية والاستثمارات المتبادلة، فقد أشار البيان المشترك إلى أن فرنسا ستعمل على دعم الجزائر في سعيها لإعادة النظر في اتفاقية الشراكة بينها وبين «الاتحاد الأوروبي».

ومساء الثلاثاء، دعا الرئيس ماكرون إلى اجتماع بشأن الجزائر، الغرض منه تنسيق العمل الحكومي لترجمة البيان المشترك إلى واقع، علماً بأن الرئيسين اتفقا «مبدئياً» على الالتقاء مجدداً، بيد أنه لا تفاصيل بهذا الشأن؛ لا في باريس ولا في الجزائر. لكن تجدر الإشارة إلى أن تبون لم يلبّ حتى اليوم دعوة لـ«زيارة دولة» إلى فرنسا، وُجهت إليه منذ صيف عام 2022. ولذا؛ فإن السيناريوهات كافة واردة. والأرجح أن الطرفين ينتظران النتائج العملية لاتصالهما الأخير قبل اتخاذ قرار بشأن لقائهما الجديد.

وفي أي حال، فإن اليمين الفرنسي لم يتأخر في التنديد بالتفاهم الجديد بين الجانبين، متهماً الحكومة بـ«الضعف والتراخي» في التعامل مع الجزائر، ومقللاً من تأثيره على الالتزامات التي يجب أن تُفرض على الجزائر. وقال لوران فوكييز، خلال اجتماع كتلة نواب حزب «الجمهوريين»: «لقد اتفقنا على إعادة إطلاق العلاقات الثنائية بين البلدين بعد أشهر من الأزمة. لكن في غضون 90 يوماً، سنجد بيننا عناصر خطيرة من (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) طليقة. لا يمكننا قبول ذلك».

من جانبه، وجّه إريك سيوتي، المتحالف مع اليمني المتطرف، انتقادات مباشرة إلى وزير الداخلية برونو ريتايو؛ لأنه «لم يُبرز سوى عضلات صغيرة في مواجهة الجزائر».



حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.