الجزائر: توقعات بتسوية سياسية لـ«قضية صنصال»

خبراء قانونيون يرجّحون أن تنعكس الانفراجة التي يشهدها البلدان عليه بشكل إيجابي

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي أدانته (متداولة)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي أدانته (متداولة)
TT

الجزائر: توقعات بتسوية سياسية لـ«قضية صنصال»

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي أدانته (متداولة)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي أدانته (متداولة)

استبعد خبراء القانون في الجزائر أن يقضي الكاتب الجزائري - الفرنسي، بوعلام صنصال، عقوبة السجن 5 سنوات مع التنفيذ، التي صدرت بحقه الخميس في محكمة بالعاصمة، ويتوقعون في المقابل أن تنعكس الانفراجة التي تشهدها العلاقات الجزائرية - الفرنسية عليه بشكل إيجابي، علماً أن وزير خارجية فرنسا، جان نويل بارو، منتظر في الجزائر الشهر المقبل، حسب «الصحافة الفرنسية» لحل الخلاف، الذي نشأ بسبب انحياز باريس للمغرب في نزاع الصحراء.

من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (متداولة)

ورجح المحامي عبد الله هبول في حديث مع «الشرق الأوسط» استئناف الحكم من طرف المتهم أو النيابة، التي التمست السجن 10 سنوات ضده، وعلى هذا الأساس سيعالج من جديد، لكن في «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف).

وبرأي هبول، وهو قاضٍ سابق، فإن قضية صنصال «أخذت بعداً سياسياً لدى الحكومة والنخبة ووسائل الإعلام في فرنسا، تمثل في حرية التعبير، وأنه ما كان ينبغي ملاحقة الكاتب الذي يحمل الجنسية الفرنسية، وحبسه وحرمانه من توكيل محام فرنسي يدافع عنه. وفي المقابل، عاملته الحكومة الجزائرية بوصفه مواطناً جزائرياً أطلق تصريحات وضعته تحت طائلة قانون العقوبات. وتم تكييف التهم جنحة تقوم على المس بسلامة الوحدة الترابية، وإهانة مؤسسات الدولة».

المحامي عبد الله هبول (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف المحامي، الذي اشتهر بدفاعه عن معتقلي الحراك، موضحاً أن عقوبة السجن 5 سنوات «يراها البعض قاسية جداً بالنظر إلى سن صنصال والأمراض التي يعاني منها. في حين يراها البعض الآخر عقوبة مخففة بالقياس إلى الأحكام القضائية، التي صدرت بحق تجار متهمين بالمضارة بغرض إحداث ندرة في بعض المواد الغذائية». مبرزاً أن قضية صنصال «أخذت حيزاً مهماً من الخلاف بين الحكومتين الجزائرية والفرنسية أيضاً».

ولفت هبول إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون أكد قبل المحاكمة بأنه «يعول على بصيرة وحكمة» نظيره الجزائري عبد المجيد تبون لإطلاق سراح صنصال، في حين صرح تبون بأن الخلاف الجاري مع فرنسا «يعالج بينه وبين ماكرون». وحسب المحامي، «فقد لوحظ أن تبون لم ينزع إلى التصعيد في تصريحه، بل أظهر ليونة أوحت بأن صنصال قد ينال حكماً مخففاً أو يطلق سراحه. لكن حدث العكس، وتم الحكم عليه بالسجن 5 سنوات».

ومع بروز بوادر انفراج في سماء العلاقات الثنائية، يتوقع هبول أن ينعكس هذا المعطى الجديد على صنصال. كما أن ماكرون طالب من السلطات الجزائرية أن تكون رحيمة بصنصال، وهي رسالة إلى تبون بشكل خاص، حسب المحامي.

وجاء طلب ماكرون رد فعلٍ على الحكم، وهو دعوة غير مباشرة للرئيس الجزائري ليمارس صلاحيته الدستورية في إصدار عفو عن الكاتب، الذي ظل إحدى حلقات الصراع بين البلدين خلال التوترات الدبلوماسية بينهما.

وإذا كان هناك توجه نحو عفو لصالحه، فإن القانون لا يسمح به في حالة الطعن في الحكم. وبهذا الخصوص يقول هبول: «في حال وجود نية لطي هذا الملف، أتوقع أن يكون ذلك في محكمة الاستئناف، حيث يمكن أن يستفيد صنصال من ظروف تخفيف. كما يمكن أن يبرأ من بعض التهم، وهذا هو المخرج الأفضل؛ إذ يبدو القضاء الجزائري حينها أنه يتمتع بنوع من الاستقلالية، رغم أن المتفاعلين مع القضية في فرنسا يشككون في أن يكون القضاء عالجها، من دون تدخل جهات في الحكم». مضيفاً: «يمكن أن يحصل صنصال على حكم بالسجن مع وقف التنفيذ، فتتم تغطية الأشهر التي قضاها في السجن ويغادره».

المحامي عبد الغني بادي (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول أيقونة المدافعين عن معتقلي الحراك، المحامي عبد الغني بادي، إن السلطة الجزائرية «تتوجه في الغالب إلى إجراءات العفو خارج دائرة القضاء، بصفته مخرجاً للقضايا السياسية»، لافتاً إلى صدور عفو عن معتقلين سُجنوا بسبب مواقفهم المعارضة في بداية 2020 ونهاية 2024.

وفي تقديره، فإن «العفو خارج دائرة القضاء معناه تدابير سياسية بتغليف قضائي»، وهو ما حدث، حسبه، مع الإفراج عن الصحافي خالد درارني، والناشطين السياسيين أميرة بوراوي وسمير بلعربي، ورجل الثورة الراحل لخضر بورقعة.

ولاحظ المحامي سعيد زاهي، المعروف هو أيضاً في ساحات المحاكم دفاعاً عن مساجين الحراك، أن «إسقاط تهم مصنفة ضمن الجنايات عن صنصال وإعادة تكييفها جنحةً، بمثابة تمهيد لتبسيطها. بكلام آخر فضلت الجزائر التهدئة، وأسلوب التسوية مع فرنسا في أزمة صنصال، وأي رفع للتصعيد في هذه القضية سيخسر النظام الجزائري كل أوراقه».

المحامي سعيد زاهي (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

يقول زاهي: «حين معالجة القضية في محكمة الاستئناف سيخفف حكم السجن 5 سنوات، في حدود تغطية العقوبة المقضية بالحبس». وبحسب زاهي «لم يكن ممكناً الحكم ببراءة صنصال في الدرجة الابتدائية، خوفاً من غضب الجزائريين»، الذين أظهر غالبيتهم تأييداً لمتابعته وسجنه، ويشجعون المناكفة التي أبدتها السلطات مع فرنسا بشأن هذه القضية.

وعند سؤاله عما إذا كان يتوقع استفادة صنصال من عفو رئاسي، قال المحامي: «في هذه الحالة سيتم إصداره إما بمناسبة عيد الأضحى مع باقي مساجين القانون العام، أو في ذكرى الاستقلال»، الذي يوافق الخامس من يوليو (تموز).

واعتُقل الكاتب السبعيني في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بمطار العاصمة الجزائرية لحظة عودته من باريس. واتهمته النيابة في البداية بـ«المس بالوحدة الوطنية والسلامة الترابية»، بسبب تصريحات لمنصة إخبارية فرنسية مقربة من اليمين الفرنسي المتشدد، زعم فيها أن «أجزاء كبيرة من غرب الجزائر تعود إلى المغرب»، وأن الاستعمار الفرنسي «اجتزأها».

وقبل أيام قليلة من محاكمته، استدعاه قاضي التحقيق ليوجه له تهمة جديدة تتعلق بتقارير وفيديوهات بعثها إلى السفير الفرنسي السابق بالجزائر، تخص الاقتصاد الجزائري، عدتها النيابة «بيع أسرار لجهة أجنبية»، انطلاقاً من أن صنصال كان مسؤولاً كبيراً في وزارة الصناعة.

وبينما ندد الطيف السياسي الفرنسي، خصوصاً من جهة اليمين، بشدة إدانة صنصال، دعا الرئيس ماكرون، الخميس، في ختام مؤتمر حول أوكرانيا في «الإليزيه»، إلى «الفطنة والإنسانية لدى السلطات الجزائرية» من أجل إطلاق سراحه. وقال بهذا الخصوص: «أعلم أنه يمكنني الاعتماد على كل من الفطنة والإنسانية لدى السلطات الجزائرية، لاتخاذ مثل هذا القرار. على أي حال، آمل ذلك بشدة». فهم كلامه في الجزائر بأنه مناشدة لتبون لإصدار عفو عنه.



باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
TT

باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)

قال فتحي باشاغا، الرئيس السابق للحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، إنه «لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في البلاد»، محذراً من مخاطر «جدية» قد تقود إلى «تقسيم بلاده»، في ظلِّ استمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وأوضح باشاغا في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «مصير الميليشيات في ليبيا، هو إما أن تضعف وتتحلل، أو يتم دمجها في مؤسسات الدولة إذا توفَّرت إرادة جادة لدى القيادات لتعزيز المؤسسات الأمنية الشرعية»، ورأى أن «الواقع الحالي يعكس غياب هذه الإرادة؛ حيث يسعى كل طرف لتوسيع نفوذه العسكري، والاستحواذ على المغانم؛ ما يهدِّد بدفع البلاد نحو صراع مسلح جديد»، مستبعداً «نجاح توحيد المؤسسة العسكرية في حال عدم وجود حكومة موحدة تقود الجيش بقيادة واحدة»، وقال إنه «لا يمكن تحقيق ذلك في ظلِّ التنافس بين أطراف متعددة».

مخاطر الانقسام

يرى باشاغا أن «حالة الانقسام في ليبيا تُنذر بمخاطر جدية قد تصل إلى التفكك أو التقسيم إلى أكثر من كيان، في ظلِّ تصاعد بعض الدعوات، خصوصاً في الجنوب، للانفصال»، محذِّراً من أن «اتساع دائرة التشظي قد يفتح المجال أمام صراعات مسلحة تغذيها تدخلات خارجية».

وأشار باشاغا إلى أن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» «يتبادلان تعطيل القرارات، خصوصاً قوانين الانتخابات، وسط غياب التنسيق، رغم ما نصَّ عليه الاتفاق السياسي»، لافتاً إلى «تكتلات داخل المجلس الأعلى للدولة، والدعوات لانقسام البرلمان بين طرابلس وبنغازي، ما يزيد تعقيد المشهد». وعدَّ أن «الأخطر هو امتداد الانقسام إلى داخل السلطة القضائية، بما يحمله من تهديد مباشر لمنظومة العدالة وسيادة القانون، وانعكاسات سلبية على الاستقرار العام في البلاد».

وباشاغا هو رئيس سابق للحكومة المعينة من مجلس النواب بين مارس (آذار) 2022 ومايو (أيار) 2023 بعد سحب البرلمان الثقة من حكومة الدبيبة، وشغل سابقاً منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج.

دور الأمم المتحدة

في تقييمه لدور الأمم المتحدة، قال باشاغا إن بعثتها «نجحت بعد فبراير (شباط) 2011 في بعض المحطات وفشلت في أخرى»، مبرزاً أن «تكرار تغيير المبعوثين الأمميين يؤدي إلى انقطاع في متابعة الخطط»، عادّاً أنها «غالباً ما تنجح في المرحلة الأولى، أي تشكيل حكومات انتقالية، لكنها لا تستكمل المسار نحو الهدف النهائي المتمثل في انتخابات تمنح شرعيةً كاملةً لمؤسسات الدولة دون طعون قانونية».

وأضاف باشاغا أنه «رغم نجاحها في اتفاقَي الصخيرات 2015 وجنيف 2021 في تشكيل سلطات تنفيذية، فإنها أخفقت في إيصال البلاد إلى الانتخابات، لتبقى حالة الانسداد قائمة».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي وعسكري، حيث تتنازع السلطة فيها حكومتان، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء من جنوبها بقيادة أسامة حماد، ومدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويرى باشاغا أن الرؤية الحالية للبعثة الأممية «لا تزال غير واضحة»، موضحاً أنها «اكتفت بتشكيل لجنة استشارية، مع الاستمرار في منح مجلسَي النواب والأعلى للدولة فرصةً لإقرار قوانين الانتخابات ومعالجة وضع المفوضية، دون مؤشرات حقيقية على التوافق»، مشيراً إلى أن ذلك «يعكس بطئاً ملحوظاً، مرتبطاً أيضاً بتباينات دولية وإقليمية حول الملف الليبي».

كما لفت باشاغا إلى أنَّ اختيار المشاركين في الحوار المهيكل «لا يخلو من ملاحظات»، إذ «تشير بعض الأطراف إلى عدم اختيارها ضمن المشاركين، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار والإنصاف في التمثيل»، إلى جانب «تساؤلات بشأن مدى إلزامية التوصيات التي قد تصدر عن هذا الحوار».

وإلى جانب «خريطة الطريق» التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي لحلِّ الأزمة الليبية، ومن بين بنودها «الحوار المهيكل»، يقود مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، جهوداً لتوحيد الحكومتين عبر لقاءات تجمع مسؤولين من الطرفين لتوحيد البلاد في عواصم غربية.

وفي هذا السياق، قال باشاغا: «إن تحركات بولس أثارت تساؤلات، إذ يرى البعض أنَّها تسير بموازاة مسار البعثة الأممية الداعي لحكومة جديدة مُوحَّدة تقود إلى انتخابات»، محذِّراً من أنَّ «جهود دمج الحكومتين في الشرق والغرب قد تفسح الطريق لتمكين الأطراف المعنية اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً لتعظيم مكاسبها، بما قد يفاقم الصراع ويزيد احتمالات الصدام».

وأضاف: «لا أظنُّ أنَّ جهود بولس ستقود إلى دمج بين الحكومتين، خصوصاً في ظلِّ أزمة ثقة عميقة تجعل التوافق بينهما على إدارة موحدة للبلاد أمراً صعباً في المدى القريب»، مؤكداً أن «الدور الأميركي يظلُّ داعماً للبعثة الأممية، كما في اتفاقَي (الصخيرات) و(جنيف)، وإن لم يحظَ برضا ليبي كامل». كما شدَّد باشاغا على «الحاجة إلى تنسيق أوثق مع الدول الإقليمية المنخرطة في الملف الليبي، لأنَّ الانقسام لم يعد داخلياً فقط، بل أصبح إقليمياً ودولياً».

تدخل الأطراف الدولية

بخصوص المسار الدستوري، قال باشاغا إن «الجمود، وخصوصاً (مسودة 2017)، يعكس صراعاً سياسياً وآيديولوجياً بين أطراف تسعى لإدراج نصوص تخدم مصالحها وتمديد سيطرتها على الحكم وموارد ليبيا»، مضيفاً أن «تدخل بعض الأطراف الدولية يفاقم هذا الوضع ويعرقل التوصُّل إلى حل سياسي حقيقي».

وجدَّد باشاغا إدانته لاغتيال سيف الإسلام القذافي، وأي عملية قتل خارج القانون، قائلاً: «إن حلَّ الخلافات يجب أن يكون عبر القضاء»، مطالباً «السلطات القضائية بالإفصاح بشفافية عن مجريات التحقيق وهوية المتهمين»، ومشدِّداً على «ضرورة بناء دولة مؤسسات مستقرة، مع احترام مشارَكة كل التيارات السياسية، بما فيها تيار النظام الجماهيري دون إقصاء لأي ليبي».


غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
TT

غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)

بات عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، يتغيب عن المشهد العام بشكل لافت منذ فترة، وتمثّل ذلك في عدم مشاركته في صلاة عيد الفطر المبارك ومظاهر الاحتفال في كل من العاصمة طرابلس ومسقط رأسه مصراتة، فضلاً عن غيابه عن أي فعالية أو اجتماع رسمي بعد انتهاء عطلة العيد، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات بوجوده في إحدى العواصم الغربية لأغراض علاجية.

وتستند هذه التكهنات، وفق مراقبين، إلى أن الغياب يأتي في أعقاب وعكة صحية تعرّض لها في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى على أثرها تدخلاً جراحياً بالقلب في أحد مستشفيات مصراتة. لكن ما عمّق الغموض هذه المرة هو الصمت الحكومي غير المعتاد، إذ لم يصدر أي بيان أو توضيح يتعلق بمكان الدبيبة أو وضعه الصحي.

وعلى الرغم من أن عدداً من وزرائه حرصوا على تأكيد أن لقاءاتهم مع بعض المسؤولين تجري بتكليف منه، لم تنجح هذه التصريحات في إنهاء هذا الجدل.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن هناك «حالة ترقب لا يمكن إنكارها حيال غياب الدبيبة، يعمقها الصمت الحكومي حول أي خبر يتعلق به»، وقال إن الدبيبة «لم يظهر إعلامياً منذ الأيام الأخيرة من شهر رمضان، كما لُوحظ عدم مشاركته الليبيين في صلاة العيد واللقاءات الاجتماعية المعتادة؛ وهو ما يُعد نهجاً غير معتاد له».

وأشار فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تغيب الدبيبة غذّى التكهنات حول خضوعه للعلاج في إحدى الدول الأوروبية، وأثار تساؤلات قانونية حول الجهة التي تدير مهام الحكومة في ظل غياب تفويض معلن لأي من نوابه».

ويتوقع فركاش أن يؤدي هذا الغموض في المشهد الراهن إلى «تزايد الضغوط السياسية على حكومة (الوحدة) خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى أن «خصومها لن يتوقفوا عن إثارة مسألة قدرة الدبيبة على ممارسة مهامه حتى إذا استأنف الأخير ظهوره الإعلامي».

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد، مكلفة من البرلمان وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

في المقابل، يرى رئيس «الاتحاد الوطني» للأحزاب الليبية، أسعد زهيو، أن «تعامل غالبية الليبيين مع صحة الدبيبة ينحصر في البعد الإنساني والتعاطف مع الأمر، فيما يقتصر الجدل حول تداعياتها السياسية على المؤيدين والخصوم».

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية موقع الدبيبة ممثلاً للسلطة في غرب البلاد، والجدل الممتد حول حكومته منذ 2021»، معتبراً أن «غيابه وما يغذيه من شائعات قد يكون أحد العوامل التي تستند إليها الأطراف المحلية والدولية للدفع بتشكيل حكومة موحدة للبلاد تمهيداً لإجراء الانتخابات».

وخلال الأيام الماضية، لم تكفّ بعض صفحات مواقع التواصل عن إثارة أخبار تتعلق بالدبيبة، والتكهن بتعرضه لوعكة صحية، بل ذهب بعضها إلى الحديث عن صراع في الكواليس بين المقربين منه من وزراء ومستشارين على خلافته.

أما مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف عبد الله، فيرى أن الجدل حول صحة الدبيبة وعدم ظهوره الإعلامي «يعود إلى المخاوف المترتبة على غيابه عن المشهد السياسي، بالنظر إلى هشاشة بنية السلطة في ليبيا وشخصيتها باعتمادها على الفرد لا على مؤسسات دستورية»، لافتاً إلى «عدم وجود بنود واضحة في نصوص الاتفاقيات السياسية الحاكمة للفترة الانتقالية بشأن خلو منصب رئيس الحكومة».

ووصف عبد الله التركيبة الأمنية للمنطقة الغربية بكونها «بالغة التعقيد في ظل تصاعد نفوذ مدن بعينها مثل مصراتة وطرابلس والزاوية، والثقل السياسي والتسليحي لكل منهم بالنظر إلى عدد ليس هيناً من المجموعات المسلحة التي توجد هناك». ورأى أن الدبيبة «نجح في البقاء بموقعه عبر نسج شبكة مصالح ترتكز على احتواء قيادات تلك المجموعات المسلحة مالياً».

وحذّر مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية من أن غياب الدبيبة «الذي يمثّل المورد المالي لهذه المجموعات المسلحة، قد يتسبّب في عودتها إلى الصراع فيما بينها على مناطق النفوذ والمراكز والمؤسسات المالية الكبرى، وفي مقدمتها المصرف المركزي، مما يعني شللاً في عمل تلك المؤسسات».


الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)
وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر تقرر إعادة تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا

وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)
وزيرا الخارجية الجزائري والإسباني خلال لقائهما في العاصمة الجزائرية (وزارة الخارجية الجزائرية)

قرَّرت الجزائر، أمس (الخميس)، إعادة تفعيل «معاهدة الصداقة وحُسن الجوار والتعاون» التي تربطها بإسبانيا منذ أكتوبر «تشرين الأول» 2002، والتي جرى تعليقها منذ نحو 4 سنوات بقرار من الطرف الجزائري.

وجاء في بيان للرئاسة الجزائرية أنَّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، استقبل أمس وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي يؤدي زيارةً رسميةً إلى الجزائر. وأبرز المصدر ذاتها أن هذا الاستقبال «شكَّل فرصةً لاستعراض حالة العلاقات الجزائرية - الإسبانية، والآفاق الواعدة أمامها، إذ تتسم هذه العلاقات حالياً بحركية لافتة من حيث توطيدها وتنويعها».

وكانت الجزائر قد أعلنت تعليق «معاهدة الصداقة وحُسن الجوار والتعاون»، التي أبرمتها مع إسبانيا، في ختام اجتماع للمجلس الأعلى للأمن ترأسه الرئيس تبون، بتاريخ 8 يونيو (حزيران) 2022، وذلك على خلفية موقف مدريد من قضية الصحراء، والمُسانِد لمقترح الحكم الذاتي للإقليم المتنازع عليه الذي يتبناه المغرب.

وخلال زيارة وزير الخارجية الإسباني أمس إلى الجزائر تقرَّرت زيادة الإمدادات الجزائرية من الغاز إلى مدريد بنسبة 12 في المائة لتتمكَّن مدريد من مواجهة التبعات التي أفرزتها الحرب الحالية في الشرق الأوسط.

وأفاد الموقع الإخباري الإسباني الرقمي «ذا أوبجكتيف» بأن الجزائر «ستكافئ» إسبانيا بزيادة قدرها 12 في المائة في إمدادات الغاز منخفض التكلفة، «نظراً لموقفها في الشرق الأوسط»، في إشارة إلى أن مدريد اتخذت موقفاً إيجابياً من تطورات العملية العسكرية التي شنَّتها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026.

وقال الموقع إن الجزائر سترفع ضخ الغاز اليومي عبر أنبوب «ميدغاز» إلى 32 مليون متر مكعب، وهو مستوى قريب من الحد الأقصى لقدرة هذا الخط، حسبه، مؤكداً أن السلطات الجزائرية ستبلِّغ وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بقبولها زيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسبانيا عبر خط «ميدغاز» الذي يربط البلدين، وذلك بمناسبة زيارته الجزائر.

من لقاء وفدَي الخارجية الجزائري والإسباني في الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

وسيتم رفع الكمية من 28 مليون متر مكعب يومياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير إلى 32 مليوناً، أي بزيادة تُقدَّر بـ12.5 في المائة، وفق «ذا أوبجكتيف»، عادّاً أنَّ ذلك بمثابة «مكافأة بالنظر إلى الموقف الإسباني من الأحداث في الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بالصراع في غزة، أو التوتر الأخير مع إيران».

لكن الخبير الأميركي، جيف بورتر، أشار أخيراً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ طاقة «ميدغاز» قابلة للزيادة «ربما بمقدار مليار متر مكعب سنوياً». ولدى مغادرته القصر الرئاسي، قال ألباريس إن البحث تناول «إمكان تعزيز التعاون، بما في ذلك على مستوى البنى التحتية والتحاليل المشتركة»، إضافة إلى «استثمارات جديدة». ولفت إلى أن «الحوار حول الغاز يتجاوز بكثير مجرّد التزويد».