السودان: الجيش يتقدم نحو القصر الرئاسي في الخرطوم وسط قتال ضارٍ

«الدعم السريع» تسيطر على منطقة «المالحة» الاستراتيجية قرب الحدود الليبية

مقاتل قرب عربة عسكرية مدمرة في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)
مقاتل قرب عربة عسكرية مدمرة في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

السودان: الجيش يتقدم نحو القصر الرئاسي في الخرطوم وسط قتال ضارٍ

مقاتل قرب عربة عسكرية مدمرة في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)
مقاتل قرب عربة عسكرية مدمرة في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)

شهد محيط القصر الرئاسي بوسط العاصمة السودانية، الخرطوم، معارك طاحنة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، طوال ليل الأربعاء، واستمرت حتى صباح الخميس، حقّق خلالها الجيش تقدماً لافتاً، وألحق خسائر فادحة بـ«قوات الدعم»، المتحصنة بالقصر والمؤسسات الحكومية والبنايات المحيطة، فيما أكدت «قوات الدعم» أنها سيطرت على منطقة «المالحة» الاستراتيجية قرب الحدود السودانية - الليبية.

ومنذ الشهر الماضي، استعاد الجيش العديد من المناطق في العاصمة الخرطوم، وتبقت مناطق محدودة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، بينها القصر الرئاسي، وكل الوزارات وبنك السودان المركزي والمؤسسات الحكومية المهمة. وتحاول قوات الجيش، المدعومة بالمستنفرين وكتائب الإسلاميين، استرداد القصر باعتباره رمزاً للسيادة والسيطرة.

مبنى متضرر بشدة جراء القتال في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وكان قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) قد قال، يوم السبت الماضي، إن الحرب ضد الجيش السوداني باتت الآن داخل الخرطوم، مشدداً على أن قواته لن تخرج منها أو من القصر الجمهوري. وتسيطر «قوات الدعم السريع» على معظم غرب السودان وأجزاء من العاصمة، بعد ما يقرب من عامين من اندلاع الحرب، لكنها تتكبد خسائر في وسط البلاد أمام الجيش.

وواصل الجيش الأسبوع الماضي تقدمه على حساب «الدعم السريع»، واستطاع إعادة وصل وربط منطقة سلاح المدرعات بالقيادة العامة، بعد أن ظلتا جزيرتين معزولتين منذ الأيام الأولى للحرب، وأعلن «التحام» جنود المدرعات بالقوات المرابضة في القيادة العامة وسط الخرطوم.

وذكر الشهود أن معارك وسط الخرطوم قد استخدمت فيها أنواع الأسلحة كافة، وعلى رأسها المدفعية الموجهة والطيران الحربي والطائرات المسيرة، ما ألحق خسائر فادحة بالمباني والمنشآت، بما فيها القصر الرئاسي، ونقلت منصات موالية للجيش مقاطع فيديو لمبانٍ تشتعل فيها النيران إلى الجنوب من القصر.

مبنى متضرر جراء القتال في شمال الخرطوم 17 مارس 2025 (أ.ف.ب)

ولم تصدر تصريحات رسمية من طرفي القتال بشأن المعارك الضارية التي شهدتها منطقة وسط الخرطوم، لكن منصات موالية للجيش ذكرت أن الطيران المسير لعب دوراً مهماً في القتال، ودمر عشرات المركبات القتالية التابعة للجيش.

وقالت المنصات إن المسيرة التركية من طراز «بيرقدار» التي حصل عليها الجيش السوداني أخيراً، مكّنته من إحكام الحصار على «الدعم السريع»، وحالت دون محاولات انسحاب مجموعات من جنوده.

وذكرت المنصات أن الجيش دمر معظم القوات الموجودة في منطقة السوق العربي وشارع النيل، وقضى على قوات حاولت الانسحاب بالقوارب النهرية إلى منطقة أم درمان، ودمر شاحنات ذخائر وأمداد وعربات قتالية، وأخرى مزودة بأجهزة تشويش متطورة.

وقال موالون للجيش إن «الدعم السريع» حاول إدخال قوات إسناد «فزع» آتية من الجنوب، لنجدة قواته المحاصرة وسط الخرطوم، لكن الجيش قطع الطريق عليها مستخدماً المسيرات والمدفعية الموجهة، وألحق بها خسائر فادحة، ما اضطرها للتراجع جنوباً.

سودانية تمر قرب البوابة الرئيسية لمستشفى بأم درمان في وقت خرجت منشآت صحية عديدة من الخدمة جراء القتال بين الجيش و«قوات التدخل السريع» الأربعاء (أ.ف.ب)

وبثّت منصة «إعلام الدروع» التابعة لسلاح المدرعات، مقطع فيديو يظهر حرائق كبيرة في مناطق جنوب القصر الرئاسي، قالت إنها عملية دمرت خلالها قوات تابعة لـ«الدعم السريع» حاولت الانسحاب جنوباً، بجانب نشر مقاطع فيديو لأعداد من القتلى زعمت أنهم جنود من «قوات الدعم السريع».

وأظهر إعلام «قوات الدعم السريع» مقطع فيديو لجنوده، وهم على أعلى جسر «المنشية» الذي كان الجيش قد سيطر على ضفته الشرقية، وقال إن قواته تتجه إلى ضاحية «شرق النيل» وتحكم الحصار على القيادة العامة، فيما أكدت المنصات الموالية له إفشال هجوم القصر، وبثّت مقاطع فيديو، قالت إنها من «داخل» القصر.

وفي شمال دارفور، قالت «قوات الدعم السريع» في نشرة وزّعها الإعلام التابع لها، إنها استولت على منطقة «المالحة» بولاية شمال دارفور، وتسلمت معسكر القوات المشتركة الموالية للجيش، واستولت على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والعربات القتالية.

سودانيون ينتظرون للحصول على وجبة إفطار تقدمها جمعية خيرية في أم درمان الأربعاء (أ.ف.ب)

و«المالحة» من المناطق التي يسيطر عليها الجيش والقوات المشتركة الحليفة له، في شمال دارفور، لكنها تخضع لحصار من «قوات الدعم السريع» وتقع في قلب الصحراء بالقرب من الحدود مع ليبيا، وتعد نقطة وصل بين مدينة «الدبة» في الولاية الشمالية، ومدينة «حمرة الشيخ» في ولاية شمال كردفان.

وأرسل الجيش السوداني تعزيزات عسكرية إلى «المالحة» منذ فبراير (شباط) الماضي، محاولاً فكّ الحصار عنها، ومن ثم فكّ الحصار الذي يفرضه «الدعم السريع» على مدينة الفاشر منذ مايو (آيار) 2024.

يذكر أنه في 2021، نفّذ الطرفان العسكريان انقلاباً أدى إلى تعطيل عملية الانتقال للحكم المدني، واندلعت الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بعد أن أدّت خطط تسليم جديدة للحكم إلى نشوب صراع عنيف. وأدّت الحرب إلى ما وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، مع اتهام كل من «قوات الدعم السريع» والجيش بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.


مقالات ذات صلة

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان


أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
TT

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا» في تصريح لافت، أطلقه اليوم (السبت)، عشية انضمامه إلى «الأكاديمية الملكية للغة الفرنسية وآدابها في بلجيكا»، علماً بأنَّ الكاتب أعلن في وقت سابق متابعة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي حمَّله مسؤولية سجنه بين 2024 و2025.

تصريح الكاتب صنصال الذي أعلن فيه مغادرة فرنسا (لوفيغارو)

وقال بوعلام صنصال إن فرنسا «انتهت بالنسبة له»، مبرزاً أنَّه «أنهى كل صلة تربطه بها»، ومؤكداً في حديثه لـ«وكالة الأنباء الفرنسية» أنه «لا يريد أن تربطه أي علاقة مستقبلاً ببلد» يرى أنه «تعرَّض للخيانة من قبله»، وبرَّر هذا الموقف الحاد بشعوره بـ«الخذلان» من قبل السلطات الفرنسية، التي رفضت دعم مساعيه لمقاضاة المسؤولين الجزائريين عقب فترة سجنه لمدة عام.

وفي تصريحات أخرى نقلتها وسائل إعلام فرنسية، قال صنصال: «لماذا أبقى في فرنسا مع كل هذه الهجمات التي أتعرَّض لها صباحاً ومساءً؟ أنا معتاد على النقد، لكننا هنا تجاوزنا مرحلة الإهانة. يتم تصويري مجرماً، يجب أن أهرب. هذا أسوأ من الديكتاتورية في الجزائر».

«ضيق أفق» فرنسا

عدَّ الروائي الثمانيني أنَّ باريس فضَّلت الحسابات السياسية والدبلوماسية مع الجزائر على قضيته الشخصية، كما هاجم بشدة ما وصفها بـ«المحاكمة الأخلاقية»، التي تعرَّض لها من قبل بعض المثقفين والسياسيين الفرنسيين إثر انتقاله إلى دار نشر تابعة إلى مجموعة بولوريه، وهو رجل أعمال مقرب من اليمين الفرنسي المتطرف، واصفاً فرنسا في الوقت الحالي بأنها «أصبحت بلداً ضيق الأفق، ومنشغلاً بإعطاء الدروس»، بينما يفتقر لحرية التعبير التي وجدها في بلجيكا.

فنسنت بولوريه رجل الأعمال الفرنسي مالك دار النشر «غراسيه» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ومن المقرَّر أن يصدر كتاب صنصال الجديد بعنوان «الأسطورة» في الثاني من يونيو (حزيران) المقبل، والذي يتناول فيه فترة سجنه.

ويأتي هذا الموقف التصعيدي انعكاساً لحالة من الاستياء العميق، التي يبديها صنصال تجاه عدد كبير من السياسيين والمثقفين، الذين هاجموه بشدة إثر مغادرته دار النشر العريقة «غاليمار»، التي ساندته بقوة وشنَّت حملةً عالميةً لإطلاق سراحه، إثر اعتقاله في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بمطار الجزائر العاصمة، عندما كان عائداً من باريس. كما حشدت لصالحه عدداً كبيراً من الروائيين والمثقفين ووسائل الإعلام في العالم الغربي، إلى أن تم الإفراج عنه في 12 نوفمبر 2025، بموجب عفو أصدره الرئيس الجزائري، وبناء على طلب رسمي من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، الذي اتصل بتبون، ملتمساً «شفاعة إنسانية» للروائي بحجة أنه «رجل مسن ومريض».

الكاتب بوعلام صنصال في أول ظهور له بعد إطلاق سراحه نهاية 2025 (ناشطون جزائريون)

وحوكم صنصال وتمَّت إدانته بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بناءً على تهمة «المس بالوحدة الوطنية».، وجاء ذلك بسبب تصريحاته لمنصة «فرونتيير» القريبة من اليمين المتشدد في فرنسا، زعم فيها أنَّ ولايات من الغرب الجزائري «تابعة تاريخياً للمغرب»، وأنَّ فرنسا «اجتزأتها من المغرب خلال فترة احتلالها للبلدين».

وحدثت هذه التطورات المتسارعة في وقت تزداد فيه تعقيدات «حالة» صنصال، بعد قرار السلطات الجزائرية تعطيل جواز سفره، تزامناً مع تصريحاته الأخيرة التي أثارت استنكاراً واسعاً، حين أعلن دعم والده الرافض لاستقلال الجزائر عن فرنسا، وهو موقف تبناه صراحة لدى استضافته في قناة تلفزيونية فرنسية.

مواجهة مزدوجة مع القانون والسياسة

تفاعل الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود، المرفوض هو أيضاً من طرف الأوساط الحاكمة في الجزائر، مع الأزمة التي يواجهها مواطنه وصديقه صنصال، مؤكداً في حوار لـ«راديو فرانس»، أمس (الجمعة)، أنَّه دعمه عندما كان في السجن، «وهذا مبدأ بالنسبة لي؛ وإذا عاد إلى السجن فسأفعل ذلك مجدداً، فليس مكان الكاتب السجن. أما الآن، فأنا لست متفقاً مع الطريقة التي تمَّ بها الانفصال عن (غاليمار)؛ فهي دار نشر عريقة جداً وأنا فخور بالانتماء إليها، وقد ساعدت بوعلام صنصال كثيراً، وكنت أتمنى لو تمَّ الأمر في هدوء وصمت. ومن جهة أخرى، وانطلاقاً من حبي لفرنسا، أقول: احذروا من محاكمة الكُتاب بسبب أفكارهم، لأننا سنصل يوماً ما إلى مرحلة حرق الكتب؛ وما أود قوله هو أنَّ بوعلام صنصال إذا لم يكن محبوباً فلا يُقرأ له، لكنه في فرنسا، وبإمكانه قول ما يشاء».

الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومع ذلك، يرى كمال داود أن «التقاربات السياسية والآيديولوجية مع مهنتَي الكتابة والنشر أمر خطير». ويضيف: «أتفهم وجود وسائل إعلام تنتمي لتيارات سياسية معينة، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي، لكنني أجد أنَّ الروابط المشبوهة بين دور النشر والقناعات السياسية الخاصة هي أمر كارثي بالنسبة للكُتاب، ولمهنة الناشر على حد سواء؛ فعلى الناشر أن يتجاوز ذلك ويسمو عليه ليؤدي مهنته. نحن لسنا هنا، وأكرِّرها مرة أخرى، لممارسة السياسة».

ويواجه داود مشكلات كبيرة من السلطات الجزائرية، حيث صدر ضده، الأربعاء الماضي، حكم غيابي بالسجن 3 سنوات نافذة، من طرف محكمة بوهران غرب الجزائر، وذلك على خلفية نشره في فرنسا رواية «حوريات» (2024)، التي تتناول صدمات «العشرية السوداء» في الجزائر (1992 – 2002)، وهو ما أوقعه تحت طائلة «قانون المصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرِّم الكتابة عن «المأساة الوطنية».

ويصف كمال داود في حواره مع «راديو فرانس»، فرنسا والجزائر بأنهما «بلدان غارقان في التاريخ إلى حد الإشباع، حيث تُتَّهم الرواية دوماً بأنَّها خطاب سياسي غير مباشر». ومن الصعب في نظره أن «يؤكد المرء فيهما هويته بوصفه كاتباً، وليس ممثلاً سياسياً، أو مؤرخاً أو مانحاً لشهادات التقدير، أو مجرد صوت عربي في خدمة آيديولوجية معينة. كما يصعب فيهما تجسيد الحق في الاختلاف والنزوع نحو العالمية، والقدرة على تبني لغة التعدد والتركيب».

ويرى داود أنَّ السياسيين «يدعون امتلاك الإجابات، بينما يتمثل دور الأدب في ابتكار الأسئلة، وتعميق الحيرة والكتابة عن الهشاشة الإنسانية، ورصد ثنائية الخير والشر، فنحن نقرأ لنستعيد الغموض الذي يسكننا. فلسنا أبطالاً في رواية نهائية، ولا ينقسم العالم ببساطة إلى أخيار وأشرار».


هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو)، السبت، أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء، قبالة سواحل الصومال.

ويُعرف الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي بتاريخ طويل من القرصنة.

وبعدما بلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، انخفضت بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية، وهو إقليم متمرد يحظى بحكم شبه ذاتي في الصومال، وتعيين حراس مسلحين على متن السفن التجارية.

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنه جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال.

وقالت: «أفادت السلطات العسكرية بأن أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

ولم تُعلق السلطات الصومالية بعد على الحادثة.

والخميس، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أيضاً باختطاف «11 مسلحاً» سفينة صيد ترفع العلم الصومالي.

ولفتت إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تمكّن مهاجمون من الصعود على متن ناقلة نفط كانت على بُعد نحو ألف كيلومتر قبالة السواحل الصومالية.

وأُبلغ عن حادثتين مماثلتين في الأشهر السابقة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، تعد دولة الصومال غير مستقرة، إذ تواجه تمرداً تقوده حركة «الشباب» المتشددة منذ أكثر من 15 عاماً.

وتقع البلاد عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.


تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
TT

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة، في تطور يعكس تصاعد حالة الاحتقان الداخلي، ويضعف فرص تمرير أي تسوية لا تستند إلى توافق وطني واسع.

وفي مشهد يعكس ثقل مدينة مصراتة (غرب) في الخريطة السياسية الليبية، أعلنت مكوناتها السياسية والقبلية والعسكرية، خلال اجتماع موسع عُقد بمجمع الحديد والصلب، رفضها القاطع لما وصفته بـ«الصفقات المشبوهة» لتقاسم السلطة والثروة، مؤكدة أن أي ترتيبات تُفرض خارج الإرادة الوطنية تمثل محاولة لشرعنة «حكم العائلات» وفرض وصاية خارجية على القرار الليبي.

جانب من اجتماع مصراتة (متداولة)

وشدد البيان الصادر عن الاجتماع، السبت، على أن «أي طرف شارك في هذه الترتيبات لا يمثل إلا نفسه»، مع التأكيد على أن شرعية المدينة تنحصر في مجلسها البلدي وقوى ثورة فبراير (شباط).

وطالبت مكونات مصراتة بعثة الأمم المتحدة بالعمل على إنهاء حالة الانسداد السياسي، عبر إزالة الأجسام الحالية، وتشكيل «مجلس تأسيسي» يستند إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، محذرة من الانجرار وراء تسويات تزيد من استنزاف مقدرات الليبيين، وتعمّق الأزمة بدلاً من حلها.

وعكست أجواء «اجتماع مصراتة»، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، حالة توتر وانقسام داخل القاعة، حيث اندلعت مشادات كلامية بين بعض المشاركين، في مؤشر على عمق الخلافات بشأن المسارات السياسية المطروحة. ورغم ذلك، شدد عدد من المتحدثين على أن «الانتخابات» تمثل المخرج الوحيد للأزمة، باعتبارها المسار الأصيل لاستعادة الشرعية وإنهاء الانقسام.

وفي تصعيد لافت، دعا عضو مجلس أعيان مصراتة، أنور صوان، السبت، إلى تنظيم تظاهرات حاشدة للتعبير عن الرفض الشعبي للمبادرة، مؤكداً «ضرورة التمسك بالسيادة الوطنية، ورفض أي حلول مفروضة من الخارج».

وحسب مراقبين فإن «مخرجات اجتماع مصراتة تمثل ضربة واضحة لـ(مبادرة بولس)؛ إذ تعكس اتساع دائرة التحفظ داخل الأوساط السياسية والاجتماعية في غرب البلاد»، كما أنها «تنذر بتفاقم حالة الاحتقان الشعبي، بما قد يضاعف الضغوط على حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي».

وتزامن هذا الموقف مع تحركات احتجاجية في العاصمة طرابلس، حيث نظم محتجون وقفة أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في جنزور، السبت، أعلنوا خلالها رفضهم لمبادرة بولس، التي يُنظر إليها على أنها تستهدف تقاسم السلطة بين صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني في شرق البلاد، والدبيبة في إطار تسوية لا تحظى بإجماع داخلي.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، صعّد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من لهجته، ملوحاً بخيارات «صعبة» لمواجهة ما وصفه بتقييد صلاحياته، وتحويل منصبه إلى دور بروتوكولي محدود. وأعرب المنفي، في بيان، عن قلقه من «تقييد الاختصاصات الرئاسية»، معتبراً أن ذلك يضعف مشروع الإصلاح ويقيد مواجهة الفساد.

وطرح المنفي في منشور عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع هذا الوضع، تشمل «منطق القوة»، أو «قوة القانون» عبر تشريعات جديدة، تصحح ما وصفه بالتشوهات، أو اللجوء إلى «حراك سلمي تحميه الدولة»، في إشارة إلى إمكانية فتح المجال أمام الشارع للضغط على النخبة السياسية.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تصاعد التوتر داخل مؤسسات الحكم، وتلوّح بإمكانية إعادة تشكيل موازين القوى، سواء عبر أدوات قانونية، مثل إصدار مراسيم رئاسية أو تنظيم استفتاءات شعبية، أو من خلال تحريك الشارع في إطار احتجاجات منظمة.

المستشار الأميركي مسعد بولس خلال لقائه مع الكوني (المستشار)

من جهته، شدد نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، على ضرورة الانتقال من تعدد المبادرات إلى التركيز على الطروحات القابلة للتطبيق والمقبولة شعبياً، مؤكداً أن نجاح أي مسار سياسي يظل مرهوناً بمدى توافقه مع تعقيدات الواقع الليبي، وضمان مشاركة الأطراف الفاعلة فيه.

وأكد الكوني، خلال مشاركته في المؤتمر السنوي للمجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، بحضور بولس، مساء الجمعة، أهمية تمثيل الأقاليم الثلاثة، بما في ذلك إقليم فزان، في أي ترتيبات مستقبلية، مشيراً إلى أن تهميش الإقليم في بعض الملفات، مثل الميزانية الموحدة، ينعكس سلباً على الاستقرار العام.

لكن بولس سارع إلى القول بأن «المرحلة الحالية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أو أجندات ضيقة»، داعياً «مختلف الأطراف الليبية إلى العمل المشترك وتجاوز الخلافات القائمة، بما يفضي إلى بناء أرضية سياسية مشتركة تعزز فرص الاستقرار».

وسعى بولس إلى الطمأنة بالقول إن «أي مبادرة سياسية مستقبلية ينبغي أن تتسم بالشمولية، وأن تحظى بمشاركة واسعة من مختلف المناطق والمؤسسات الليبية، بما يضمن الوصول إلى توافق وطني حقيقي، يمهد لإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف السياسية».