ليبيون يتخوَّفون من استنزاف «الانقسام والفساد» لموارد النفط

عبّروا عن أملهم في أن تنعكس أرباحه على نمط حياتهم بشكل إيجابي

يأمل جل الليبيين أن يسهم ارتفاع معدل النفط بشكل إيجابي في تحسين نمط عيشهم وتوفير المواد الأساسية بأسواقهم (أ.ف.ب)
يأمل جل الليبيين أن يسهم ارتفاع معدل النفط بشكل إيجابي في تحسين نمط عيشهم وتوفير المواد الأساسية بأسواقهم (أ.ف.ب)
TT

ليبيون يتخوَّفون من استنزاف «الانقسام والفساد» لموارد النفط

يأمل جل الليبيين أن يسهم ارتفاع معدل النفط بشكل إيجابي في تحسين نمط عيشهم وتوفير المواد الأساسية بأسواقهم (أ.ف.ب)
يأمل جل الليبيين أن يسهم ارتفاع معدل النفط بشكل إيجابي في تحسين نمط عيشهم وتوفير المواد الأساسية بأسواقهم (أ.ف.ب)

يأمل الليبيون في أن تنعكس موارد نفط بلدهم على حياتهم المعيشية، بما يضمن تحسين الخدمات، وسط تخوفات من أن يؤدي استمرار استنزاف هذه الثروة في حرمانهم من ذلك، خصوصاً في ظل استمرار الصراع السياسي، وتزايد معدلات الفساد.

جاءت هذه التخوفات بعد تصريحات مسؤولين بحكومة «الوحدة» الوطنية المؤقتة، خلال الأسابيع الأخيرة، مفادها أن قطاع النفط حقق قفزة مهمة بعد ارتفاع معدل الإنتاج إلى قرابة مليون و400 ألف برميل يومياً، وإعادة تشغيل عشرة حقول كانت معطلة.

تعد حقول البترول أهم مورد لدخل ليبيا والليبيين (أ.ف.ب)

لكن وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق، سلامة الغويل، يرى أنه على الرغم من «تفاؤل جل الليبيين بما يعلن عن زيادة في معدلات النفط؛ فإنهم يتخوفون من عدم استفادتهم من ذلك؛ مثلما حدث خلال السنوات الماضية».

وقال الغويل لـ«الشرق الأوسط» إن أغلب عوائد النفط «لا تزال تبدد في نفقات استهلاكية؛ والباقي منها قد يوظف لخدمة المشاريع والطموحات السياسية للمتصارعين على السلطة؛ باستثناء المشاريع التي تتم تحت إشراف صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا في المنطقة الشرقية»، وفق اعتقاده.

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى هي «الوحدة» التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية مكلفة من البرلمان، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مناطق الجنوب، برئاسة أسامة حماد.

انتقاد أسلوب الدعم

الغويل الذي يشغل منصب رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي، انتقد استمرار توجيه الدعم للوقود وبيعه بأسعار مخفضة بالسوق، عادّاً أن ذلك يأتي في مقدمة أسباب «زيادة عمليات تهريبه، وبالتبعية زيادة شبكات وعصابات التهريب نتيجة أرباحه الخيالية، وقد كانت المجموعات المسلحة في طليعة المنخرطين في هذا النشاط، ولذا تضاعف وتضخم نفوذها».

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد كشف مؤخراً عن تهريب الديزل على نطاق واسع في ليبيا، وفي هذا السياق، يرى الغويل أن «الكثير من الأسر قد يتزايد شعورها بالألم والحسرة عند الإعلان عن زيادات النفط، بالتزامن مع تضاعف احتياجاتهم اليومية، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان الذي ترتفع فيه أسعار السلع بشكل ملحوظ».

يتزايد شعور الليبيين بالحسرة عند الإعلان عن زيادات مداخيل النفط بالتزامن مع تضاعف احتياجاتهم اليومية (أ.ف.ب)

ورهن الوزير السابق الوصول لاستقرار الاقتصاد والتوزيع العادل للموارد بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وقال موضحاً: «طالما استمر الانقسام الحكومي والمؤسسي فلن يتم كبح الفساد».

ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تحتل ليبيا المرتبة 170 عالمياً من بين 180 دولة شملها التقييم.

علاج الأزمة بالمسكنات

يعتقد عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، أن «استمرار التخبط في السياسات الاقتصادية، والتعامل مع أغلب الأزمات بالمسكنات، يقلل الاستفادة من أي زيادة في إنتاج النفط حال صحة الأرقام المعلنة».

ويرى السويح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن ما أسماه بـ«التخبط في السياسات الاقتصادية؛ ينبئ بأن أي أرباح متوقعة لن تصل كما يفترض لجيوب المواطنين، وستواصل تدفقها للقوى والمجموعات المسلحة بعموم البلاد».

وتساءل عضو الأعلى للدولة: «لماذا لم توجه الأموال لتحسين خدمات المواطنين، من صحة أو لبناء مساكن حديثة، خصوصاً مع رصد عزوف بين الشباب بالطبقة المتوسطة عن الزواج».

أما الناشط السياسي، أحمد التواتي، فيرى أن تركيز السلطات على ما تم إهداره من أموال على آلية مقايضة النفط بالمحروقات، وارتفاع بند الرواتب بالميزانية، بدا وكأنه «محاولة مسبقة لتبرير عدم وصول أي زيادة للمواطن وتسهيل حياته».

الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة

ودعا التواتي المسؤولين إلى استعادة ثقة المواطن في الأرقام المعلنة، سواء بشأن معدل إنتاج النفط، أو أي قطاع آخر عبر خطوات محددة، لافتاً إلى ضرورة صرف الرواتب في أول كل شهر، وعدم تأخيرها كما هو الحال ليستطيع المواطن شراء احتياجاته.

ونوه التواتي إلى ما أعلنته مديرية أمن طرابلس بشأن ضبط 878 متسولاً في طرابلس، منهم 329 ليبياً. ورأى أن تزايد معدل الفقر «بات مألوفاً، وهو ما تعكسه معاناة شرائح مجتمعية عدة».


مقالات ذات صلة

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق عام 2020، يسعى راهناً إلى استعادة حضوره من خلال تحركات دبلوماسية؛ سعياً لكسر الجمود وتحريك العملية السياسية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» يتوسط جمع من قوات غرب ليبيا (وزارة الدفاع بغرب ليبيا)

الاشتباكات المسلّحة تعيد التوتر إلى الزاوية الليبية

تجددت الاشتباكات، مساء الأحد، في مناطق متفرقة من مدينة الزاوية بين مجموعتين محليتين، هما «أبناء الجن» و«أبناء المداح»، استخدمت فيها أسلحة خفيفة.

خالد محمود (القاهرة)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.