مصر: ترقب «حزمة اجتماعية» جديدة... وقلق من تأثيرها في الأسعار

منفذ لبيع السلع المخفضة في مصر (وزارة التموين)
منفذ لبيع السلع المخفضة في مصر (وزارة التموين)
TT

مصر: ترقب «حزمة اجتماعية» جديدة... وقلق من تأثيرها في الأسعار

منفذ لبيع السلع المخفضة في مصر (وزارة التموين)
منفذ لبيع السلع المخفضة في مصر (وزارة التموين)

لم يعد محمد أشرف، المدرس بإحدى المدارس الحكومية في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، يُبدي اهتماماً بأخبار «زيادة الرواتب التي تعلنها الحكومة المصرية»، خاصة مع تصاعد الحديث، أخيراً، عن «حزمة اجتماعية» جديدة، يُفترض أن يكون واحداً من المستفيدين منها حال إقرارها.

أشرف قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادة على الرواتب، أو إقرار «حزم اجتماعية»، يأتي مصحوباً بارتفاع في الأسعار «يفوق ما أحصل عليه»، وبالتالي أفضل «ألا تأتي أي زيادة، في مقابل ثبات الأسعار».

المدرس المصري الذي يقترب من إنهاء خدمته مع بلوغه «سن المعاش» العام المقبل، يحصل على نحو 8200 جنيه (الدولار الأميركي يساوي 50.23 جنيه في البنوك المصرية) كراتب صافٍ بعد خصم الضرائب والتأمينات، وذلك بعد عمله في وزارة التربية والتعليم لأكثر من 30 عاماً، وينفق هذا المبلغ على زوجته وأبنائه الثلاثة في مراحل التعليم المختلفة.

أما سهير طه، وهي موظفة في إحدى الجهات الحكومية بالقاهرة، فتُبدي تخوفها من زيادة جديدة في أسعار «تذاكر مترو أنفاق القاهرة والمحروقات، بعد إقرار الحزمة الجديدة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها «أصبحت تنفق الكثير على وسائل التنقل الخاصة بها وبابنتها الطالبة الجامعية».

وكانت الحكومة المصرية قد بدأت تنفيذ «حزمة اجتماعية» في مارس (آذار) الماضي بقيمة 180 مليار جنيه، تضمنت مخصصات لتعيين 120 ألفاً من أعضاء المهن الطبية والمعلمين والعاملين في الجهات الإدارية الأخرى، مع زيادات في الأجور، قبل أيام قليلة من تخفيض سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنسبة وصلت إلى 40 في المائة.

الحكومة المصرية توفر السلع بأقل من أسعارها عبر معارض عدة (وزارة التموين)

وخلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الأسبوعي للحكومة المصرية الأربعاء الماضي، أكد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن «حكومته تعمل على إعداد (حزمة للحماية الاجتماعية) بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي». في حين أشار المتحدث باسم مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، في تصريحات تلفزيونية، أخيراً، إلى أن الإعلان سيكون خلال أسابيع.

أمين سر «لجنة الخطة والموازنة» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، عبد المنعم إمام، يرى أن تخوف المواطنين منطقي وطبيعي؛ نظراً لأن جميع تجارب المواطنين مع الحكومة في الإعلان عن «حزم اجتماعية ترافقت مع زيادات في الأسعار، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم». وأكد «عدم توافر أي معلومات لديهم في المجلس عن هذه الحزمة أو تفاصيلها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه بالرغم من احتياج المواطنين لهذه الحزمة بسبب الظروف الاقتصادية، فإنه «من الأفضل الانتظار قليلاً لحين خفض معدلات الفائدة في البنوك، لتجنب استمرار التضخم المرتفع».

وسجلت معدلات التضخم في مصر تباطؤاً في مدن البلاد، حيث بلغ 24.1 بالمائة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهو أدنى مستوى خلال عامين، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء». ويعد هذا التباطؤ الثاني خلال خمسة أشهر، منذ أن بدأ معدل التضخم في التسارع خلال أغسطس (آب) الماضي، عقب إقرار الحكومة سلسلة من الزيادات في «أسعار المحروقات والخبز والكهرباء».

ويُبدي عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع»، محمد أنيس، «تخوفه من تأثير الحزمة المرتقبة على معدلات التضخم التي استمرت أعلى من 20 بالمائة لأكثر من ثلاث سنوات». وأشار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحكومة عليها الإجابة عن عدة تساؤلات، من بينها: هل الحزمة الجديدة ستقابلها زيادة في الإنتاج أو لا؟ وما مصادر تمويل هذه الزيادة؟ وهل ستكون من عوائد مستدامة أو ستكون على حساب زيادة العجز الموجود في الموازنة؟

وكان البرلمان المصري قد أقر في يونيو (حزيران) الماضي، موازنة العام المالي الحالي التي تنتهي في 30 يونيو (حزيران) المقبل، بـ«عجز يفوق 26 مليار دولار». وهي الموازنة الأولى التي تتضمن «دمج جميع إيرادات ومصروفات الهيئات العامة والاقتصادية، ضمن خطة لتحسين شفافية أنشطة الهيئات الاقتصادية وزيادة الرقابة على الأداء المالي».

عائلة مصرية مستفيدة من الدعم النقدي ضمن برنامج «تكافل وكرامة» (وزارة التضامن الاجتماعي)

وخفض صندوق النقد الدولي، أخيراً، توقعاته لنمو الاقتصاد المصري للعامين الماليين الحالي والمقبل، متوقعاً «تسجيل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 بالمائة في العام الحالي، وهو ما يمثل تراجعاً بمقدار نصف نقطة مئوية عن توقعات (الصندوق) في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي»، بحسب تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، علماً أن الحكومة المصرية ملتزمة ببرنامج «إصلاح اقتصادي» يتم تنفيذه مع «الصندوق»، مع حصول القاهرة على «تسهيل بقيمة 8 مليارات دولار على مدار ثلاث سنوات بدأت منذ مارس الماضي».

وتنفذ الحكومة المصرية عدة برامج للحماية الاجتماعية، ورفعت مخصصات الإنفاق العام عليها إلى 635.9 مليار جنيه في موازنة العام الحالي، وبلغ عدد المستفيدين من برنامج «تكافل وكرامة» الذي يهدف إلى تحسين أوضاع أشد الأسر فقراً «أكثر من 4.5 مليون أسرة»، بحسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي.

أسعار السلع في مصر ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية (وزارة التموين)

نائب رئيس «اتحاد عمال مصر»، عضو «المجلس القومي للأجور»، مجدي البدوي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك ترحيباً بزيادة الأجور في الأوساط العمالية، لكن الأهم من زيادة الحد الأدنى للأجور هو «اتخاذ مجموعة من الإجراءات لضبط الأسعار؛ لأن معدلات التضخم قد تلتهم أي زيادات رقمية في الرواتب».

وأضاف أن هناك ضرورة لضبط الأسعار في الأسواق، ووجود تصورات متكاملة للتعامل مع معدلات التضخم، بحيث يمكن للعامل والموظف أن يستفيد من الزيادات بشكل حقيقي.

وهو رأي تدعمه عضوة مجلس النواب المصري، سناء السعيد، التي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المشكلة الأساسية في كل إعلان عن برامج للحماية الاجتماعية تكمن في عدم شعور المواطن بفارق في مستوى معيشته، مع ارتفاع الأسعار بنسبة أكبر من نسب الزيادة التي يستفيد منها».

عودة إلى أنيس الذي أشار إلى «ضرورة أن تكون الحزمة الجديدة بديلة عن الزيادات الطبيعية التي تتم في بداية العام المالي المقبل، على غرار ما حدث في العامين الماضيين، حيث تم تبكير موعد الزيادة وصرفها مبكراً بشهرين أو ثلاثة».

ولفت إلى أن نسب الزيادة في أسعار المحروقات والكهرباء خلال العام الجاري «لا يُفترض أن تكون كبيرة، بالنظر إلى ثبات أسعار النفط عالمياً».


مقالات ذات صلة

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

العالم العربي الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما وذلك بتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)

ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

ارتفع الدولار نحو 5 جنيهات في مصر منذ بدء الحرب الإيرانية، فبعدما كان يتراوح بين 47 و48 جنيهاً، ارتفع سعره تدريجياً إلى ما يقرب من 53 جنيهاً.

رحاب عليوة (القاهرة )
المشرق العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس اللبناني في بيروت (الخارجية المصرية)

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

في تحرك مصري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، زار وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الخميس، العاصمة بيروت، معلناً مساندته للشعب اللبناني.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد «الشبكة» أحد الطقوس المرتبطة بالزواج في مصر (إنستغرام)

مصريون مُقبلون على «الخطوبة» يتحايلون لتفادي ارتفاع أسعار «الشبكة»

تحوّل ثمن «الشبكة» إلى مجال تفاوض بين المقبلين على الخطوبة في مصر، في ظل صعود أسعار الذهب، ما يدفع عدداً من الأسر للتحايل والبحث عن حلول وسط.

منى أبو النصر (القاهرة)
خاص أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

ترتيبات جديدة تفرضها خطة الممثل السامي لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية.

محمد محمود (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.