السودان... دولة واحدة بعملتين

خبراء يحذرون من تكريس الانقسام... واستدعاء لذكرى انفصال الجنوب

TT

السودان... دولة واحدة بعملتين

عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)
عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)

منذ أعلنت السلطات الحكومية السودانية بدء التبديل الجزئي لعملات وطنية في العاشر من الشهر الحالي، أصبح السودان عملياً «بلداً واحداً بعملتين»؛ إذ لم تعد الورقتان من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» بطبعتهما القديمة «مبرئتان للذمة» في 7 ولايات يسيطر عليها الجيش، في حين أن 11 ولاية تقع كلياً أو جزئياً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» لن تستطيع استبدال عملاتها القديمة بالطبعات الجديدة.

ويواجه سكان الولايات، التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» كلياً أو جزئياً، تعقيدات سياسية وأمنية تمنع استبدال عملاتهم القديمة، لأنها بلا بنوك أو مصارف عاملة، بينما أعلنت «الدعم السريع» أن حيازة العملات الجديدة في مناطقها «محرمة».

ووفقاً للإجراءات الحكومية، فإن المهلة لاستبدال العملة تنتهي في 23 ديسمبر (كانون الأول).

ويخشى المواطنون في ولايات «العملة القديمة» أو بالأحرى الولايات الخاضعة لـ«الدعم السريع» من فقدان مدخراتهم، في ظل توقف البنوك وانقطاع أو ضعف شبكات الاتصالات، كما أن التنقل بالعملات بين الولايات مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وتمتد صفوف طويلة من مواطني الولايات السبع حول البنوك والمصارف، لإيداع عملاتهم القديمة من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» أكبر فئات الجنيه السوداني، وقال بنك السودان المركزي وقتها، إن المواطنين لن يحصلوا على «نقد» بل سيودعون مدخراتهم في البنوك، وحدّد سقفاً للسحب 200 ألف جنيه يومياً «نحو 100 دولار».

ويُعيد التبديل الجزئي للعملات إلى الأذهان انفصال جنوب السودان عام 2011، حيث راج مصطلح «دولة واحدة بنظامين»، وكانت محصلته «دولتين» غير مستقرتين، والآن ربما يصبح السودان «دولة بعملتين»، ما يعزز مخاوف محللين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» من أن الخطوة قد «تمهد لتقسيم البلاد».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تعترف «الدعم السريع» بالعملة الجديدة، بل تعدّها «غير مبرئة للذمة» وفقاً لبيان رسمي، وتقول إنها «مؤامرة خبيثة» لتقسيم البلاد، ومخطط تنفذه «الحركة الإسلامية» (الحليفة للجيش) لتفكيك السودان، بحسب اتهامات «الدعم».

سياسات انفصال الجنوب

ويعدّ المحلل محمد لطيف تبديل العملة «قفزة فوق المراحل، وتكريساً مبكراً لانقسام البلاد»، ويقول إنها «فكرة ساذجة ستخرج مناطق سيطرة (الدعم السريع) من المنظومة الاقتصادية للبلاد، لأن الكتلة النقدية الكبرى موجودة في مناطق الإنتاج الممثلة في حزام الصمغ العربي، ودارفور والوسط، وهذا عملياً إخراج للكتلة النقدية المؤثرة عن دورة الاقتصاد السوداني».

ويلفت لطيف إلى «صعوبة الانتقال بين الولايات» كأزمة إضافية في مسألة تبديل العملات، ويقول إن «من يحاول التنقل، وهو يحمل نقوداً قد يتحول إلى مجرم، فالمواطن الذي يتحرك من مناطق (الدعم السريع) متهم بالتعاون معها، فكيف إذا كان يحمل نقوداً؛ فهو حتماً سيُتهم بنقلها لصالح (الدعم)».

ويحمّل لطيف «الحركة الإسلامية» المسؤولية عن «التأثيرات السلبية لطباعة العملة الجديدة»، ويعدّ الخطوة «امتداداً لسياساتها التي أدّت من قبل لانفصال جنوب السودان». ويقول: «راهنت (الحركة الإسلامية) على إخضاع الجنوب أو التخلص منه، ونجحت في ذلك، وتبديل العملة الحالي ليس بعيداً عن تفكيرها ونظرتها للمناطق المهمشة، التي تعدّها غير مرغوب فيها».

لطيف اتهم كذلك «الحركة الإسلامية» بأنها تسعى عبر إجراءات تبديل العملة إلى «تحويل الانقسام إلى واقع، بما يشبه تفكيرها بإلغاء السودان القديم والبحث عن سودان جديد، يتم التخلص فيه من العنصر الأفريقي أو العربي القادم من (عُمق) أفريقيا، باعتبار ذلك إنجازاً مهماً»، بحسب قوله.

عملة موازية

أما المحلل الاقتصادي أحمد خليل، فقال لـ«الشرق الأوسط»، فيحذر من أن «التبديل الجزئي للعملة، يعد دفعاً لـ(الدعم السريع) نحو طباعة عملة في مناطق سيطرتها، أو التعامل بالعملات القديمة، حتى استخدام عملات دول جوار السودان».

ويرى خليل أن «تبديل العملة سيعزز حالة الانقسام الحالية ويوسع نطاقها»، وينبه إلى أنه «قد يدفع مباحثات تكوين حكومة موازية في مناطق سيطرة (الدعم السريع)، باعتبارها خطوة واسعة في طريق تقسيم البلاد».

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)

يقول خليل: «إذا لجأت (الدعم السريع) لطباعة عملة، فهذا سيقسم البلاد إلى منطقتين، واحدة يسيطر عليها الجيش، والأخرى خاضعة للدعم».

ويشير خليل إلى أن مباحثات لتشكيل «حكومة موازية» جارية، بقوله: «الآن تدور نقاشات حول التحديات التي تواجه هذه الحكومة، وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وموضوع طباعة عملة واحدة من القضايا التي ينظر إليها بجدية في تلك المباحثات».

ليس أولوية

أما الخبير الاقتصادي ورئيس محفظة السلع الاستراتيجية الحكومية سابقاً، عبد اللطيف عثمان، فلا يعدّ تغيير العملة «أولوية» في ظروف الحرب، ويقول: «الدول تتخذ سياسات اقتصادية تسمى اقتصاديات الحرب، وتحشد مواردها لصالح المجهود الحربي في الحروب الوطنية. أما في الحروب الأهلية فإن مفهوم الاقتصاد يتشوه لصالح الاستقطاب الداخلي والحرب الأهلية».

ويتابع: «مثلما هناك قتال عسكري واسع واستقطاب سياسي وعرقي وقبلي وجهوي واسع جداً، فهناك صراع اقتصادي عنيف، لذلك من الأفضل ترتيب الأولويات لصالح وحدة البلاد، وعدم الدفع بها نحو الانقسام القبلي العرقي والجغرافي والاقتصادي».

ويعدّ عثمان تغيير العملة «صباً للزيت على نيران الحرب»، ويرى فيه تزكية لحالة الانقسام، ويضيف: «عملياً هذا تمهيد للانفصال، أو تقسيم البلاد اقتصادياً كما هي مقسمة عسكرياً».

مخيم في مدينة القضارف بشرق السودان لنازحين فروا من ولاية الجزيرة وسط البلاد (أ.ف.ب)

ويقارن عثمان تكلفة الطباعة، التي يصفّها عثمان بأنها مرتفعة جداً، حسب تقديرات 138 مليون دولار. ويرى أن مردودها ضعيف جداً. ويقول: «لا يوجد مردود أو نفع ظاهر من تبديل العملة، بل إن محاولة السيطرة النسبية على السيولة داخل النظام المصرفي ستنتهي بالتسرب خارجياً».

ويقطع عثمان بانتفاء الشمول الجغرافي المصرفي بالسودان، ويضيف إلى ذلك معضلة «تعطل النظم الإلكترونية وسوء الاتصالات». ويخلص الخبير السوداني إلى أن «قرار تبديل العملة صحيح من حيث المبدأ، لكنه جاء في الوقت غير المناسب؛ فهناك دول خاضت حروباً أطول مثل سوريا، ولم يتم فيها تبديل العملة».

ويرى عثمان أن المواطنين هم ضحايا تبديل العملة، بقوله: «تحول المواطن لنقطة تقاطع إطلاق النار ومنصة تصويب للطرفين، فضاعت مدخراته بانهيار النظام المصرفي، وبانهيار سعر الصرف، وسيفقد ما تبقى بسبب تبديل العملة».

يقول عثمان: «العملة باعتبارها الخلية الحية للاقتصاد، والسلعة المجردة التي يتم تبادلها مع جميع السلع الأخرى، لا يجب أن تتحول إلى سلاح وأداة حرب بين أطراف الصراع».


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد «خطوطها الحمراء» لدعم وحدة السودان

شمال افريقيا مصر تعيد التأكيد على خطوطها الحمراء في السودان (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد «خطوطها الحمراء» لدعم وحدة السودان

جددت مصر التأكيد على «الخطوط الحمراء» التي رسمتها لدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى القاهرة، الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أنقاض حريق اندلع في مخيم «طويلة» بشمال إقليم دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

نزوح و«أوضاع قاسية» في مستريحة غرب السودان

قالت «شبكة أطباء السودان» إن الأسر النازحة من بلدة مستريحة بإقليم دارفور؛ بعدما اقتحمتها «قوات الدعم السريع»، تواجه أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية دينيس براون مع فريق الأمم المتحدة الذي وصل إلى مطار الخرطوم الخميس 26 فبراير 2026 (الشرق الأوسط)

هبوط أول طائرة تابعة للأمم المتحدة في مطار الخرطوم الدولي

هبطت في مطار الخرطوم، اليوم الخميس، أول رحلة طيران تابعة للأمم المتحدة، قادمة من مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر بشرق البلاد.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص فرّوا من الفاشر بالسودان في مخيم للنازحين بالطويلة شمال دارفور 27 أكتوبر 2025 (رويترز) p-circle

وزراء خارجية أوروبيون: عنف «الدعم السريع» في الفاشر يشكّل جرائم حرب

قال بيان صادر عن وزراء خارجية أوروبيين، ‌إن أعمال ‌العنف ​التي ‌ترتكبها ⁠«قوات ​الدعم السريع» في ⁠مدينة الفاشر بالسودان تحمل «سمات الإبادة الجماعية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال افتتاح الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مكتب المنظمة بجنيف 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: عدد القتلى المدنيين في حرب السودان زاد ضعفين عام 2025

أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الخميس، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان بلغ عام 2025 أكثر من ضعفَي ما كان عليه.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

أعداد ضحايا حرب السودان زادوا «أكثر من الضعفين»

 حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد... (أ.ف.ب) وفي الإطار فولكر تورك (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد... (أ.ف.ب) وفي الإطار فولكر تورك (أ.ف.ب)
TT

أعداد ضحايا حرب السودان زادوا «أكثر من الضعفين»

 حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد... (أ.ف.ب) وفي الإطار فولكر تورك (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد... (أ.ف.ب) وفي الإطار فولكر تورك (أ.ف.ب)

أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان بلغ في عام 2025 أكثر من ضعفَي ما كان عليه، إذ قضى 11 ألفاً و300 شخص، يُضاف إليهم المفقودون والجثث المجهولة الهوية.

وقال تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إن «هذه الحرب بشعة ودموية وعبثية». وندّد بجهات خارجية تموّل ما وصفه بنزاع «عالي التقنية». وأدان ما سمّاه فظاعات «شنيعة ووحشية» ارتُكبت، بما في ذلك العنف الجنسي وعمليات الإعدام الميدانية والاعتقالات التعسفية.

كما لفت إلى «المجازر» التي ارتكبتها «الدعم السريع» خلال هجوم على «مخيم زمزم» للنازحين في الفاشر في أبريل (نيسان) 2025 ثم في أكتوبر (تشرين الأول).

وتزامن ذلك مع بيان أصدره وزراء خارجية أوروبيون، قالوا فيه ‌إن أعمال ‌العنف التي ‌ترتكبها «قوات الدعم السريع» في مدينة الفاشر تحمل «سمات الإبادة الجماعية». وأعلنت ألمانيا وآيرلندا وهولندا والنرويج وبريطانيا أنها تعتزم تشكيل تحالف لمنع مزيد من الفظائع في السودان.


مصر تعيد ترتيب هيئاتها الإعلامية... ماذا عن المضمون؟

مجلس الوزراء المصري خلال اجتماعه الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري خلال اجتماعه الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تعيد ترتيب هيئاتها الإعلامية... ماذا عن المضمون؟

مجلس الوزراء المصري خلال اجتماعه الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري خلال اجتماعه الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

أثار إعلان مجلس الوزراء المصري نقل تبعية «الهيئة العامة للاستعلامات» من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الدولة للإعلام تساؤلات بشأن تبعات القرار المستقبلية على دور الهيئة، وانعكاسه على تنظيم عمل المؤسسات الإعلامية في مصر.

وعدّ خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» القرار «إجراءً تنظيمياً» في إطار إعادة ترتيب ملف الإعلام والهيئات المسؤولة عنه، عقب عودة وزارة الدولة للإعلام في التشكيل الحكومي الجديد، وتطلَّعوا لأن يواكب هذا الإجراء إعادة ترتيب المشهد الإعلامي ككل والتنسيق بين الهيئات المسؤولة عنه.

كان مجلس الوزراء المصري قد أعلن، مساء الأربعاء، موافقته على مشروع قرار رئيس الجمهورية بشأن نقل تبعية «الهيئة العامة للاستعلامات» من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الدولة للإعلام، في ضوء عودة وزارة الدولة للإعلام ضمن التشكيل الجديد للحكومة، واصفاً هذه الخطوة بأنها «إيجابية من الناحية التنظيمية».

ونص مشروع القرار على أن «يُشكل مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات من رئيس وستة أعضاء، يصدُر بتعيينهم قرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض وزير الدولة للإعلام، وتكون مدة مجلس الإدارة ثلاث سنوات قابلة للتجديد».

وبموجب القرار «تخضع الهيئة لإشراف ورقابة وتوجيه وزير الدولة للإعلام، ويُبلغ رئيس مجلس إدارة الهيئة قرارات مجلس الإدارة إلى الوزير لاعتمادها، ولا تكون هذه القرارات نافذة إلا بعد اعتمادها منه أو مرور ثلاثين يوماً من تاريخ إبلاغه بها دون الاعتراض عليها، وذلك فيما عدا المسائل التي تستلزم صُدور قرار من سُلطة أخرى».

«هيئة الاستعلامات»

وصف عميد كلية الإعلام الأسبق حسن عماد مكاوي القرار بأنه «خطوة جيدة لإعادة ترتيب ملف الإعلام بصفة عامة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن هيئة الاستعلامات «معنية بتحسين صورة مصر في الداخل والخارج، وهي لسان حال الدولة، ومن المهم أن تعمل تحت مظلة الوزارة وفي إطار استراتيجية إعلامية واضحة تسهم في التواصل مع الداخل والخارج والرد على الشائعات».

وأعرب عن أمله أن يترافق القرار التنظيمي بشأن تبعية «هيئة الاستعلامات» مع تغيير في المضمون يعيد تفعيل دور الهيئة محلياً وخارجياً بالتزامن مع إعادة ترتيب المشهد الإعلامي ككل والتنسيق بين الهيئات المسؤولة عنه.

ويعود تاريخ إنشاء «الهيئة العامة للاستعلامات» إلى الثاني من سبتمبر (أيلول) 1954، وكانت تسمى «مصلحة الاستعلامات»، وتتبع وزارة «الإرشاد القومي» المختصة بشؤون الإعلام، واستمرت تبعيتها للوزارة حتى عام1957 حيث أصبحت مستقلة ويشرف عليها وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية.

بدورها، أكدت أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة ليلى عبد المجيد أن القرار «تنظيمي، ويعيد الهيئة إلى مكانها الطبيعي بالتبعية المباشرة لوزارة الإعلام»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن القرار يأتي في إطار تكامل الهيئات والمؤسسات الإعلامية وإعادة ترتيبها عقب عودة وزارة الإعلام لرسم صورة مصر الإعلامية في الداخل والخارج.

وشددت هي أيضاً على «ضرورة تفعيل دور (هيئة الاستعلامات) سواء على مستوى الاتصال المباشر في الداخل عبر فروعها في مختلف المحافظات، أو في الخارج عبر التنسيق مع الإعلام الأجنبي وعبر مكاتب الهيئة في الخارج».

التنسيق بين الهيئات

كانت تبعية «الهيئة العامة للاستعلامات» قد عادت لوزارة الثقافة والإرشاد القومي عند ضم الوزارتين معاً عام 1958، واستمر الوضع كذلك حتى عام 1965 عندما انفصلت الوزارتان لتعود تبعيتها لوزارة «الإرشاد القومي»، قبل أن يصدر القرار الجمهوري رقم 820 لسنة 1967 بإنشاء «الهيئة العامة للاستعلامات»، ثم نُقلت تبعيتها مرة أخرى إلى رئاسة الجمهورية عام 2012.

وزير الدولة للإعلام المصري ضياء رشوان (صفحته الشخصية)

وتضمَّن تشكيل الحكومة الجديدة بمصر، في فبراير (شباط) الحالي، عودة وزارة الدولة للإعلام بعد سنوات شهدت جدلاً بشأن دور الوزارة في ظل إلغائها عام 2014، مع تشكيل ثلاث هيئات تتولى تنظيم المشهد الإعلامي، هي «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، و«الهيئة الوطنية للصحافة»، و«الهيئة الوطنية للإعلام»، وفقاً لما نص عليه الدستور المعدل في ذلك الحين، غير أنه لم يتضمن نصاً واضحاً يمنع إنشاء وزارة للإعلام.

وتولى حقيبة الدولة للإعلام ضياء رشوان الذي كان يشغل منصب رئيس «الهيئة العامة للاستعلامات» منذ عام 2017، وكان من بين أدواره عقد مؤتمرات صحافية للمراسلين الأجانب في مصر والحديث باسم مصر أمام الإعلام الغربي.

ومنذ توليه الحقيبة، حرص رشوان على عقد لقاءات مع رؤساء الهيئات الإعلامية ومع النقابات تضمنت التأكيد على التنسيق والتكامل الهيئات المختلفة تنفيذاً لتكليفات رئاسية بـ«إيلاء أهمية قصوى بالرأي العام وتبصرته بصفة مستمرة بالحقائق».


«عباءة وزيرة التضامن» تفاقم الانتقادات حول الغلاء في مصر

وزيرة التضامن الاجتماعي تشارك في إعداد وجبات إفطار للمحتاجين (متحدث الوزارة عبر صفحته على «فيسبوك»)
وزيرة التضامن الاجتماعي تشارك في إعداد وجبات إفطار للمحتاجين (متحدث الوزارة عبر صفحته على «فيسبوك»)
TT

«عباءة وزيرة التضامن» تفاقم الانتقادات حول الغلاء في مصر

وزيرة التضامن الاجتماعي تشارك في إعداد وجبات إفطار للمحتاجين (متحدث الوزارة عبر صفحته على «فيسبوك»)
وزيرة التضامن الاجتماعي تشارك في إعداد وجبات إفطار للمحتاجين (متحدث الوزارة عبر صفحته على «فيسبوك»)

قبل نحو عام ونصف العام، قررت وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية مايا مرسي ارتداء «عباءة» والذهاب لمتجر يبيع الدجاج للتعرف على الأسعار، لتصطدم حينها بسيدات يشترين «هياكل الدجاج» أو كميات ضئيلة منها، ما دفعها لبدء حملة إطعام كبيرة.

وبينما قرر متحدث وزارة التضامن، محمد العقبي، رواية تفاصيل الجولة لكشف جهود غير مرئية للوزيرة في تحسين أحوال المواطنين، فاقمت الواقعة الانتقادات حول غلاء الأسعار، والذي لم تحد منه جولات المسؤولين الميدانية.

وتعاني الأسواق المصرية من موجات غلاء موسمية، خصوصاً مع قدوم شهر رمضان وخلاله، تضاف إلى ارتفاعات اعتيادية للأسعار كأحد آثار أزمات اقتصادية ممتدة على مدى سنوات، وسط محاولات حكومية للحد منها بتنظيم شوادر ومنافذ لبيع السلع بأسعار مخفضة، لكن أثر هذه المنافذ يظل محل شك، خصوصاً مع عدم توافر كميات كافية من سلع رئيسية مثل الدواجن، التي ارتفعت أسعارها بنسب تقدر بـ50 في المائة خلال رمضان.

وقال متحدث وزارة التضامن عبر صفحته على «فيسبوك»، الثلاثاء، إن الهدف من عرض تفاصيل الواقعة ليس مدحاً في الوزيرة وفريقها، إنما توضيح أنهم «فريق حكومي يحاول أن يخدم المواطنين»، لافتاً إلى أن الوزيرة عادت مهمومة بعد جولتها الميدانية، والتي تزامنت مع بداية تكليفها بالوزارة، وجمعت فريقها لتعلن تغيير استراتيجيتها من التركيز على التمكين الاقتصادي لأكثر الفئات احتياجاً إلى حملات إطعام ضخمة تسير جنباً إلى جنب مع استراتيجيتها الأساسية في التمكين.

إحدى الأسواق المصرية في منطقة السيدة زينب بوسط القاهرة تتزين خلال شهر رمضان (الشرق الأوسط)

ونقل المتحدث عن الوزيرة قولها: «الأمن الغذائي وضمان حصول الفقير على وجبة مناسبة ليسا رفاهية، بل أمن قومي»، لافتاً إلى أن مشروعهم وصل اليوم إلى توفير مليونَي وجبة يومياً بالتعاون مع عدد من كبرى مؤسسات العمل الخيري في مصر.

وأثارت الواقعة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً مع إخراجها من سياقها وتصويرها على أنها جولة حديثة ترتبط بغلاء الأسعار.

ويشار إلى أن معدل التضخم في مصر ارتفع على أساس شهري في يناير (كانون الثاني) الماضي بمعدل 1.2 في المائة، مقارنة مع 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وفاقم الجدل في البلاد صورة مُخلّقة بالذكاء الاصطناعي للوزيرة في عباءتها السوداء أمام متجر دجاج بحي شعبي، ما دعم شكوك البعض في الواقعة، ممن لم يشاهدوا الرواية الأصلية للمتحدث.

وبينما اعتبر متابعون أن الواقعة «مفبركة لكسب تعاطف المواطنين مع الحكومة»، أشاد آخرون بالوزيرة، وأعادوا نشر الواقعة بالصورة، مطالبين الوزراء الآخرين بالسير على خطاها.

وجبات إطعام للفقراء في مصر (صفحة متحدث وزارة التضامن على «فيسبوك»)

كما تحدث بعض المتابعين عن أهمية الدور الميداني للمسؤول حتى يرى حال المواطنين على الواقع، في حين ركز البعض على استمرار موجات الغلاء رغم جولة الوزيرة، متسائلين: «وماذا حدث بعدها؟»، أو «وهل انخفضت الأسعار؟».

وكانت نسبة الفقر، وفق آخر بحث لـ«الدخل والإنفاق» الصادر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» في سبتمبر (أيلول) 2020 عن عام 2019 - 2020، قد بلغت 29.7 في المائة، وهو الرقم الذي ارتفع متجاوزاً 30 في المائة، وفق تصريح لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي في ديسمبر الماضي.

ولم تخلُ تعليقات رواد التواصل الاجتماعي على واقعة وزيرة التضامن من السخرية والانتقادات. وكُتب في أحد الحسابات: «لا بد أن تعلم الوزيرة أن هناك فئات لا تمتلك الجرأة للذهاب إلى متجر دجاج من الأساس»، في حين انتقد حساب آخر سياسة الإطعام باعتبارها لن تحل أزمة الفقراء.

وزيرا التموين والتنمية المحلية خلال تفقد أحد معارض «أهلاً رمضان» (وزارة التموين المصرية)

وكان رئيس الوزراء قد وعد بأن تتحسن أحوال المواطنين خلال عام 2026، كما تعهد بعدم رفع الأسعار مجدداً، وإحكام الرقابة على الأسواق، وذلك خلال إعلانه أخيراً عن منحة حكومية لأكثر الفئات احتياجاً تُصرف لـ15 مليون أسرة على هيئة دعم نقدي مقداره 400 جنيه (نحو 8 دولارات) مرتين؛ الأولى في رمضان، والثانية في عيد الفطر.