السودان... دولة واحدة بعملتين

خبراء يحذرون من تكريس الانقسام... واستدعاء لذكرى انفصال الجنوب

TT

السودان... دولة واحدة بعملتين

عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)
عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)

منذ أعلنت السلطات الحكومية السودانية بدء التبديل الجزئي لعملات وطنية في العاشر من الشهر الحالي، أصبح السودان عملياً «بلداً واحداً بعملتين»؛ إذ لم تعد الورقتان من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» بطبعتهما القديمة «مبرئتان للذمة» في 7 ولايات يسيطر عليها الجيش، في حين أن 11 ولاية تقع كلياً أو جزئياً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» لن تستطيع استبدال عملاتها القديمة بالطبعات الجديدة.

ويواجه سكان الولايات، التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» كلياً أو جزئياً، تعقيدات سياسية وأمنية تمنع استبدال عملاتهم القديمة، لأنها بلا بنوك أو مصارف عاملة، بينما أعلنت «الدعم السريع» أن حيازة العملات الجديدة في مناطقها «محرمة».

ووفقاً للإجراءات الحكومية، فإن المهلة لاستبدال العملة تنتهي في 23 ديسمبر (كانون الأول).

ويخشى المواطنون في ولايات «العملة القديمة» أو بالأحرى الولايات الخاضعة لـ«الدعم السريع» من فقدان مدخراتهم، في ظل توقف البنوك وانقطاع أو ضعف شبكات الاتصالات، كما أن التنقل بالعملات بين الولايات مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وتمتد صفوف طويلة من مواطني الولايات السبع حول البنوك والمصارف، لإيداع عملاتهم القديمة من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» أكبر فئات الجنيه السوداني، وقال بنك السودان المركزي وقتها، إن المواطنين لن يحصلوا على «نقد» بل سيودعون مدخراتهم في البنوك، وحدّد سقفاً للسحب 200 ألف جنيه يومياً «نحو 100 دولار».

ويُعيد التبديل الجزئي للعملات إلى الأذهان انفصال جنوب السودان عام 2011، حيث راج مصطلح «دولة واحدة بنظامين»، وكانت محصلته «دولتين» غير مستقرتين، والآن ربما يصبح السودان «دولة بعملتين»، ما يعزز مخاوف محللين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» من أن الخطوة قد «تمهد لتقسيم البلاد».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تعترف «الدعم السريع» بالعملة الجديدة، بل تعدّها «غير مبرئة للذمة» وفقاً لبيان رسمي، وتقول إنها «مؤامرة خبيثة» لتقسيم البلاد، ومخطط تنفذه «الحركة الإسلامية» (الحليفة للجيش) لتفكيك السودان، بحسب اتهامات «الدعم».

سياسات انفصال الجنوب

ويعدّ المحلل محمد لطيف تبديل العملة «قفزة فوق المراحل، وتكريساً مبكراً لانقسام البلاد»، ويقول إنها «فكرة ساذجة ستخرج مناطق سيطرة (الدعم السريع) من المنظومة الاقتصادية للبلاد، لأن الكتلة النقدية الكبرى موجودة في مناطق الإنتاج الممثلة في حزام الصمغ العربي، ودارفور والوسط، وهذا عملياً إخراج للكتلة النقدية المؤثرة عن دورة الاقتصاد السوداني».

ويلفت لطيف إلى «صعوبة الانتقال بين الولايات» كأزمة إضافية في مسألة تبديل العملات، ويقول إن «من يحاول التنقل، وهو يحمل نقوداً قد يتحول إلى مجرم، فالمواطن الذي يتحرك من مناطق (الدعم السريع) متهم بالتعاون معها، فكيف إذا كان يحمل نقوداً؛ فهو حتماً سيُتهم بنقلها لصالح (الدعم)».

ويحمّل لطيف «الحركة الإسلامية» المسؤولية عن «التأثيرات السلبية لطباعة العملة الجديدة»، ويعدّ الخطوة «امتداداً لسياساتها التي أدّت من قبل لانفصال جنوب السودان». ويقول: «راهنت (الحركة الإسلامية) على إخضاع الجنوب أو التخلص منه، ونجحت في ذلك، وتبديل العملة الحالي ليس بعيداً عن تفكيرها ونظرتها للمناطق المهمشة، التي تعدّها غير مرغوب فيها».

لطيف اتهم كذلك «الحركة الإسلامية» بأنها تسعى عبر إجراءات تبديل العملة إلى «تحويل الانقسام إلى واقع، بما يشبه تفكيرها بإلغاء السودان القديم والبحث عن سودان جديد، يتم التخلص فيه من العنصر الأفريقي أو العربي القادم من (عُمق) أفريقيا، باعتبار ذلك إنجازاً مهماً»، بحسب قوله.

عملة موازية

أما المحلل الاقتصادي أحمد خليل، فقال لـ«الشرق الأوسط»، فيحذر من أن «التبديل الجزئي للعملة، يعد دفعاً لـ(الدعم السريع) نحو طباعة عملة في مناطق سيطرتها، أو التعامل بالعملات القديمة، حتى استخدام عملات دول جوار السودان».

ويرى خليل أن «تبديل العملة سيعزز حالة الانقسام الحالية ويوسع نطاقها»، وينبه إلى أنه «قد يدفع مباحثات تكوين حكومة موازية في مناطق سيطرة (الدعم السريع)، باعتبارها خطوة واسعة في طريق تقسيم البلاد».

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)

يقول خليل: «إذا لجأت (الدعم السريع) لطباعة عملة، فهذا سيقسم البلاد إلى منطقتين، واحدة يسيطر عليها الجيش، والأخرى خاضعة للدعم».

ويشير خليل إلى أن مباحثات لتشكيل «حكومة موازية» جارية، بقوله: «الآن تدور نقاشات حول التحديات التي تواجه هذه الحكومة، وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وموضوع طباعة عملة واحدة من القضايا التي ينظر إليها بجدية في تلك المباحثات».

ليس أولوية

أما الخبير الاقتصادي ورئيس محفظة السلع الاستراتيجية الحكومية سابقاً، عبد اللطيف عثمان، فلا يعدّ تغيير العملة «أولوية» في ظروف الحرب، ويقول: «الدول تتخذ سياسات اقتصادية تسمى اقتصاديات الحرب، وتحشد مواردها لصالح المجهود الحربي في الحروب الوطنية. أما في الحروب الأهلية فإن مفهوم الاقتصاد يتشوه لصالح الاستقطاب الداخلي والحرب الأهلية».

ويتابع: «مثلما هناك قتال عسكري واسع واستقطاب سياسي وعرقي وقبلي وجهوي واسع جداً، فهناك صراع اقتصادي عنيف، لذلك من الأفضل ترتيب الأولويات لصالح وحدة البلاد، وعدم الدفع بها نحو الانقسام القبلي العرقي والجغرافي والاقتصادي».

ويعدّ عثمان تغيير العملة «صباً للزيت على نيران الحرب»، ويرى فيه تزكية لحالة الانقسام، ويضيف: «عملياً هذا تمهيد للانفصال، أو تقسيم البلاد اقتصادياً كما هي مقسمة عسكرياً».

مخيم في مدينة القضارف بشرق السودان لنازحين فروا من ولاية الجزيرة وسط البلاد (أ.ف.ب)

ويقارن عثمان تكلفة الطباعة، التي يصفّها عثمان بأنها مرتفعة جداً، حسب تقديرات 138 مليون دولار. ويرى أن مردودها ضعيف جداً. ويقول: «لا يوجد مردود أو نفع ظاهر من تبديل العملة، بل إن محاولة السيطرة النسبية على السيولة داخل النظام المصرفي ستنتهي بالتسرب خارجياً».

ويقطع عثمان بانتفاء الشمول الجغرافي المصرفي بالسودان، ويضيف إلى ذلك معضلة «تعطل النظم الإلكترونية وسوء الاتصالات». ويخلص الخبير السوداني إلى أن «قرار تبديل العملة صحيح من حيث المبدأ، لكنه جاء في الوقت غير المناسب؛ فهناك دول خاضت حروباً أطول مثل سوريا، ولم يتم فيها تبديل العملة».

ويرى عثمان أن المواطنين هم ضحايا تبديل العملة، بقوله: «تحول المواطن لنقطة تقاطع إطلاق النار ومنصة تصويب للطرفين، فضاعت مدخراته بانهيار النظام المصرفي، وبانهيار سعر الصرف، وسيفقد ما تبقى بسبب تبديل العملة».

يقول عثمان: «العملة باعتبارها الخلية الحية للاقتصاد، والسلعة المجردة التي يتم تبادلها مع جميع السلع الأخرى، لا يجب أن تتحول إلى سلاح وأداة حرب بين أطراف الصراع».


مقالات ذات صلة

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

خاص سودانيون في سوق بأم درمان 26 أبريل 2026 (أ.ب)

الضروريات أثقل من الجيوب... كيف يدبّر السودانيون قوت يومهم؟

بالنسبة إلى ملايين السودانيين، أصبح تدبير الضروريات يستنزف ساعات اليوم... من الماء والخبز إلى الدواء. الغلاء يحول احتياجاتهم معركة يومية.

أحمد يونس (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

12 قتيلاً في هجوم بمسيّرة لـ«الدعم السريع» أمام محكمة بوسط السودان

قتل 12 شخصاً على الأقل في هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى «قوات الدعم السريع» أمام محكمة في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان وسط السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي أب لاجئ سوداني من الفاشر يركب عربة آلية مع عائلته أثناء تنقلهم بين تشاد والسودان وسط النزاع الدائر بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني عند معبر تاين الحدودي (رويترز) p-circle

«أطباء بلا حدود»: النظام الصحي في السودان على شفا الانهيار

قالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن النظام الصحي في السودان أصبح على شفا الانهيار، مع اضطرار العيادات ومراكز الرعاية الصحية الخارجية إلى الإغلاق في أنحاء البلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو (مجلس السيادة)

المبعوث الأممي يبحث التهدئة مع المسؤولين السودانيين

بحث رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو جهود تعزيز الأمن والاستقرار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب) p-circle

البرهان: لا أريد ترشيحاً للرئاسة من أي شخص

رفض رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ترشيحه لرئاسة الجمهورية، رداً على حملات شبابية انطلقت في عدد من ولايات البلاد خلال الأيام الماضية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
TT

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيقدم لإسبانيا 115 مليون يورو على شكل مساعدات طارئة للمساهمة في تعزيز أمن الحدود ودعم عمليات الإعادة، بعد موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الدي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

وعبر أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة أواخر يوليو (تموز) الماضي، في تدفق غير مسبوق شهد مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة من طرف إلى الآخر، وأثارت هذه الأزمة انتقاد دول أوروبية عدة.

وقالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: «إن الوضع في سبتة تسبب في ضغط على حدودنا الخارجية». وأضافت: «رسالتنا لا تزال واضحة: نحن ملتزمون بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضمان الإعادة السريعة لأولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وطلبت إسبانيا المساعدة من بروكسل في أواخر أغسطس (آب) الماضي. وقال الاتحاد الأوروبي إن الأموال ستُخصص لـ«إجراءات لتعزيز مراقبة الحدود وحمايتها والبنية التحتية المرتبطة بالأمن»، مثل الكاميرات الحرارية والأنظمة العائمة، والمسيّرات العاملة تحت الماء.

وأوضح التكتل أن المساعدة «ستُستخدم أيضاً لإقامة منشآت لفرز المهاجرين، فضلاً عن دعم عمليات إعادة أولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وعاد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، لكنَّ آلافاً منهم بقوا في ظروف معيشية غالباً ما تكون صعبة، وهو ما زاد من حدة التوتر في المدينة الصغيرة وتسبب في أزمة سياسية.

وتسببت الأزمة في توتر بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين مدريد وروما بعد قرار الحكومة الإيطالية تشديد إجراءات ضبط حدودها مع إسبانيا.

وفتح القضاء الإسباني، الاثنين، تحقيقاً في دخول المهاجرين إلى سبتة، مستنداً إلى أدلة في شأن «عملية توجيه وتسهيل لا يمكن إنكارها» من الجانب المغربي.

إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كان قد شدّد على عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطط، أو دبّر تدفق المهاجرين، عقب تقرير للشرطة الإسبانية أشار إلى إخفاقات عدة من جانب قوات الأمن المغربية.


جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.


مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
TT

مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)

كراسي متهالكة، حوائط بألوان باهتة، دورات مياه دون مياه، أدوات قديمة تكاد تنخلع أجزاؤها في أيادي مستخدميها، أجواء كئيبة، ومقبضة، هذا ما كشفته الجولة الميدانية لمحافظ القليوبية (شمال القاهرة) حسام عبد الفتاح، داخل عدة مدارس قبل يومين، للوقوف على استعداداتها لبدء العام الدراسي الذي ينطلق السبت المقبل في المدارس الحكومية، والخاصة.

وكانت جولة محافظ القليوبية، الاثنين، قد فجرت ضده انتقادات واسعة، بعدما أقال خلالها مدير مدرسة، واستنكر مظهره وهو يرتدي الجلباب، فيما دافع المدير المستبعد بتأكيده أنه «كان يعمل في المدرسة بيده (صيانة)»، كما وبخ المحافظ مديرة «مدرسة الشهيد أحمد سعيد»، صالحة أبو الفضل، لنقص الخدمات في المدرسة، قبل أن تفاجئه الأخيرة بأنها ناشدت المسؤولين دون رد، حتى أنها «أدخلت المياه والكهرباء والغاز على حسابها الخاص».

وبينما تكاد صالحة أن تصبح بطلة شعبية في المخيلة المصرية، من كثرة الحفاوة، والإعجاب بموقفها الذي فتح الباب لذكر أسماء أخرى في مدارس عديدة تسلك نهجها دون بروباغاندا، فقد فتحت هذه المشاهد في المقابل ملف «المدارس المتهالكة»، وسط تساؤلات عن المخصصات المالية لها، وجدوى عمليات التطوير في ظل بنية أساسية تفتقر للآدمية ببعض المدارس.

وكيل لجنة الاقتراحات والشكاوى في مجلس النواب (البرلمان)، النائب محمد عبد الله زين الدين، وجه سؤالاً برلمانياً الأربعاء إلى الحكومة حول «خطة الصيانة للمدارس على مستوى الجمهورية»، قائلاً وفق بيان صحافي إن «العديد من المدارس تعاني من مشكلات كبيرة في البنية التحتية، والأثاث المدرسي، ودورات المياه، والأسوار، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على انتظام الدراسة، وسلامة الطلاب، والمعلمين، ويخلق بيئة غير لائقة للتعليم».

وأضاف زين الدين أن «الواقع يكشف عجزاً واضحاً في أعمال الصيانة الدورية، والطارئة، رغم المخصصات المالية المقررة لهيئة الأبنية التعليمية، وغياب الخطة الواضحة للمراجعة الشاملة لحالة المدارس قبل انطلاق كل عام دراسي»، مطالباً بوضع «خطة عاجلة ومتوسطة المدى لرفع كفاءة المدارس الأكثر تضرراً في جميع المحافظات، وتوفير قاعدة بيانات محدثة بحالة كل مدرسة، واحتياجاتها».

وبلغت المخصصات المالية للتعليم في الموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2027 - 2026 نحو 442.344 مليار جنيه (الدولار نحو 51 جنيهاً) مقابل 352.410 مليار جنيه في العام المالي الماضي.

التساؤل نفسه حول أعمال الصيانة وجهته عضوة مجلس النواب (البرلمان) عن محافظة القليوبية، أميرة العادلي، قائلة: «إن جزءاً من مناقشة الموازنة العامة للدولة يكون عن المخصصات التي تحتاجها الوزارات المختلفة، والأجهزة المحلية، وذلك ما يجعلني أتساءل عن الاحتياجات الفعلية للمدارس فيما يتعلق بالنظافة، وغيرها، وهل تم رفعها أم لا»، مضيفة: «ليس من دور الجولات الميدانية وضع كاميرات، وتعنيف المسؤولين، وإنما إيجاد حلول للمشكلات الموجودة، ومعرفة الطلبات، مثل طلبات الأستاذة صالحة، ولماذا لم تُنفذ؟».

وكان الأمين العام لنقابة المهن التعليمية محمد عبد الله قال في تصريحات متلفزة مساء الثلاثاء إن عدداً من مديري المدارس لم يتلقوا المبالغ المخصصة لتجهيز مدارسهم قبل بدء العام الدراسي، ما يدفع بعضهم إلى الإنفاق من أموالهم الخاصة لتجنب اتهامهم بالتقصير.

واستدعى عدد من النشطاء والمتفاعلين عبر السوشيال ميديا أوضاعاً شبيهة، فكتب الصحافي والكاتب سامح فايز عن مديرة مدرسة في كرداسة تولت طلاء سور المدرسة على نفقتها، وجعلتها تبدو كالمدارس الخاصة، مشيداً بتفانيها في عملها. وروى آخر عن مدرسته قديماً في إحدى القرى، والتي كانت عبارة عن غرفة دون حتى فناء أو سور، وكيف كان الطابور المدرسي ينظم في الشارع.

دورة مياه في إحدى المدارس الحكومية (محافظة القليوبية)

وأكد عضو مجلس النواب عن حزب «العدل» في محافظة أسيوط (جنوب)، النائب حسام حسن الخشت، أن حال المدارس في كثير من قرى أسيوط على نفس الحالة التي ظهرت بها مدارس القليوبية، عدا القرى الأكثر حظاً التي دخلتها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، فدشنت مدارس جديدة، وطورت مدارس قائمة.

وأضاف الخشت لـ«الشرق الأوسط» أن أزمة المدارس عميقة في مصر، خصوصاً في القرى، سواء فيما يتعلق بالبنية التحتية، أو الحاجة الديموغرافية وفق الطبيعة السكانية، لحل أزمة الكثافة الطلابية.

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يكرم مديري المدرستين اللذين تعرضا للتوبيخ من محافظ القليوبية (وزارة التعليم المصرية)

أما الخبير التربوي وائل كامل، فيؤكد أن «الحديث عن تطوير التعليم لا يمكن أن يحدث بتغيير المناهج دون مراعاة الجوانب الأخرى في العملية التعليمية، سواء المعلم، أو المدرسة، ومراعاة آدمية الطلاب»، لافتاً إلى أن «المدارس المتهالكة موجودة في غالبية قرى مصر، والمناطق الشعبية، وبعضها بوضع أسوأ من مدارس القليوبية»، متمنياً أن تُحدث التطورات الأخيرة تحريكاً في مياه هذا الملف الراكد، والذي يساهم في تدهوره تشتته بين الوزارة (وزارة التربية والتعليم) والمحليات.

وبعد ساعات من التدوين، والتساؤلات، تحركت وزارة التربية والتعليم لرد كرامة معلميها، حيث كرم الوزير، اليوم الأربعاء، كلاً من مدير المدرسة المستبعد من المحافظ نادر علي، وصالحة أبو الفضل، لكن دون أن تقدم الوزارة إجابات عن الأسئلة الأخرى المثارة عن «المدارس المتهالكة»، والتي تستعد لاستقبال الطلاب خلال أيام.