«كم سجن صيدنايا في ليبيا على غرار سوريا؟»... لم يفارق هذا التساؤل مخيلة الناشط الليبي عياد عبد الجليل، الذي لم يكد يمر أسبوع على إطلاقه بعد فترة احتجازه في أحد سجون غرب ليبيا، حتى تابع عبر وسائل الإعلام مشاهد وشهادات سجناء سوريين بعد خروجهم من معتقلات النظام السوري السابق.
ويتشارك عبد الجليل الاستياء مع عدد من الحقوقيين والنشطاء الليبيين من «الانتهاكات» التي يرويها المعتقلون عقب خروجهم من الاحتجاز التعسفي في عموم ليبيا، والتي لا يرونها بعيدة عن السجون السورية، من بينهم أيضاً رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا» أحمد حمزة، الذي تحدث على نحو واضح عن هذه المقاربة.
ووسط تنديد حقوقي محلي ودولي، انعكس الانقسام الذي تعيشه ليبيا على أوضاع السجون التي لا تخضع لسلطة الحكومتين على نحو مطلق، إذ إن بعضها يعود لميليشيات مسلحة، علماً بأن هناك 28 سجناً في مختلف أنحاء البلاد، وفق تقديرات أممية.
ودفع الحديث عن السجون السورية، الحقوقي الليبي طارق لملوم، إلى مزيد من طرح الأسئلة، وقال: «الذي يهمنا كم صيدنايا في ليبيا؟ وإذا كانت الإجابة أنه لا يوجد لدينا مثله؛ هنا يعود السؤال الثاني المُلح: لماذا تمنع السلطات في ليبيا المهتمين من زيارة تلك السجون؟ ولماذا مُنع فريق الخبراء الأممي وبعثة الأمم من دخولها؟ بل حتى الاقتراب من أسوارها».
ونادراً ما تفصح السلطات عن أعداد السجناء في شرق ليبيا وغربها، لكن سبق وتحدثت وزيرة العدل في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حليمة عبد الرحمن، عن وجود 20 ألف سجين في السجون الليبية، وقالت إنهم «يتمتعون بظروف جيدة».
لكن الناشط الليبي عبد الجليل يذهب إلى التشكيك في الرواية الرسمية بشأن وضعية السجون الليبية، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن تجربة وصفها بأنها «بالغة السوء»، إذ إنه وعلى الرغم من أنه لم يحتجز سوى 7 أيام لدى جهة أمنية تابعة لوزارة الداخلية بحكومة «الوحدة»، فإنه يرى أن السجن كان «غير آدمي».
ويشير إلى أن «وضع الاحتجاز كان بالغ السوء، فغرفة الحجز دون تهوية، والمكان غير صالح للوجود الآدمي علي الإطلاق». واحتجز عبد الجليل لاتهامه بـ«التشهير» على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إبدائه آراء معارضة لضم مدينة تاورغاء كفرع بلدي لمصراتة بغرب البلاد.
وسبق أن تحدثت «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان»، في تقريرها السنوي، العام الماضي، عن «تردي الأوضاع الإنسانية والصحية للموقوفين والسجناء» بسبب سوء التغذية، والخدمات الصحية، على رغم المبالغ المالية التي رصدت وصرفت لعقود على الإعاشة الخاصة بالسجون بين عامي 2022 و2023، حسب اللجنة.
أما في شرق البلاد الخاضع لسلطة قوات القيادة العامة برئاسة المشير خليفة حفتر، فلم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ يقول مدير «منظمة رصد الجرائم في ليبيا» علي عمر إنه عاش تجربة احتجاز وصفها بـ«المريرة» في مقر سري داخل «سجن قرنادة» بشرق ليبيا لمدة 120 يوماً على خلفية انتقاد عمليات «الخطف والقتل» خارج إطار القانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفيما عدّها مراقبون إشارة غير مباشرة إلى ما يعرف بـ«السجون السرية» في ليبيا، سبق للمبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، أن عبر عن «القلق لعدم الوصول بشكل أكبر إلى أماكن الاحتجاز في أرجاء البلاد كافة».
ويروي عمر لـ«الشرق الأوسط» جانباً من تفاصيل تجربته، قائلاً: «احتجزت في زنزانة انفرادية باردة وضيقة دون أي مصدر للضوء أو التهوية أو حتى نافذة»، مضيفاً: «لم يكن هناك أي غطاء، وكان الطعام سيئاً للغاية يُقدم في أوعية رديئة». وتابع قائلاً: «السجانون كانوا مُلثمين، ولم يكن بمقدوري رؤية أي منهم؛ كنت أسمع فقط أصواتهم».

وفي 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 أعادت «منظمة العفو الدولية» فتح ملف وزير الدفاع الأسبق المهدي البرغثي، وقالت: «يجب على القوات المسلحة العربية الليبية الإفصاح عن مصير ومكان البرغثي و18 من أقاربه ومؤيديه، اختُطفوا على أيدي مسلحين في مدينة بنغازي».
وسط هذه الشهادات المفزعة، يصف الحقوقي أحمد حمزة الأوضاع في سجون ليبيا بأنها «مقابر الأحياء»، وفق تعبيره، ويتمسك في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالمطالبة «بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية للتحقيق في جرائمها بحق سجناء الرأي»، داعياً إلى «تحديد هذه الجرائم وهوية مرتكبيها، سواء كانوا مسؤولين عسكريين، أو قادة تشكيلات، أو أجهزه أمنية تابعة لوزارة الداخلية».
وكان البرغثي قد انشق عن «الجيش الوطني»، الذي يقوده حفتر، ليتولى حقيبة الدفاع في حكومة فائز السراج السابقة بطرابلس، وأمضى عدة سنوات بعيداً عن بنغازي، لكن فور عودته إليها مساء السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، محاطاً بعدد من المسلحين، اندلعت اشتباكات واسعة في المدينة مع قوات تابعة للجيش، واختفى على أثرها.
يشار إلى تقرير دوري صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الأحد، تحدث فيه عن «مناخ خوف صاحب حالات الاختفاء القسري والاعتقال والاحتجاز التعسفيين في جميع أنحاء ليبيا».
واتهم التقرير الأممي جهاز الأمن الداخلي في شرق ليبيا وغربها باعتقال 12 شخصاً، من بينهم طفلان عقب مظاهرة في سبتمبر (أيلول) الماضي في زليتن بغرب ليبيا، وكذلك اختطاف صحافية من بنغازي واحتجاز والديها في أكتوبر الماضي، وأشار غوتيريش إلى وفاة مواطن في الحجز بعد أن اعتقله «جهاز الردع»، التابع لحكومة الدبيبة.
وكانت «منظمة العفو» دعت حكومة «الوحدة» والقوات المسلحة في شرق ليبيا إلى أن «يضمنا إجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة وفعَّالة في الجرائم المرتكبة، بما في ذلك الإفصاح عن مصير ومكان المختفين قسراً، بالإضافة إلى أسباب وملابسات الوفيات في الحجز».




