«سوريو مصر»... فرح وحذر وترقب لـ«اليوم التالي»

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
TT

«سوريو مصر»... فرح وحذر وترقب لـ«اليوم التالي»

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

تفاعل سوريون مقيمون في مصر مع التغيير الذي شهدته بلادهم، بسقوط نظام بشار الأسد، واحتفل كثير من أعضاء الجالية السورية بنجاح فصائل المعارضة، وسط حالة ترقب من تطورات «اليوم التالي» لرحيل نظام بشار.

وعلى مدى أكثر من عقد، تزايدت أعداد السوريين في مصر، مدفوعة بالتطورات السياسية والأمنية، وارتفع عدد السوريين المسجلين في مصر لدى مفوضية اللاجئين، من 12800 سوري نهاية عام 2012، إلى أكثر من 153 ألف سوري نهاية عام 2023. لكن بيانات المفوضية لا تعكس عدد السوريين الحقيقي بمصر؛ إذ تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تعدادهم يصل إلى 1.5 مليون.

طوابير أمام أحد المطاعم السورية في القاهرة (الشرق الأوسط)

وتفاعل سوريون في مصر مع تغيير نظام الأسد، وخرج العديد من أعضاء الجالية للاحتفال في مدينة «6 أكتوبر» بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، والتي تعد معقل الجالية السورية في مصر. في حين أشارت وسائل إعلام مصرية إلى أن أجهزة الأمن «ألقت القبض على بعضهم نتيجة التجمع دون تصريح أمني».

ويرى سوريون بمصر، ومنهم ممثلون للجالية، أن «التطورات الحالية في سوريا تفتح الباب للعودة مرة أخرى للبلاد».

وتدعم السلطات المصرية «عودة آمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم»، حسب وزارة الخارجية التي أشارت في إفادة لها، الأحد، إلى أن «القاهرة ستواصل العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتقديم يد العون والعمل على إنهاء معاناة الشعب السوري الممتدة، وإعادة الإعمار، ودعم عودة اللاجئين، والتوصل للاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري».

ولم تتوقع الجالية السورية بمصر سقوطاً سريعاً لنظام الأسد، رغم تقدم فصائل المعارضة المسلحة خلال الأيام الأخيرة، وفق مسؤول الائتلاف الوطني السوري، عادل الحلواني، (مقيم بمصر)، الذي أشار إلى أن «التغيير السريع للنظام فاجأ غالبية الجالية السورية؛ نظراً لتجاربهم السابقة مع نظام الأسد».

ويتوقف الحلواني في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، مع سلوك فصائل المعارضة بعد سقوط نظام الأسد، وقال إن «الانضباط الذي يظهر حتى الآن يشجع الكثير من السوريين للتفاعل مع تغيير النظام»، مشيراً إلى أن «غالبية السوريين يترقبون ما سيحدث في الفترة المقبلة، خصوصاً مع ترتيبات الفترة الانتقالية»، ودعا إلى «ضرورة تولي إدارة مدنية السلطة الانتقالية للحفاظ على المؤسسات السورية من الانهيار».

وباعتقاد ملهم الخن، مدير عام مؤسسة «سوريا الغد» (مؤسسة إغاثية معنية بدعم اللاجئين السوريين في مصر)، فإن «السوريين لم يتوقعوا انتهاء فترة حكم بشار دون اقتتال داخلي»، مشيراً إلى أن «عملية التغيير فاجأت كل السوريين، في فترة كانت مشاعر اليأس هي الغالبة على معظم اللاجئين والمهاجرين السوريين بالخارج».

ورغم فرحة عديد من الأسر السورية بإطلاق سراح المعتقلين من السجون السورية، وفق الخن، فإنه رأى أن «غالبية الجالية تترقب بحذر المستقبل في بلادها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجميع يعلم أن الأيام القادمة لن تكون سهلة على سوريا»، لكنه أشار في نفس الوقت إلى أن «هناك إرادة لطي صفحة الماضي، والتعامل بمسؤولية وتسامح وعدم الثأر في الفترة المقبلة».

وقررت فصائل المعارضة السورية إطلاق سراح المعتقلين السوريين من السجون السورية، حيث فتحت أبواب عديد من المعتقلات لتحرير السجناء بها.

ورغم مشاعر الحذر في أوساط الجالية السورية من مستقبل الأوضاع بعد سقوط نظام الأسد، فإن الإعلامي السوري المقيم في مصر منذ 2013، شاهر راجوب، اعتبر أنه «لا داعي للقلق»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «سوريا أصبحت حالياً حرة، وتنتقل لمرحلة الدولة المدنية، والشعب السوري هو من يحدد مصيره حالياً».

ويتيح التغيير الذي تشهده سوريا فرصة للجالية السورية في مصر للعودة لبلادهم مرة أخرى، وفق تقدير راجوب، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من السوريين بالقاهرة يرغبون في العودة لموطنهم مرة أخرى»، لكنه لا يتوقع عودة جميع أبناء الجالية التي قدمت بعد الحرب السورية، وقال: «هناك من تدمرت منازلهم، وهناك سوريون ارتبطوا باستثمارات وأعمال في مصر، ومسألة عودتهم لن تكون قريبة».

ورأى كثير من مستخدمي مواقع «السوشيال ميديا» في مصر، أن التغيير في سوريا يمثل فرصة لعودة السوريين لبلادهم، وتعددت التفاعلات عبر هاشتاج (#ياسوري_ارجع_دارك)، حيث دعت حساباتٌ الحكومةَ المصرية لعدم استضافة أعداد جديدة من السوريين بالبلاد.

وأشارت حسابات إلى منشورات لسوريين يقدمون الشكر على حسن استضافتهم في مصر.

وارتبط الوجود السوري في مصر باستثمارات عديدة، أبرزها في مجال المطاعم التي انتشرت في مدن مصرية مختلفة. وأشار رئيس تجمع رجال الأعمال السوريين في مصر، خلدون المُوقع، إلى «تزايد الاستثمارات السورية في مصر»، وقال في تصريحات إعلامية له في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن «الاستثمارات تشمل قطاعات عديدة، منها مصانع في مجالات مختلفة».

ويتفق الخن والحلواني في أن رحيل نظام الأسد سيدفع كثيراً من الأسر السورية للعودة مرة أخرى، وأشار مدير عام مؤسسة «سوريا الغد»، إلى أن «كثيراً من الشباب السوري الذي هرب من التجنيد الإجباري وقت نظام الأسد، ينتظر فتح الأبواب للعودة مرة أخرى للبلاد».

وأعلنت السفارة السورية بالقاهرة في إفادة لها، الأحد، عن «توقف خدماتها بشكل مؤقت، لحين إعادة الربط مع منظومة الجوازات المركزية في دمشق».

 


مقالات ذات صلة

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

المشرق العربي حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب (إ.ب.أ)

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

ذكر التلفزيون السوري، مساء أمس (السبت)، أن حافلات دخلت حي الشيخ مقصود بمدينة حلب؛ لإخراج مَن تبقَّى من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية أكراد تركيا في مسيرة تضامنية مع قوات سوريا الديمقراطية في مدينة دياربكر جنوب شرق تركيا (ا.ف.ب)

أكراد يحتجون في تركيا على الاشتباكات في حلب السورية

احتشد متظاهرون لليوم الثاني على التوالي في مدن رئيسية في تركيا، للمطالبة بوقف العملية التي تنفذها القوات السورية الحكومية في حلب في مواجهة «قسد».

«الشرق الأوسط» (دياربكر (تركيا))
المشرق العربي أرشيفية لأحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)

«إعلام سوري»: هدوء حذر يسود حلب بعد توقف قصف «قسد»

قالت قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية، إن الهدوء الحذر يسود مدينة حلب وسط انتشار أمني مكثف تحسباً لأي خروقات بعد توقف قصف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (أ.ف.ب)

سوريا تؤكد التزامها «الثابت» بمكافحة تنظيم «داعش»

أكدت سوريا، اليوم، التزامها الثابت بمكافحة تنظيم «داعش»، مشيرة إلى أنها ستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها.

خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
TT

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا حول مجلس مفوضية الانتخابات مزيداً من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة البعثة على المضي قدماً في تنفيذ بنود «خريطة الطريق» المُعطّلة، والانتقال إلى «خيارات بديلة».

وخلال الأسبوع الماضي، صعّد المجلس الأعلى للدولة من إجراءاته بانتخاب رئيس وأعضاء جدد لمجلس المفوضية، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر لقرار مجلس النواب، القاضي بالإبقاء على مجلس إدارة المفوضية الحالي برئاسة عماد السايح.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة الليبي (المجلس)

ويرى سياسيون أن ما يجري من تنازع حول مجلس المفوضية «يمثّل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المسار الأممي على الصمود، والانتقال إلى «خيارات بديلة»، بعد تعثّر المفاوضات المتكررة بين المجلسين المنوط بهما التوافق على القوانين الانتخابية وشاغلي «المناصب السيادية»، ولذا يرى رئيس «حزب التجديد» الليبي، سليمان البيوضي، أن البعثة «لن تنتظر طويلاً توافق النواب والدولة».

وتوقع البيوضي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح البعثة آلية جديدة للمضي قدماً في خريطتها، بعد السعي إلى تنسيقها مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى إقليمية فاعلة»، وقال إن «العقبة الحقيقية أمام البعثة ليست المجلسين بقدر ما هي التوافق الدولي حول هذه الآلية البديلة».

من إحاطة هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن بخصوص الأوضاع السياسية في ليبيا (المجلس)

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد لوّحت في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باللجوء إلى «آلية بديلة» في حال فشل المجلسين في إنجاز استحقاقات المرحلة الأولى، والمتمثلة في استكمال مجلس المفوضية، والتوافق على الإطار القانوني للانتخابات.

غير أن غموض هذه الآلية البديلة وغياب تفاصيلها إلى الآن «عزز الشكوك بشأن جدواها»، وفي هذا السياق قال المحلل السياسي، فرج فركاش، إن الحديث عن «آلية غير محددة يعكس غياب توافق دولي بشأنها».

وحمّل فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، البعثة مسؤولية حالة الجمود الراهنة، مشيراً إلى أن «خريطتها فقدت قابليتها للتنفيذ لاعتمادها من البداية على مجلسين؛ يعرف الجميع مسار الخلاف المتجذر، خصوصاً بشأن ملفي القوانين والمناصب السيادية ومنها المفوضية، بينهما».

وسلط المحلل السياسي الضوء على مفارقة أن الخلاف اليوم «يدور حول مجلس المفوضية، في حين كانت جميع الأطراف راضية عن تشكيله خلال محاولة إجراء انتخابات 2021».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وفي مقابلة إعلامية أجريت مؤخراً، استعرض رئيس المفوضية، عماد السايح، أسباب «القوة القاهرة» التي عرقلت انتخابات 2021، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية التي أقرها البرلمان، لا سيما ما يتعلق «بالطعون على المرشحين» للرئاسة، مؤكداً أن «المفوضية طالبت بتعديلها دون استجابة».

وهنا يحذر فركاش من أن استمرار الخلاف الحالي قد يؤدي إلى انقسام المفوضية، ما يفقد أي قوانين انتخابية مستقبلية قيمتها التنفيذية، مشدداً على أن الأولوية «كان ينبغي أن تُمنح من البداية للتوافق على الإطار القانوني وتوحيد الحكومتين، بما يمهّد لتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتهيئة مناخ انتخابي قائم على حد أدنى من الثقة المفقودة بالساحة».

وتعيش ليبيا معضلة انقسام سياسي، يتمثل في وجود حكومتين متنافستين على السلطة؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، والثانية برئاسة أسامة حماد، مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

في المقابل، قلّل نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، من خطورة ما يجري على مستقبل «الخريطة الأممية»، مشيراً إلى أن البعثة سبق أن رفضت تقسيم المفوضية.

ورأى المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البعثة «قد تكون بصدد إطلاق حوار سياسي جديد، يضم مزيجاً من أعضاء النواب و(الأعلى للدولة) ونخب سياسية ومدنية وشخصيات ذات ثقل اجتماعي وقبلي، يعهد إليه بحسم ملف المفوضية والقوانين الانتخابية، وربما تشكيل حكومة موحدة تمهد للاستحقاق».

ويحذّر سياسيون من خطورة تمحور خلاف المجلسَين حول المفوضية المنوطة بتنفيذ الانتخابات المؤجلة، التي يعلّق عليها الليبيون آمالاً واسعة لإنهاء حالة الانسداد.

من جانبه، دعا القانوني الليبي، هشام سالم الحاراتي، البعثة الأممية إلى «تجاوز دور المجلسين»، معتبراً «أن تبادل الخلافات بينهما حول المسار الانتخابي يعزز الشكوك باستهداف عرقلته، بما يخدم استمرارهما في المشهد، دون اكتراث بتداعيات الانقسام على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لليبيين».

ورغم إقراره بانشغال الشارع الليبي بأزماته المعيشية، حذر الحاراتي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن «إدراك الشارع بأن جوهر هذه الأزمات يظل مرتبطاً باستمرار الانقسام، ووجود حكومتين تنفقان دون رقابة، وهو ما يعني تحميله كل الأطراف والسلطات، بما فيها البعثة، مسؤولية ما يعانيه».


إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
TT

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)
مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي والكتيبة «166»، التي أكدت تورطه ضمن تشكيل عصابي امتهن تنظيم أفعال الهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر في مدينتي الكفرة وإجدابيا.

وذكر مكتب النائب العام، في بيان أوردته وكالة الأنباء الليبية (وال)، السبت، أن إجراءات الاستدلال جاءت بمشاركة مأموري الضبط القضائي، وأسفرت عن تحرير 195 مهاجراً كانوا محتجزين قسرياً، وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، بهدف إرغام ذويهم على دفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

وحسب المكتب، فقد جرى تعيين محل دفن 21 جثة تعود لمهاجرين استضعفوا وقتلوا أثناء نشاط التشكيل العصابي.

وواجه وكيل النيابة المتهم بالوقائع المنسوبة إليه، وأبلغه بالجرائم الثلاث المرفوعة ضده سابقاً، شاملة جرائم قتل المهاجرين، وجرائم المتاجرة بالبشر، تمهيداً لإرساله إلى القضاء للفصل في القضايا.

وتابع المحققون جمع عينات البصمة الوراثية من الجثث، وإجراء متطلبات تشريحها، ووجهت الضابطة القضائية باتخاذ التدابير اللازمة لتفكيك التشكيل العصابي، وملاحقة بقية أفراده، في إطار جهود النيابة العامة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، وحماية حقوق المهاجرين، وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.


ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
TT

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية، في حين رأى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «أزمة السد تُشكِّل أهميةً استراتيجيةً لواشنطن في ظل مخاوف من تحول النزاع إلى أزمة دولية مفتوحة».

ونشر ترمب، الجمعة، على منصة «تروث سوشيال» رسالةً قال إنه وجهها إلى السيسي، وأعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف القائم حول «سد النهضة» إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، مؤكداً أن ⁠الولايات المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا؛ للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وتضمَّنت الرسالة إشادة بالسيسي، ودوره في التوصُّل لاتفاق بين «حماس» وإسرائيل، وكذلك دوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

صورة أرشيفية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في زيارة لموقع «سد النهضة» على نهر النيل (صفحته على «فيسبوك»)

في حين ردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري»، ومؤكداً حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل.

وليست هذه المرة الأولى التي يعرض فيها ترمب جهوده للتدخل وحل أزمة «سد النهضة»، ولكنها المرة الأولى التي يرسل فيها رسالةً رسميةً إلى القاهرة بهذا الشأن، حيث إنه تحدَّث عن الأمر أكثر من مرة سابقاً، كما أن البيت الأبيض أعلن في أغسطس (آب) الماضي قائمةً وصفها بـ«نجاحات ترمب في إخماد حروب بالعالم»، متضمنةً اتفاقية مزعومة بين مصر وإثيوبيا.

عرض جاد

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، قال لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو المسألة في هذه المرة جدية من جانب ترمب بإرساله خطاباً رسمياً لأول مرة، ويبدو أنه يريد الوصول إلى اتفاق عن طريقه ليعلن أنه منع صراعاً مسلحاً بين مصر وإثيوبيا، رغم أن الأحداث وتطورات (سد النهضة) لا تشير إلى ذلك، ولكن ترمب يرغب في أن ينسب هذا الإنجاز لنفسه في ضوء مساعيه لجائزة نوبل للسلام».

وأضاف شراقي أن «حرب غزة لم تنتهِ بعد، وهناك أمور كثيرة متشابكة معها، وتحركات إسرائيل في المنطقة، خصوصاً بأفريقيا، من المؤكد أنها مرتبطة بذلك الأمر» متوقعاً موافقة إثيوبيا على دعوة أميركا، والوصول إلى اتفاق إذا ضمن لها الوصول إلى البحر الأحمر.

وأوضح شراقي أن «ترمب يستطيع دعوة الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا)؛ للوصول إلى اتفاق في أيام عدة، حيث إن الظروف حالياً أفضل مما سبق؛ نتيجة انتهاء الملء الأول الذي كان نقطة خلاف أساسية في المفاوضات السابقة على عدد سنوات الملء، ويمكن الوصول إلى اتفاق يُنظِّم الملء المتكرر والتشغيل فيما بعد، وإن أمكن تقليل السعة التخزينية التي تُشكِّل خطراً كبيراً على أمن السودان ومصر، والتشاور والتنسيق في حالة أي مشروعات مائية في المستقبل».

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

المستشار السياسي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، قال: «إن هذه الرسالة تأتي في إطار رغبة ترمب الدائمة في أن يكون محل أضواء، ورغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام، ويحاول، من خلال هذه الرسالة وهذا التحرك، تثبيت الصورة الذهنية عنه بوصفه شخصيةً عالميةً مؤثرةً، وبطلاً قادراً على أن يوقف الحروب والدماء».

عقلية الصفقات حاضرة

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك جانب آخر يحرك ترمب، وهو أن مسألة الصفقات والعقلية التجارية حاضرتان بقوة في شخصيته، ومن ثم فهذا أمر مؤثر أيضاً في دفعه لطرح هذه المبادرة وإرسال تلك الرسالة، وبالقطع يريد شيئاً مقابل ذلك من مصر، أو من وراء المسألة نفسها، وكونه طرح هذه المبادرة لا يعني أنه سيتمكَّن في النهاية من حل الأزمة، فهو رجل اللقطة الذي يحب أن يطرح أشياء كبيرة ويبادر، ولكن مع الوقت ندرك أنه غير ملم بالتفاصيل والتعقيدات».

لكن الشوبكي يرى أيضاً أن «ترمب قادر على أن يكون له دور كبير في تلك الأزمة، وعلى مصر أن تأخذ ذلك بجدية، مع الوضع في الاعتبار الملامح المُكوِّنة لشخصية وعقلية الرئيس الأميركي لتصل لحل الأزمة دون أن تخسر شيئاً».

«سد النهضة» الإثيوبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومنتصف يونيو (حزيران) الماضي، خرج ترمب بتصريح مثير للجدل عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمةً دبلوماسيةً حادةً مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي 4 يوليو (تموز) الماضي، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض، قائلاً: «إن الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة»، وهو ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للإشادة بتصريحات ترمب، وبرغبته في حل الأزمة.

ومساء الثامن من يوليو الماضي أيضاً، قال ترمب للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن، في معرض رصده ما وصفها بـ«جهود إدارته في حل الأزمات في العالم»: «لقد تمَّ التعامل مع مصر وإثيوبيا، وكما تعلمون فقد كانتا تتقاتلان بسبب السد»، منوهاً بأن الأمر «سيُحَلّ على المدى الطويل».

دلالة سياسية

لكن رغم هذا الحديث المتكرر، الذي رحَّبت به مصر رسمياً، فإنه لم يتم رصد أي تدخل رسمي من ترمب في قضية «السد»، منذ بداية ولايته الثانية، على الرغم من إعلان إثيوبيا الانتهاء من بنائه، وبعد أن قامت بتدشينه رسمياً في حفل رسمي في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو ما أثار حفيظة القاهرة التي أطلقت تصريحات غاضبة ومتصاعدة «عن حقها في الدفاع عن أمن مصر المائي».

الخبير في الشؤون الأميركية المقيم في واشنطن، تمام الجاسم قال لـ«الشرق الأوسط»: «إن خطوة ترمب عن سد النهضة هذه المرة لها دلالة سياسية واضحة تتجاوز مضمون الرسالة نفسها، فاختياره توجيه رسالة شخصية ومباشرة إلى الرئيس المصري، رغم انخراط الإدارة الأميركية في ملفات عالمية أكثر إلحاحاً (أوكرانيا، والصين، والشرق الأوسط، والاقتصاد العالمي)، يعكس أن أزمة سد النهضة تُصنَّف في واشنطن ملفاً استراتيجياً، وليس تقنياً فقط».

وأضاف: «هذه الرسالة تشير إلى رغبة أميركية في احتواء نقطة توتر قد تنفجر خارج الحسابات وتؤثر على أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق أفريقيا، وهي مناطق تمسّ مصالح أميركية مباشرة».

صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

وأضاف أن «هذه الرسالة تعكس اعترافاً ضمنياً بأن المسارات الإقليمية والأفريقية لم تعد كافية، وأن الملف يحتاج إلى تدخل سياسي من أعلى مستوى وليس مجرد وساطة فنية. في الوقت نفسه، تحمل الرسالة بعداً رمزياً مهماً: تأكيد مكانة مصر بوصفها شريكاً محورياً لا يمكن تجاوزه في معادلات الاستقرار الإقليمي».

وتابع: «باختصار الرسالة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل إشارة إلى أن واشنطن ترى في ملف (سدّ النهضة) خطراً كامناً يستحق إدارة مباشرة قبل أن يتحوَّل إلى أزمة دولية مفتوحة»، لكنه في الوقت ذاته يرى أن «فرص نجاح الوساطة الأميركية متوسطة إذا ما اقترنت بآليات فنية ملزمة، ونظام مراقبة شفاف، وحزمة حوافز اقتصادية متكاملة... أما في حال غياب هذه العناصر، فستبقى الوساطة مجرد أداة لخفض التوتر مؤقتاً وليست حلاً نهائياً للأزمة».

ترتيب الأوراق الإقليمية

الباحث المتخصص في الشؤون الأميركية المقيم في نيويورك، محمد السطوحي، قال: «إن ترمب تحدَّث أكثر من مرة عن موضوع السد، لكن لا يمكن فصل رسالته الأخيرة عن تطورات غزة وجهود وقف إطلاق النار كما اتضح في مقدمة الخطاب، وكذلك خطوات مصر أخيراً في منطقة القرن الأفريقي، والانتشار التدريجي لخلق توازنات جديدة مع بوادر تنسيق مع تركيا والسعودية في وقت تسعى فيه إسرائيل أيضاً لخلق موطئ قدم لها في المنطقة بالاعتراف بأرض الصومال».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من هنا، فإعادة واشنطن ترتيب الأوراق الإقليمية ضرورة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في ظل الأزمة المتصاعدة لسد النهضة، لذلك فإن مصر ستجد نفسها في وضع يحتم عليها وضع خطوط حمراء واضحة، وألا تسمح باستخدام ملف السد لابتزازها في قضايا أخرى، وقد ساعدتها الظروف بأن معدل فيضانات المياه في السنوات الأخيرة كان مرتفعاً، بحيث يمكن القول إن أمامها سنوات عدة من الأمن المائي بما يدعم موقفها - ولو مؤقتاً - في كل هذه الملفات. ولكن تبقى الضغوط الاقتصادية وقضية الديون أداة ضغط مؤكدة».

وأشار إلى أن «ترمب يذكر جيداً تعنت الموقف الإثيوبي الذى كان أقرب للإهانة له ولدوره، وهو يأخذ الأمور بطريقة شخصية، حتى إنه تحدث عن حق مصر في تدمير السد، ولا أظنه سيسمح بتكرار هذا المشهد مرة أخرى، ويمكن لمصر أن تلعب على هذه النقطة بتذكيره المستمر بها بطريقة غير مباشرة، أي التحريض دون استفزاز».