روسيا تستخدم «الفيتو» ضد «النكهة الاستعمارية» للحل في السودان

وزير الخارجية البريطاني اعتبره «عاراً» على بوتين

نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي رافعاً يده للتصويت في مجلس الأمن ضد مشروع قرار حول الوضع في السودان (رويترز)
نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي رافعاً يده للتصويت في مجلس الأمن ضد مشروع قرار حول الوضع في السودان (رويترز)
TT

روسيا تستخدم «الفيتو» ضد «النكهة الاستعمارية» للحل في السودان

نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي رافعاً يده للتصويت في مجلس الأمن ضد مشروع قرار حول الوضع في السودان (رويترز)
نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي رافعاً يده للتصويت في مجلس الأمن ضد مشروع قرار حول الوضع في السودان (رويترز)

أجهضت روسيا، يوم الاثنين، مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية في السودان، والشروع في عملية سياسية انطلاقاً من «محادثات جدة»، لوضع حد للحرب المستعرة منذ 20 شهراً.

وجاء استخدام روسيا لحق النقض «الفيتو» ضد مشروع القرار الذي قدمته بريطانيا مع سيراليون بعد مفاوضات صعبة وطويلة. وعلى رغم استجابة رئيس مجلس الأمن للشهر الجاري وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي للمحاولة الأخيرة التي قام بها المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير، الذي طلب تعليق الاجتماع سعياً إلى التوافق، عاد الأعضاء الـ15 إلى قاعة المجلس وصوتوا على النص الذي تجاوب معه 14 عضواً مقابل معارضة روسيا.

ويحتاج أي قرار في مجلس الأمن إلى موافقة ما لا يقل عن تسعة أصوات، بالإضافة إلى عدم استخدام «الفيتو» من أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، وهي: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. وكان من شأن مشروع القرار أن «يندد بالهجوم المستمر من (قوات الدعم السريع) في الفاشر في دارفور»، ويطالبها بـ«الوقف الفوري لجميع هجماتها ضد المدنيين في دارفور وولايتي الجزيرة وسنار وأماكن أخرى». ويدعو إلى «وقف كل الهجمات ضد المدنيين» ويدعو أطراف النزاع إلى «وقف الأعمال العدائية على الفور»، والانخراط في حوار «بحسن نية بهدف الاتفاق على وقف إطلاق نار وطني على وجه السرعة».

كما يطالب كل الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين في السودان، واتخاذ «كل الاحتياطات الممكنة لتجنب وتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين»، ويدعو إلى «اتخاذ خطوات عاجلة لوقف ومنع العنف الجنسي المرتبط بالصراع، والتأكد من عدم استخدامه كتكتيك في الحرب». وهو يدعو كذلك إلى «الموافقة على فترات توقف إنسانية على أساس مستدام»، ويدعو كل الأطراف إلى «السماح بتسهيل وصول المساعدات عبر الحدود بشكل كامل وسريع وآمن ومن دون عوائق».

«عار على بوتين»

وبعد التصويت، قال الوزير البريطاني ديفيد لامي إن المدنيين السودانيين «عانوا عنفاً لا يمكن تصوره خلال الحرب»، وإن هذه المعاناة «ندبة على الضمير الجماعي». وأضاف أنه «في وجه هذه الأهوال عملت المملكة المتحدة وسيراليون لجمع هذا المجلس معاً لمعالجة هذه الأزمة والكارثة الإنسانية لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والدعوة لوقف إطلاق النار. دولة واحدة وقفت في طريق تحدث المجلس بصوت واحد. دولة واحدة هي المعرقلة وهي عدوة السلام. إن الفيتو الروسي (عار)» على الرئيس فلاديمير بوتين الذي «يشن حرباً عدوانية على أوكرانيا. عار على بوتين لاستخدام مرتزقته لنشر الصراع والعنف في أنحاء القارة الأفريقية».

وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي يتحدث أمام مجلس الأمن خلال اجتماع حول الوضع في السودان (رويترز)

«نكهة استعمارية»

وفيما كان لامي يلقي كلمته، بدا نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، ديميتري بوليانسكي، وهو يتفحص هاتفه. وقال بوليانسكي لاحقاً إن «الطريقة الوحيدة لتحقيق السلام هي أن تتوصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاق لوقف النار»، مضيفاً أنه «لا ينبغي أن يفرض المجلس هذا الاتفاق بطريقة متبلة بنكهة استعمارية». ورأى أن «المشكلة الرئيسية في المسودة هي أنها تتضمن فهماً خاطئاً لمن يتحمل مسؤولية حماية المدنيين ومن يجب أن يتخذ قراراً في شأن دعوة القوات الأجنبية إلى السودان».

وتدور حرب منذ أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي». واتُّهم الطرفان بارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك استهداف مدنيين، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، واستخدام أساليب التجويع في حق ملايين المدنيين. وأشار أحد الدبلوماسيين إلى أنه خلال المفاوضات حول النص «أدلت روسيا بكثير من التعليقات المنحازة» لمعسكر البرهان. وعلى رغم الفيتو الروسي، واصل أعضاء المجلس دعواتهم إلى وقف إطلاق النار لإنهاء الحرب في السودان.


مقالات ذات صلة

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

شمال افريقيا لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

تحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023 والفاشر العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نجامينا )
شمال افريقيا بعض أجزاء من المُسيّرة التي أسقطها الجيش السوداني بولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مُسيرة استراتيجية ثالثة خلال أسبوعين

أعلن الجيش السوداني إسقاط مُسيرة استراتيجية بشمال كردفان، في حين أفاد «محامو الطوارئ» بقتل 15 مدنياً خلال قصف طائرة مُسيرة في بلدتين بولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

لم يقتصر الخراب الذي خلفته الحرب على تدمير المدن والأحياء والبنية التحتية، بل امتد إلى أكثر رموز البلاد تعبيراً عن تاريخها وهويتها الثقافية متحف السودان القومي

بهرام عبد المنعم (الخرطوم) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجامعة العربية تُحذّر من كارثة إنسانية وشيكة في السودان

حذّرت جامعة الدول العربية من «كارثة إنسانية وشيكة» في مدينة الأبيض بالسودان، وقال أمينها العام نبيل فهمي إنه يتابع بقلق بالغ التطورات الخطيرة هناك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي في الأشهر الأخيرة، مهَّد الطريق لتطبيع كامل؛ وهو مسار استند إلى تنازلات متبادلة غلَّبت المصلحة المشتركة، والروابط الإنسانية الوثيقة عبر الحدود المترامية.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (وزارة الخارجية الجزائرية)

وشهدت العلاقات الجزائرية- المالية انفراجة دبلوماسية لافتة بعد نحو 15 شهراً من الجفاء والتوتر؛ حيث أعلن البلدان أمس (الجمعة)، عن حزمة إجراءات مشتركة تهدف إلى إعادة الدفء إلى علاقاتهما. وشملت هذه الخطوات إعادة فتح الأجواء الجوية بشكل متبادل، وتأكيد عودة سفيرَي البلدين لممارسة مهامهما الرسمية.

ويأتي هذا التقارب لينهي مرحلة معقدة من التجاذبات التي طبعت مسار العلاقات، منذ وصول السلطة العسكرية إلى سدة الحكم في باماكو بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، عقب انقلابَي 2020 و2021، وهي الفترة التي شهدت توجيه مالي اتهامات متكررة للجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية، في حين كانت الجزائر قد لعبت دوراً محورياً كراعٍ ومفاوض أساسي في اتفاق السلام التاريخي، الموقع عام 2015 بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في الشمال، المعروفة بـ«تنظيمات أزواد».

خلفيات الانفراجة

يتضح من قراءة مسار التهدئة بين الجزائر وباماكو، أن هذا التقارب الدبلوماسي لم يكن وليد صدفة؛ بل جاء نتاج تفاهمات واقعية، قدم فيها الطرفان تنازلات متبادلة لإعادة قطار العلاقات إلى سكته الطبيعية، حسب مصادر دبلوماسية تحدثت مع «الشرق الأوسط».

اجتماع لوزير خارجية الجزائر السابق مع ممثلي المعارضة المالية في سبتمبر 2022 (الخارجية الجزائرية)

فمن الجانب الجزائري، تجلت هذه البراغماتية في تحجيم مساحات النشاط السياسي والإعلامي للمعارض المالي البارز الشيخ محمود ديكو، اللاجئ بالجزائر منذ عام ونصف عام، وهو ملف طالما شكَّل نقطة خلاف جوهرية أثارت حفيظة السلطات العسكرية في باماكو، التي اعتبرت احتضانه تدخلاً في شؤونها الداخلية؛ خصوصاً منذ أن تم ضمه إلى «المجلس العلمي» لـ«جامع الجزائر».

وأكدت المصادر الدبلوماسية نفسها أن السلطات المالية قابلت هذه الخطوة بإبداء مرونة مماثلة؛ حيث أوقفت باماكو حملات الهجوم الإعلامي والسياسي الحاد، التي كانت تقودها ضد جارتها الشمالية، ووضعت حداً لخطاب التخوين والاتهامات بالتدخل في السيادة.

استقبال الرئيس الجزائري وزير خارجية مالي السابق في 16 يناير 2023 (الرئاسة الجزائرية)

وعوضاً عن ذلك، فضَّل المجلس العسكري في مالي العودة إلى مربع التنسيق الأمني والعسكري المباشر مع الجزائر لمواجهة الجماعات الإرهابية، وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود في فضاء الساحل: «إدراكاً من باماكو بأن العمق الاستراتيجي والخبرة الأمنية للجزائر لا يمكن الاستغناء عنهما في معادلة استقرار المنطقة، مهما تعددت التحالفات الدولية البديلة»، وفق تعبير المصادر الدبلوماسية ذاتها.

وحول تطور الأزمة بين البلدين قبل ظهور بوادر حلها، يقول الخبير الجزائري في شؤون الساحل، قوي بوحنية لـ«الشرق الأوسط»: «تتسم مالي بتركيبة خاصة المعالم، لا سيما في الشمال الذي تشهد جبهاته معارك محتدمة منذ 3 عقود، في ظل سيطرة اسمية فقط للدولة على تلك المناطق»، مبرزاً أنه «مع دخول الفيلق الروسي (مجموعات فاغنر سابقاً) على خط المواجهات، تكبد خسائر كبرى محاطة بالتعتيم، بالتزامن مع إغلاق الحدود مع الجزائر الذي ألقى بظلاله مباشرة على حركة التجارة الحيوية ونشاط نقل المحروقات. وتوقف هذه الأنشطة منذ اندلاع الأزمة ضاعف من وطأة المعيشة، وفاقم معدلات التضخم».

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (موقع باماكو بامادا)

وأوضح بوحنية أن التضامن السياسي من بوركينا فاسو والنيجر مع باماكو، والوعود الخارجية بانتشال السلطة الانتقالية من مشكلاتها، لم ينجح -حسبه- في سد العجز الاقتصادي والهيكلي البنيوي.

وأضاف الخبير نفسه: «بدلاً من أن تتعامل سلطات باماكو بحكمة مع الجزائر، انزلقت نحو لغة التوتر والتحريض، وهو ما تجلى في المظاهرات أمام السفارة الجزائرية، والحملات الإعلامية التي روجت لمزاعم الوصاية الجزائرية، وهي ادعاءات عارية من الصحة. وأمام هذه المعطيات، أدرك الحُكم في مالي في نهاية المطاف أن استعادة الاستقرار الداخلي تقتضي حتماً وقف التصعيد».

من ذروة التصعيد إلى الحوار

بلغت الأزمة ذروتها في أبريل (نيسان) 2025، إثر إسقاط الجزائر طائرة مُسيَّرة مالية بدعوى انتهاك أجوائها، وهو ما نفته باماكو، ما أدى إلى قطيعة كاملة بين الجارين اللذين يتشاركان حدوداً بطول 1300 كيلومتر. وصعَّدت بوركينا فاسو والنيجر ضد الجزائر، تضامناً مع مالي ضمن «تحالف دول الساحل».

بقايا المُسيَّرة المالية المحطمة (المعارضة المالية المسلحة)

وتصاعد التوتر بشكل لافت في سبتمبر (أيلول) 2025 بمناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك؛ حيث وقعت مشادة كلامية حادة بين وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ورئيس الوزراء المالي عبد اللاي مايغا، الذي اتهم الجارة الشمالية بـ«توفير ملاذ وحماية للإرهابيين»، وكان يقصد تنظيمات المعارضة، وبشكل خاص الشيخ محمود ديكو. كما اتهم الجزائر بـ«دعم الإرهاب الدولي» عندما تحدث عن موضوع تحطيم الطائرة المُسيَّرة.

وردَّ عطاف بحدة على مايغا، معرباً عن «أسفه» على ما وصفه بـ«الانحطاط والبذاءة والوقاحة، التي بلغها هذا الشاعر الزائف، ولكنه انقلابي حقيقي»، عادّاً اتهاماته «هراءَ جندي متسلِّط».

وحملت التطورات الأخيرة مؤشرات على طي التوتر؛ إذ أعلنت باماكو أمس (الجمعة) فتح أجوائها أمام الطائرات الجزائرية، وعودة سفيرها إلى الجزائر العاصمة. وجاء القرار بعد ساعات من خطوة جزائرية مماثلة، قضت بفتح الأجواء، وتأكيد عودة السفير كمال رتيب لاستئناف مهامه في مالي.

من لقاء سابق بين وزيرَي خارجية الجزائر ومالي (صحافة مالية)

وأثار هذا التقارب بين البلدين تفاعلاً حتى خارج حدودهما السياسية؛ ففي منشور عبر حسابه على منصات التواصل الاجتماعي، أكد بالي باجايوكو، نائب رئيس بلدية «سان دوني» بضواحي باريس، والمنحدر من أصول مالية، أن عودة الحوار بين الجزائر وباماكو «مؤشرٌ على أن الأخوة أقوى من الانقسامات، وأن ذاكرة كفاح التحرير لا تزال تلهم حاضرنا، وأن مستقبل أفريقيا ملك للأفارقة أولاً».

وشدد القيادي في حزب «فرنسا الأبية» على أن «مستقبل القارة لا يكمن في الحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا في الصراعات المُغذَّاة من الخارج؛ بل في الحوار، والاحترام المتبادل، والتعاون السيادي بين الدول الأفريقية».


ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
TT

ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)

وسَّعت السلطات الليبية إجراءاتها الاحترازية لمواجهة مخاوف تفشي مرض الحمى القلاعية بين الأبقار والأغنام، بعد رصد إصابات وحالات اشتباه في عدد من المدن، بالتزامن مع إغلاق أسواق للمواشي، وتشديد الرقابة البيطرية في مناطق بالشرق والغرب.

ويعكس تحرك الحكومتين في طرابلس وبنغازي تصاعد القلق من اتساع نطاق المرض، وما قد يترتب عليه من خسائر اقتصادية، وسط تحذيرات من أن سنوات الانقسام السياسي أضعفت منظومة الصحة الحيوانية، وقلَّصت فاعلية برامج التحصين.

فنيون بفريق بيطري خلال الكشف على أحد الحيوانات المشتبه إصابتها بالحمى القلاعية في مدينة زليتن الليبية (الشرطة الزراعية)

ويرى الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بـ«المركز الوطني للصحة الحيوانية» في غرب ليبيا، أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بظهور بؤر جديدة؛ بل أيضاً بتراكم أزمات يعانيها القطاع البيطري منذ سنوات. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات البيطرية تواصل جهود الاحتواء عبر فرق التحقق الوبائي المنتشرة في البلديات، التي تتولى سحب العينات وفحصها داخل البلاد، أو إرسالها إلى مختبرات خارجية عند تعذُّر إجراء التحاليل محلياً.

وازدادت المخاوف في غرب البلاد مع إعلان الشرطة الزراعية، السبت، تسجيل إصابة مؤكدة في قطيع أغنام بمنطقة العمامرة التابعة لبلدية مسلاتة، أسفرت عن نفوق 4 رؤوس وإصابة 86 أخرى، عقب بلاغ من أحد المربين، ومعاينة ميدانية أجراها أطباء بيطريون.

وزير الزراعة والثروة الحيوانية في غرب ليبيا عبد اللطيف الطاهر خلال تفقُّد مقر المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي الأسبوع الماضي (صفحة الوزارة)

وتزامن ذلك مع تصعيد الإجراءات الاحترازية؛ إذ أغلقت بلديات قصر بن غشير والعجيلات وبني وليد أسواق المواشي، وفرضت قيوداً على دخول الحيوانات واللحوم القادمة من المناطق المشتبه بإصابتها، للحد من انتقال العدوى.

كما كثَّف مسؤولون زراعيون، نهاية الأسبوع الماضي، حملات التفتيش في أسواق المواشي بمدن سوق الخميس أمسيحل والأصابعة وغريان، بينما تعاملت الفرق البيطرية في زليتن مع حالات اشتباه، عبر سحب عينات من عدد من المواشي، بينما خلصت لجنة مشتركة في بئر الغنم إلى عدم تسجيل أي إصابات.

وفي شرق البلاد، أعلنت السلطات البيطرية في البيضاء الاشتباه بإصابة قطعان أغنام في منطقتي قندولة ومراوة، بعد ظهور أعراض شملت العَرَج وتقرحات الفم واللسان وحالات نفوق. وسحبت فرق الصحة الحيوانية عينات لإخضاعها للفحوصات المخبرية لتحديد طبيعة الفيروس، واتخاذ التدابير اللازمة لاحتوائه.

وأطلق نقيب المهن الطبية البيطرية بمدينة المرج، الدكتور مروان العسبلي، تحذيراً من خطورة الحمى القلاعية؛ مشيراً إلى أنها تتميز بسرعة انتشارها وقدرتها على الانتقال عبر الهواء لمسافات بعيدة، فضلاً عن انتقالها بواسطة المعدات، ووسائل النقل والأشخاص المتنقلين بين الحظائر. وأوضح في تصريحات سابقة لوكالة «الأنباء الليبية» (وال) أن «المرض رغم انخفاض معدلات نفوقه بين الحيوانات البالغة، يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تراجع إنتاج الحليب والإجهاض والهزال، بينما ترتفع معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول إلى ما بين 50 و70 في المائة، بسبب إصابة عضلة القلب».

ويتكرر ظهور مرض الحمى القلاعية في ليبيا منذ سنوات، وتقابله في كل مرة إجراءات من جانب السلطات في شرق البلاد وغربها، غير أن الشريف يعزو تكرار موجات التفشي إلى تأثير محتمل لتداعيات الانقسام السياسي. ويوضح أن «نقص الإمكانات، وعدم انتظام وصول اللقاحات في مواعيدها، والخلل في تنفيذ برامج التحصين، كلها عوامل أسهمت في زيادة انتشار المرض»، مبرزاً أن «الصراعات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة أدت أيضاً إلى توسع استيراد المواشي واللحوم، في ظل ضعف بعض مؤسسات الدولة، الذي ربما ساهم في دخول بؤر جديدة للمرض، وجعل الحمى القلاعية تظهر بصورة شبه سنوية».

من عمليات الكشف على أغنام في أحد المزارع بغرب ليبيا (الشرطة الزراعية)

لكن تكرار ظهور المرض لا يعود -حسب الشريف- إلى سنوات الانقسام وحدها، وأوضح في هذا السياق أن ليبيا شهدت منذ ثمانينات القرن الماضي بؤراً متفرقة للمرض في الشرق والغرب، وكانت الإصابات تظهر كل 5 سنوات تقريباً، قبل أن يتم احتواؤها عبر «التطعيم الحلقي»، الذي يعتمد على التخلص من الحيوانات المصابة، وتحصين المواشي في نطاق البؤرة؛ مشيراً إلى أن آخر حملة تطعيم شاملة على مستوى ليبيا نُفذت عام 2013، قبل أن ترتفع وتيرة الإصابات بين عامي 2015 و2019، لتتحول من موجات متباعدة إلى حالات تفشٍّ شبه سنوية.

ويُعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى بين الحيوانات ذات الظلف المشقوق، مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويسبب ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتقرحات بالفم والحوافر تؤدي إلى العَرَج وانخفاض إنتاج الحليب، وينتقل عبر المخالطة المباشرة والهواء والأدوات الملوثة، بينما تظل إصابة الإنسان به نادرة.

ويوصي متخصصون بالالتزام ببرامج التحصين الدورية، وتطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر، وفرض الحجر الصحي على الحيوانات الجديدة، والتخلص الآمن من الحيوانات النافقة. كما أكد العسبلي أن الإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها يمثل أحد أهم عوامل احتواء المرض.

غير أن مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة شدد على أن القضاء على الحمى القلاعية بصورة نهائية «لا يرتبط فقط بالإجراءات البيطرية؛ بل يتطلب معالجة جذور الأزمة، عبر استعادة مؤسسات الدولة قدراتها، وضمان انتظام برامج التحصين، وتشديد الرقابة على حركة استيراد المواشي».


حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
TT

حبس متهمين اثنين في وقائع تسريب امتحانات بـ«الثانوية» المصرية

إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)
إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)

أكّدت النيابة المصرية، الجمعة، أنها سوف «تتصدى بكل حسم لأي محاولة للمساس بنزاهة امتحانات الثانوية (وهي الشهادة المؤهلة للجامعات) أو الإخلال بسير العملية التعليمية».

وأفادت بأنها تلقت عدة بلاغات ومحاضر من الجهات المختصة، تضمنت رصد وقائع لتسريب ونشر أسئلة وإجابات امتحانات «الثانوية العامة» و«الثانوية الأزهرية» عبر تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات لتسهيل الغشّ داخل لجان الامتحانات وخارجها، وذلك في وقائع ارتكبت بعدد من المحافظات.

وخلال السنوات الماضية، تمكَّنت «غروبات للغش» عبر تطبيقات عدة، من بينها «تلغرام»، من نشر أوراق امتحانات الثانوية العامة خلال خوضها أو قبلها، وأعلنت وزارة التربية والتعليم حينها إحالة عدد من الطلاب للتحقيق.

وقالت «النيابة»، في بيان لها، مساء الجمعة، إنها باشرت التحقيقات، وكان من بينها «واقعة رصد قيام أحد الطلاب بإنشاء وإدارة مجموعات عبر تطبيق (واتساب) لنشر أسئلة وإجابات امتحاني مادتين بالثانوية الأزهرية حال انعقاد لجان الامتحان».

وتابعت: «تم إصدار إذن بضبط الطالب وتفتيشه، حيث ضبط وبحوزته الهاتف المحمول المستخدم في الواقعة، وبفحصه تبين احتواؤه على المجموعات محل النشر، كما قرر المختصون بالأزهر أن الأسئلة والإجابات المضبوطة تخص امتحانات العام الدراسي الحالي».

وبحسب «النيابة»، تم استجواب المتهم، وتقرر حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات، والتحفظ على الهاتف المحمول وفحص محتواه الرقمي.

وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال متابعة سير امتحانات الثانوية العامة (صفحة وزارة التعليم على «فيسبوك»)

ووجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بـ«تشديد العقوبات المُوقعة على من يثبت تورطهم في الغش في امتحانات الثانوية العامة».

ويخوض أكثر من 900 ألف طالب امتحانات الثانوية العامة هذا العام. كما يبلغ إجمالي أعداد الطلاب الذين تقدموا لـ«الثانوية الأزهرية» هذا العام 163 ألفاً و677 طالباً وطالبة.

كما أضافت «النيابة المصرية»، في بيانها، أنها باشرت التحقيق في واقعة ضبط أحد الأشخاص أعلى كوبري ملاصق لإحدى لجان امتحانات الثانوية العامة بمنطقة العجوزة (محافظة الجيزة) حال حيازته هاتفاً محمولاً فيه سماعة.

وذكرت أنه «بمواجهته أقرّ بحصوله على الأسئلة عبر تطبيق (تلغرام)، فتم استجوابه، وتقرر حبسه احتياطياً، والتحفظ على هاتفه المحمول لفحصه، وجارٍ استكمال التحقيقات في سائر الوقائع».

القائم بأعمال وكيل الأزهر أيمن عبد الغني خلال متابعات امتحانات الثانوية الأزهرية (المركز الإعلامي للأزهر)

وشدّد وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف خلال متابعته سير امتحانات الثانوية العامة من داخل «غرفة العمليات المركزية» بالوزارة أخيراً على «ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات تفتيش الطلاب بدقة وحزم، ومراجعة اللجان من الداخل قبل بدء الامتحان، والتأكد من خلوها تماماً من أي وسائل أو أدوات قد تُستخدم للإخلال بأعمال الامتحانات».

وتواجه وزارة التعليم المصرية انتقادات متكررة نتيجة استمرار وقائع الغش، ولم تعلن الوزارة خلال امتحانات العام الماضي أعداد الطلاب الذين جرى ضبطهم بتهمة «التسريب»، غير أنها أعلنت في امتحانات الثانوية العامة عام 2024 «إحالة 425 طالباً إلى جهات التحقيق بسبب مخالفة قانون أعمال الامتحانات، بعد أن تم إجراء محاضر غش لهم».