عام على «حرب غزة»... «مسار مُعقد» لجهود الوسطاء يترقب انفراجة

فلسطينية تبكي على مقتل أقربائها في غارة إسرائيلية بالفلوجة شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي على مقتل أقربائها في غارة إسرائيلية بالفلوجة شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

عام على «حرب غزة»... «مسار مُعقد» لجهود الوسطاء يترقب انفراجة

فلسطينية تبكي على مقتل أقربائها في غارة إسرائيلية بالفلوجة شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي على مقتل أقربائها في غارة إسرائيلية بالفلوجة شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

عقبات عديدة على مدار عام حاصرت جهود الوسطاء خلال مساعيهم لوقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء أطول حرب بين إسرائيل و«حماس» التي بدأت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ولا تزال مستمرة، وسط ترقب لانفراجة تنهي الأزمة التي طالت شظاياها دول أخرى في المنطقة، ومخاوف من اتساعها لحرب إقليمية.

الوساطة التي بدأت مع الساعات الأولى للحرب، تراوح مكانها منذ عدة أسابيع مع استمرار «التعنت الإسرائيلي»، ورغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في استمرار الحرب التي حوّلت مساحات شاسعة من القطاع الفلسطيني المحاصر إلى ركام.

وبحسب رصد «الشرق الأوسط» واجهت جهود الوسطاء عدة «تعقيدات» على مدار العام أبرزها، تمسك «حماس» في الأشهر الأولى من المفاوضات بوقف دائم لإطلاق النار، بجانب إصرار نتنياهو على السيطرة على «محور فيلادليفا» والجانب الفلسطيني من معبر رفح المتاخمين لحدود مصر بخلاف الرغبة المصرية، فضلاً على وضع شروط بخصوص عودة النازحين من الجنوب للشمال لم تقبلها «حماس».

تلك العقبات التي لم تحلها 4 مقترحات رئيسية قدمها الوسطاء على مدار عام، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قادت إلى «مسار معقد» بسبب تراخٍ أميركي في الضغط على نتنياهو. وتوقع الخبراء أن تستمر الأزمة بانتظار ما ستؤول إليه نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

دبابة إسرائيلية تعمل بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)

وبعد أن تسلمت إسرائيل 109 من رهائن كانوا لدى «حماس» بموجب هدنة أبرمها الوسطاء في 24 نوفمبر 2024 استمرت أسبوعاً، قلب نتنياهو الطاولة وعاد للحرب، «وكان كلما يقترب (الوسطاء) من اتفاق في غزة يواجهون سياسات إسرائيلية استفزازية لا تستهدف سوى مزيد من التصعيد»، وفق تصريحات صحافية لوزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، قبل شهر.

ومع قرب إبرام اتفاق تهدئة ثانٍ خلال محادثات شهدتها باريس في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، رفض نتنياهو الاتفاق بدعوى «وجود فجوات كبيرة» لم يحددها، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية وقتها، قبل أن يعتبر مطالب «حماس» «وهمية وغير جادة في حل وسط»، وذلك عقب مفاوضات استضافتها القاهرة في 13 فبراير (شباط) الماضي. كما لم تسفر محادثات «باريس 2» في نهاية فبراير الماضي، عن جديد، مع حديث إذاعة الجيش الإسرائيلي عن أن «(حماس) بعيدة عما ترغب إسرائيل بقبوله»، وكذلك لم تصل مفاوضات بالدوحة في 18 مارس (آذار) الماضي، لانفراجة، وتكرر التعثر في محادثات القاهرة في 7 أبريل (نيسان) 2024، مع تمسك «حماس» بوقف إطلاق دائم لإطلاق النار قبل إبرام أي تهدئة.

وباعتقاد الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، فإن «نتنياهو كان واضحاً منذ الشهور الأولى، في عرقلة المفاوضات تحت أي ذريعة، غير عابئ بوساطة واشنطن»، لافتاً إلى أن عدم الضغط الحقيقي من إدارة بايدن شجعه على الاستمرار في إشعال الحرب.

رد فعل فتاة فلسطينية بعد غارة إسرائيلية على مدرسة تؤوي نازحين قرب مخيم جباليا (أ.ف.ب)

ويتفق معه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، والمحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، قائلاً: «ما أوصلنا لهذا المسار المعقد، هو التراخي الأميركي في الضغط على نتنياهو، الذي حرص على مواصلة الحرب لضمان البقاء السياسي، مما جعل التوصل لاتفاق صعباً، لا سيما بالأشهر الأولى».

وكان مايو (أيار) الماضي الأقرب لإبرام اتفاق، مع طرح الوسيط المصري مقترحاً يفضي لوقف دائم لإطلاق النار، غير أن نتنياهو هدد باجتياح رفح الفلسطينية، ومع قبول «حماس» بالمقترح المصري في الـ6 من الشهر ذاته، وحديث الرئاسة المصرية عن «تطورات إيجابية»، نفذ نتنياهو تهديده، واتهمته الدوحة في 14 من الشهر ذاته بـ«إدخال المفاوضات في طريق مسدود».

وعاد مسار المفاوضات سريعاً في 31 مايو الماضي بإعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عن خريطة طريق لوقف كامل وتام لإطلاق النار، وسط ترحيب من «حماس»، وتمسك نتنياهو باستمرار الحرب.

وتحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في أغسطس (آب) الماضي، عن أنها اطلعت على وثائق غير منشورة تظهر أن نتنياهو «يعرقل المفاوضات ووضع شروطاً جديدة قبل انعقاد محادثات روما، منها السيطرة على (محور فيلادلفيا)»، بينما نفى مكتب نتنياهو ذلك، وأرسل وفداً في محادثات استضافتها الدوحة في 16 من الشهر ذاته، أسفرت عن تقديم واشنطن مقترحاً جديداً بهدف سد الفجوات المتبقية، على أن تبحث في جولة بالقاهرة، ولم تذهب هي الأخرى لانفراجة.

دخان يتصاعد خلال عملية عسكرية إسرائيلية على مخيم نور شمس للاجئين بالقرب من مدينة طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

وكانت تلك الشهور الأخرى، بحسب أنور، «دليلاً جديداً للتأكيد على مواصلة حكومة نتنياهو إفساد المفاوضات وانتهاج سياسة حافة الهاوية»، و«نتيجة تلك السياسة الإسرائيلية، تزايدت العقبات أمام التوصل لاتفاق»، وفق الرقب.

وأمام كل هذه المعوقات كان الدوران المصري والقطري بالمقابل يتمسكان باستمرار المفاوضات، وفق تأكيد وزير الخارجية المصري، في كلمة بالأمم المتحدة أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، وفي تصريحات صحافية لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قبل أيام.

هذا التمسك بمواصلة المفاوضات، لا سيما من الوسيطين المصري والقطري، يعني أن «هناك ترقباً لانفراجة قد تأتي مع رفض جبهة لبنان فصل غزة عن أي اتفاق أو تسوية قد تتم، ومع تزايد الضغوط على نتنياهو لمنع اتساع الحرب»، بحسب أنور، الذي أشار إلى أن «فرص الانفراجة الكبرى ستكون بعد انتهاء الانتخابات الأميركية».

في المقابل، يعتقد الرقب أن فرص عقد اتفاق بغزة قبل الانتخابات الأميركية لا تتجاوز 10 في المائة، مع سعي نتنياهو للبقاء في «محور فيلادلفيا»، مرجحاً أن «تستمر الحرب عاماً جديداً حتى لو وصل رئيس أميركي جديد للحكم».


مقالات ذات صلة

«حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

«حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة فلسطينيين قُتلوا في غارة إسرائيلية وفق مُسعفين بمستشفى الشفاء بمدينة غزة (رويترز)

مقتل مُسعف فلسطيني في غارة إسرائيلية على شمال غزة

قُتل مُسعف فلسطيني وأُصيبت مواطنة، اليوم الأربعاء، بقصف ورصاص القوات الإسرائيلية على شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لإياد أحمد عبد الرحمن شمبري

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، اليوم الأربعاء، مقتل إياد أحمد عبد الرحمن شمبري، رئيس قسم العمليات في الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يسعون للحصول على ماء في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل المقترح الجديد بشأن غزة

حصلت «الشرق الأوسط»، على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام» بشأن قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».


ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

يترقب ليبيون بتوجس واهتمام متزايد تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية، ورصد «الجيش الوطني الليبي» وجود قيادي مسلح يقود عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن وُجد في الجنوب الليبي قبل فراره من ليبيا منذ سنوات.

القيادي المسلح في أحد التنظيمات المتطرفة إيلا أق عبد الرحمن متحدثاً في تسجيل مصور منسوب له في مالي (الشرق الأوسط)

ويأتي هذا الترقب وسط تحذيرات من تنامي التهديدات الأمنية المقبلة من منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نفوذ تحالفات تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة، من بينها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تبنت أخيراً هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية.

وقال مصدر عسكري بارز، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في مالي يثير القلق باعتبارها جزءاً من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنياً بالجنوب الليبي، ما يجعل أي تصعيد هناك مصدر تهديد محتمل، خصوصاً مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية».

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن «المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف، في ظل رصد وجود عنصر شارك في المعارك داخل مالي سبق أن وجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية». مشيراً إلى أن «أحد قادة الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان موجوداً سابقاً في مدينة أوباري بالجنوب الليبي».

وتلقت «الشرق الأوسط» تسجيلاً مصوراً منسوباً إلى القيادي المشار إليه، يظهر فيه معلناً تحقيق «انتصار» على من وصفهم بـ«الطواغيت» في منطقة كيدال شمال مالي.

خالد حفتر في لقاء مع قيادة عسكرية في الجنوب الليبي بمدينة سبها يوم الخميس الماضي (إعلام القيادة العام)

وكان «الجيش الوطني الليبي» قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية، استهدفت عناصر تابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في الجنوب الليبي، ضمن نطاق شمل سبها وغدوة وأوباري، وأم الأرانب ومرزق، وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة، عقب تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.

ولا تتباين كثيراً تقديرات عسكريين ومحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.

ورأى المصدر العسكري ذاته أن التطورات الأخيرة في مالي «تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود»، مشيراً إلى «وجود تمويل بطرق غير مشروعة يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة»، ولافتاً إلى أن تلك الجماعات تطلق على هذه الموارد تسمية «بيت المال ليبيا».

كما أكد المصدر وجود «تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل»، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية، التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.

من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، فيما يعرف بـ«مثلث السلفادور» على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد، موضحاً أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.

وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا عبد الهادي الحويج (صفحة الوزارة)

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية، وهو ما عكسه الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية في شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، مع نظيره المالي عقب الهجوم، الذي استهدف مدينة كاتي، أحد أبرز معاقل المجلس العسكري. وأكد الحويج وقوف بلاده إلى جانب الشعب المالي، ودعم الجهود الإقليمية والدولية، الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011. وفي هذا السياق قال السياسي الليبي موسى إبراهيم إن ما تشهده مالي يعد من «تداعيات سقوط الدولة الليبية»، معتبراً أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.

أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلاً إن «مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي، وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي»، مضيفاً أن الجنوب الليبي يشهد حالياً «سيناريو مشابهاً عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة».

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. وقال المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة إن ما يجري في مالي والنيجر «لم يعد بعيداً عن ليبيا»، معتبراً أن منطقة الساحل تتحول تدريجياً إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي، خصوصاً في الجنوب، عبر شبكات التهريب، وتدفقات السلاح والهجرة غير النظامية، وتحركات المقاتلين.

وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر، إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية، مؤكداً أن «قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد».


الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة. وقبيل زيارة تستغرق يومين إلى العاصمة المغربية الرباط، قال فاديفول، اليوم (الأربعاء)، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، إن المغرب يعد بالفعل ثاني أكبر شريك تجاري لألمانيا في القارة الأفريقية، مضيفاً: «لا تزال هناك إمكانات نمو كبيرة، لا سيما في علاقاتنا الاقتصادية، وتحديداً في مجالات الطاقة المتجددة، والمواد الخام المهمة، أو في ملف الهيدروجين».

كما أشار فاديفول، الذي يرافقه وفد اقتصادي وأعضاء من البرلمان الألماني، إلى أن الكوادر الفنية المغربية «تمثل ركيزة قيمة» في قطاعي الصحة والرعاية الطبية في ألمانيا.

وبمناسبة حلول الذكرى السنوية السبعين لإقامة علاقات ثنائية بين البلدين هذا العام، قال الوزير المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي، إن المغرب «يعد شريكاً محورياً بالنسبة لألمانيا، باعتباره جسراً مهماً بين القارتين الأوروبية والأفريقية»، مشيراً إلى أن البلدين يجمعهما العمل من أجل إيجاد نظام دولي، قائم على القواعد، تكون الأمم المتحدة في القلب منه.

وكان فاديفول قد عاد لتوه صباحاً من زيارة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وبحسب فاديفول، يتضمن الحوار الاستراتيجي مع نظيره ناصر بوريطة مجموعة واسعة من القضايا الدولية. وصرح فاديفول بأن المغرب أبدى استعداده للمشاركة في تنفيذ خطة النقاط العشرين الخاصة بقطاع غزة، والإسهام في قوة أمنية دولية.

كما قال فاديفول إن بلاده تتقاسم مع المغرب هدف تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل للحد من أسباب الأزمات واللجوء هناك. وكانت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد وافقت في نهاية فبراير (شباط) الماضي على تعديل قانوني، يسهل على ألمانيا ودول أخرى في التكتل ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة تصنف بأنها دول آمنة، وذلك اعتباراً من شهر يونيو (حزيران) المقبل، حتى وإن لم تكن للمهاجرين صلة سابقة بها.

وصنف الاتحاد الأوروبي دول المغرب وتونس ومصر من شمال أفريقيا، بالإضافة إلى كوسوفو وكولومبيا والهند وبنغلاديش، بأنها أوطان آمنة.

يذكر أن الحوار الاستراتيجي بين ألمانيا والمغرب يعقد كل سنتين على مستوى وزيري الخارجية؛ حيث يتم تناول القضايا الثنائية والدولية. وكانت آخر نسخة من هذا الحوار أقيمت في برلين في يونيو 2024، حين حل وزير الخارجية المغربي ضيفاً على العاصمة الألمانية.

وتشمل المواضيع المهمة الأخرى على جدول أعمال الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وفق «الخارجية» الألمانية، التعاون في مجالات هجرة اليد العاملة المؤهلة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب.