هل نفد صبر المجتمع الدولي من عبثية حرب السودان بعد بيان بايدن الأخير؟

خبراء: الرئيس الأميركي وضع الحرب المنسية على قمة هموم العالم

الرئيس الأميركي جو بايدن متحدثاً إلى وسائل الإعلام أمام البيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن متحدثاً إلى وسائل الإعلام أمام البيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

هل نفد صبر المجتمع الدولي من عبثية حرب السودان بعد بيان بايدن الأخير؟

الرئيس الأميركي جو بايدن متحدثاً إلى وسائل الإعلام أمام البيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي جو بايدن متحدثاً إلى وسائل الإعلام أمام البيت الأبيض (إ.ب.أ)

في تطوُّر لافت وجديد، ألقى الرئيس الأميركي جو بايدن بثقله السياسي والدبلوماسي على ملف الحرب السودانية، ووصفها بأنها «حرب فارغة من المعنى، أدت لأسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بعد أن كان الملف بيد وزارة الخارجية و«المبعوثين»... ومع أن بايدن لم يشهر صراحة «العصا الغليظة»، ولم يقدم أي «جزرة»، بل توعّد بـ«عقوبات» جديدة، فإن المراقبين عدّوا بيانه تعبيراً عن «نفاد صبر المجتمع الدولي» من «حرب الجنرالين» (عبد الفتاح البرهان، ومحمد حمدان دقلو)، وتزايد مخاوفه من تطور تأثيراتها لتطال الحدود الإقليمية والدولية.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

وصف بايدن الأزمة السودانية بأنها «حرب فارغة من المعنى» نتجت عنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، شرّدت الملايين، وعرّضت النساء للانتهاكات الجنسية، وتسببت في المجاعة في دارفور، وأدخلت ملايين السودانيين تحت جائحة انعدام الأمن الغذائي.

وحمّل طرفي الحرب المسؤولية عن معاناة السودانيين، ودعاهما لسحب قواتهما، وتسهيل الوصول الإنساني للمساعدات واستئناف المفاوضات، والكف عن الهجمات التي تؤذي المدنيين والقصف الجوي العشوائي الذي يُدمر حياة المدنيين وبنية البلد التحتية.

وأكد بايدن، وقوف بلاده إلى «جانب الشعب السوداني، وعدم التخلّي عن حقه في الحرية والسلام والعدالة»، ودعا الأطراف المعنية إلى وضع حد للعنف والكف عن تغذية النزاع، وتوعدها «بممارسة مزيد من الضغوط من أجل السلام، ومحاسبة الفاعلين في إدامة العنف».

وأشار بايدن إلى جهود إدارته في حشد الشركاء لإنهاء الأعمال العدائية، وإسماع صوت المجتمع المدني عبر «التحالف من أجل تعزيز إنقاذ الأرواح والسلام في السودان»، وهدّد بفرض عقوبات جديدة تضاف للعقوبات السابقة التي فرضتها وزارة الخزانة على 16 كياناً وفرداً ضالعين في الصراع والانتهاكات.

متطوعون يوزّعون الطعام بالعاصمة السودانية في سبتمبر من العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

وتفسيراً لظهور بايدن في ملف الحرب السودانية، يقول المراقب والمحلل السياسي، أنس الطيب الحامدي، في إفادة لـ«الشرق الأوسط» إن كلاً من وزير الخارجية أنتوني بلينكن والمبعوث الأميركي الخاص للسودان توم بيريلليو، وسفيرة واشنطن في الأمم المتحدة ليندا توماس، إلى جانب المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، سيندي ماكين، كانوا يتصدرون مشهد الحرب السودانية.

وتوقّع الحامدي أن يعقب ظهور بايدن، «اللجوء لأدوات جديدة في التعامل مع الملف السوداني عبر قرارات قد تصدر من مجلس الأمن الدولي، أو من خارجه، حال تعطيل روسيا لهذه الخيارات». وتابع: «تفيد التقارير بأن روسيا تتعاون مع طرفي الصراع مباشرة: مع الجيش، وعبر الفيلق الروسي الأفريقي، مع (قوات الدعم السريع)».

ومن بين الخيارات التي يرى الحامدي أن الإدارة الأميركية والغرب عموماً قد تلجأ لها، هي «مواصلة فرض العقوبات، وعند نفاد صبرها ستوسع دائرتها، لتشمل القائد العام للجيش، وقائد (قوات الدعم السريع)، بوصفها خطوة أخيرة قبل الانتقال من خيار التفاوض لخيارات أخرى».

واستناداً إلى ما سمّاه الحامدي إجماع الدول التي زارها طرفا الحرب، على التفاوض، بما فيها الصين، والجزائر، ومصر، فإن الخيارات الأميركية «قد تشمل تشكيل قوة دولية لحماية المدنيين وللفصل بين القوات، أو ربما تشمل تدخلاً عسكرياً محدوداً من الجو والبحر، خارج سلطة مجلس الأمن».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري أُقيم بمناسبة يوم الجيش في القضارف 14 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وعَدّ الحامدي بيان الرئيس الأميركي «رسالة قوية لأطراف الحرب، فحواها: لدينا خيارات متعددة، ولسنا بحيلة واحدة»، مشيراً إلى ما سمَّاه اتجاهاً عاماً في مجلس الأمن بعدم اللجوء للبند السابع، وقال: «الأمور في السودان تسير للأسوأ، وبشكل كارثي ودراماتيكي سياسياً وإنسانياً، ما قد يدفع العالم للتدخل لإنقاذه عبر التفاوض، لكن قد يتطور الموقف لمناقشة الخيارات الأخرى».

وعَدّ الحامدي ما نقلته صحيفة «بوليتكو» الأميركية عن جولة مفاوضات جديدة تعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وبرعاية أميركية، خطوة مهمة لإعادة إحياء محادثات السلام المتعثرة، وأشار لدور القوى المدنية في الجولة، بقوله: «دور القوى المدنية الداعمة لوقف الحرب، والتحوُّل المدني الديمقراطي في السودان، محوري، ويجب عدم إغفاله، لا سيما دور تنسيقية القوى المدنية (تقدم)، التي عليها التواصل مع أطراف النزاع».

ويرى الحامدي، أن ظهور الرئيس بايدن بعد انسحابه من السباق الرئاسي، في الشأن السوداني بهذه القوة، «يعطي انطباعاً بنفاد صبر المجتمع الدولي من الحرب العبثية، وبربرية أطراف النزاع الرئيسيين الجيش و(الدعم السريع)، والثانويين الممثلين في حزب (المؤتمر الوطني) وواجهاته، وبعض الحركات المسلحة المنخرطة في الحرب».

شارع يحمل آثار الدمار في أم درمان - السودان 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

وتتناغم إشارة الحامدي إلى «أدوات جديدة» قد تلجأ لها الإدارة، مع تصريحات عرضية للمبعوث الأميركي بيريلليو وردت في إفادة صحافية الثلاثاء، وأشار فيها إلى «صعوبة استخدام مجلس الأمن للتدخل في السودان تحت البند السابع» قائلاً: «الفضاء المتاح لاستخدام البند السابع محدود جداً؛ لذلك يجب التركيز الآن على حماية المدنيين وإيصال المساعدات».

وبدوره، قال المحلل السياسي الجميل الفاضل: «إن توجيه رئيس الولايات المتحدة بعبارات قاطعة دعوة مباشرة وصريحة لطرفي الحرب لوقف الأعمال العدائية، والانخراط في التفاوض للوصول لسلام، مع دعوته للجيش و(قوات الدعم السريع) للانسحاب من الفاشر، أمر لافت، يحدث للمرة الأولى».

ويرى الفاضل في حرص بايدن على تحميل طرفي القتال المسؤولية عن الآثار المترتبة على الحرب دون تمييز، «تأكيداً للموقف الأميركي من الجيش بصفته جيشاً وليس ممثلاً لحكومة شرعية معترف بها». ويتابع: «بيان البيت الأبيض شدد علي محاسبة جھات فاعلة لم يسمھا، تحاول إدامة العنف، وهذه إشارة ذات مغزى تتسق مع توجيه مبعوثه توم بيريلليو أصابع الاتهام لحزب (المؤتمر الوطني)، الذراع السياسية للإخوان المسلمين في السودان، بعرقلة انخراط الجيش في مفاوضات جنيف».

جانب من لقاءات جنيف لوقف الحرب بالسودان (حساب المبعوث الأميركي للسودان على «إكس»)

وفي إشارة لتعهد بايدن بعدم تخلي بلاده عن «التزامها تجاه شعب السودان»، ووضع حد لأعمال العنف والكف عن تغذية النزاع، قال الفاضل متسائلاً: «كيف يمكن للولايات المتحدة أن تنفذ مثل هذا التعهد، وهل ستكتفي بإطلاق المناشدات والدعوات». بيد أنه عاد ليؤكد «أن دخول أرفع مسؤول أميركي على خط الأزمة في السودان يعد نقلة كبيرة في الاهتمام بالحرب، وخطوة باتجاه حل أزمة ما عرفت بالحرب المنسية».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: عمال الإغاثة الذين قُتلوا في 2024 أعلى من أي عام آخر

الولايات المتحدة​ مسعفون من جمعية «الهلال الأحمر الفلسطيني» ومتطوعون في الفريق الوطني للاستجابة للكوارث (أ.ب)

الأمم المتحدة: عمال الإغاثة الذين قُتلوا في 2024 أعلى من أي عام آخر

أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عدد عمال الإغاثة والرعاية الصحية الذين قُتلوا في 2024 أعلى من أي عام آخر، بحسب «أسوشييتد برس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا سودانيون فارُّون من منطقة الجزيرة السودانية يصلون إلى مخيم للنازحين في مدينة القضارف شرق البلاد 31 أكتوبر (أ.ف.ب)

مقتل العشرات في هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بولاية الجزيرة

مقتل العشرات في هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بولاية الجزيرة، فيما تعتزم الحكومة الألمانية دعم مشروع لدمج وتوطين اللاجئين السودانيين في تشاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا النيران تلتهم سوقاً للماشية نتيجة معارك سابقة في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (أ.ف.ب)

السودان: توغل «الدعم السريع» في النيل الأزرق والجيش يستعيد بلدة

تشير أنباء متداولة إلى أن الجيش أحرز تقدماً كبيراً نحو مدينة سنجة التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، يونيو (حزيران) الماضي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عائلة تستريح بعد مغادرة جزيرة توتي التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في أم درمان بالسودان يوم 10 نوفمبر 2024 (رويترز)

السودان: 40 قتيلاً في هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بولاية الجزيرة

أفاد طبيب بمقتل 40 شخصاً «بالرصاص» في السودان، بهجوم شنّه عناصر من «قوات الدعم السريع» على قرية بولاية الجزيرة وسط البلاد.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يخاطب حضور مؤتمر اقتصادي في مدينة بورتسودان اليوم الثلاثاء (الجيش السوداني)

البرهان عن صراعات حزب البشير: لن نقبل ما يُهدد وحدة السودان

أعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان رفضه للصراعات داخل حزب «المؤتمر الوطني» (المحلول) الذي كان يقوده الرئيس السابق عمر البشير.

أحمد يونس (كمبالا)

المغرب: تفكيك خلية لـ«داعش» في عملية مشتركة مع إسبانيا

عناصر من الأمن المغربي في عملية أمنية سابقة (أ.ف.ب)
عناصر من الأمن المغربي في عملية أمنية سابقة (أ.ف.ب)
TT

المغرب: تفكيك خلية لـ«داعش» في عملية مشتركة مع إسبانيا

عناصر من الأمن المغربي في عملية أمنية سابقة (أ.ف.ب)
عناصر من الأمن المغربي في عملية أمنية سابقة (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الجمعة، تفكيك خلية مسلحة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل، في عملية أمنية مشتركة مع الأجهزة الإسبانية، موضحة أنها تتكوّن من تسعة عناصر، من بينهم ثلاثة ينشطون في المغرب، وستة آخرون ينشطون في مدن إسبانية.

وذكر بيان للمكتب المركزي المغربي للأبحاث القضائية أن التحريات الأولية أظهرت أن المشتبه فيهم كانوا يروّجون للفكر «الداعشي»، ويعقدون لقاءات في إطار التخطيط والتنسيق للقيام بأعمال إرهابية باسم التنظيم، قبل الالتحاق بصفوفه في منطقة الساحل جنوب الصحراء، مضيفاً أن عمليات التفتيش المنجزة بمنازل المشتبه فيهم مكّنت السلطات من حجز أسلحة ومعدات إلكترونية، سيتم إخضاعها للخبرات الرقمية اللازمة، ومؤكداً أن البحث جارٍ لتحديد الارتباطات الداخلية والخارجية لهذه الخلية.

من جهتها، ذكرت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في بيان نشرته «وكالة المغرب العربي للأنباء»، أن الخلية تتكوّن من تسعة عناصر، تنشط في تطوان والفنيدق ومدريد وإبيزا وسبتة، موضحاً أن التحريات أظهرت أن المشتبه فيهم «كانوا يروّجون للفكر (الداعشي)، ويعقدون لقاءات بسبتة وتطوان في إطار التخطيط والتنسيق للقيام بأعمال إرهابية».

وأضاف المصدر ذاته أن التحريات الأولية المنجزة أظهرت أن بعض المشتبه فيهم معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب بإسبانيا، وكانوا يروّجون للفكر «الداعشي»، ويعقدون لقاءات في إطار التخطيط للقيام بأعمال إرهابية باسم «داعش». وقد تم وضع الأشخاص الموقوفين بتطوان والفنيدق رهن الحراسة النظرية، تحت إشراف النيابة العامة المختصة المكلفة قضايا الإرهاب والتطرّف، وذلك للوقوف على ارتباطاتهم الداخلية والخارجية، وكذا تحديد مستوى تورّطهم في إطار المشروعات الإرهابية المخطط لها من طرف أعضاء هذه الخلية.

وأشار البلاغ إلى أن هذه العملية المشتركة تندرج في إطار التنسيق الأمني المتواصل والمتميّز بين الأجهزة الأمنية المغربية ونظيرتها الإسبانية، لصد التهديدات الإرهابية التي تحدق بأمن المملكتين.

وتأتي هذه العملية بعد أيام قليلة من إصدار غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف في الرباط، حكمها في حق أفراد خلية إرهابية أخرى، تم تفكيكها بمدينتي تزنيت وسيدي سليمان من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في 14 من مايو (أيار) الماضي.

وحكمت هيئة المحكمة بما مجموعه 29 سنة سجناً نافذاً على الخلية المكوّنة من أربعة أفراد، بعد إدانتهم بتهم متعلقة بالإرهاب، والتحريض على التمييز والكراهية بين الأشخاص، وخرق ظهير التجمعات العمومية وظهير حق تأسيس الجمعيات.

وأدانت المحكمة المتهم الأول «أ.م» الذي جرى توقيفه بمدينة سيدي سليمان، بثماني سنوات سجناً نافذاً بعد إدانته بالإرهاب والتحريض على التمييز والكراهية بين الأشخاص، وهي العقوبة نفسها التي قضت بها في حق المتهم الثاني «أ.ه»، المُدان بجريمة الإرهاب والتحريض على التمييز والكراهية بين الأشخاص، وخرق ظهير التجمعات العمومية وظهير حق تأسيس الجمعيات؛ وذلك بعد توقيفه داخل مسكن وظيفي حيث يقطن بحي الوداديات بمدينة تزنيت.