معارضون يخشون عودة نموذج «التحالف الرئاسي» للمشهد السياسي في الجزائر

بعد إعلان أحزاب دعمها ترشّح الرئيس تبون لولاية ثانية

الرئيس تبون مع رئيس حركة مجتمع السلم (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون مع رئيس حركة مجتمع السلم (رئاسة الجمهورية)
TT

معارضون يخشون عودة نموذج «التحالف الرئاسي» للمشهد السياسي في الجزائر

الرئيس تبون مع رئيس حركة مجتمع السلم (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون مع رئيس حركة مجتمع السلم (رئاسة الجمهورية)

خلال اليومين الماضيين، كشفت أحزاب سياسيّة، تمثّل الأغلبية في البرلمان الجزائري، عن نيّتها دعم الرئيس عبد المجيد تبون لولاية جديدة، رغم أنه لم يُعلن بعد ترشّحه للانتخابات الرئاسيّة التي ستجرى في السابع من سبتمبر (أيلول) المقبل.

عدد من نواب المعارضة الإسلامية (البرلمان)

وكانت قيادات أحزاب الأغلبية الرئاسيّة، المُشكّلة من (جبهة التحرير الوطني) و(التجمع الوطنيّ الديمقراطيّ) و(حركة البناء الوطنيّ) و(جبهة المستقبل)، وجميعهم مؤيّدون لتبّون، قد اجتمعت يوم الخميس، وقرّرت التوافق على العمل تحت اسم (ائتلاف أحزاب الأغلبية من أجل الجزائر).

اجتماع أحزاب تكتل الإصلاح استعداداً للانتخابات (صورة تابعة لإعلام المجموعة الحزبية)

وتوقّع المستشار الإعلامي بلقاسم جير، القياديّ في التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، أن تتوافق الأحزاب الأربعة خلال الاجتماع المقبل في 30 من مايو (أيار) الحالي على الشخصيّة التي ستدعمها خلال انتخابات الرئاسة. وأبلغ مصدر قياديّ في الائتلاف وقتها «وكالة أنباء العالم العربي» أنّ الائتلاف تشكّل استعداداً لدعم مرشّح في الانتخابات (قد يكون) تبون إذا ترشّح لولاية جديدة».

وأمس الجمعة، أعلنت (حركة البناء الوطني) ذات التوجّه الإسلامي خلال اجتماع مجلس الشورى الوطني أنّها سترشّح تبّون للانتخابات المرتقبة؛ وذكرت في بيان أنّ هذا القرار جرت الموافقة عليه بالإجماع المُطلق.

غير أن هذه التطوّرات أثارت تخوّف المعارضة من عودة ما يُسمّى نموذج «التحالف الرئاسيّ» إلى المشهد السياسيّ في البلاد، في الوقت الذي طالب فيه معارضون بتحرير أوسع نطاقاً للحياة السياسيّة والفضاء الإعلاميّ.

* عودة للمرحلة «البوتفليقيّة»

يرى الناشط السياسيّ المُعارض سيف الإسلام بن عطيةّ أنّ هذا التحالف «لا يخدم شخص تبوّن، لما له من خلفيّة قريبة مرتبطة بالمرحلة البوتفليقيّة؛ لكنها ضرورة مرتبطة بالحفاظ على أدوات النظام». وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن «دعمهم (أحزاب الأغلبيّة) هو إصرار على الحفاظ على دورهم في النظام السياسيّ... فهذه الأحزاب لا تسعى للوصول إلى السُلطة وفق ما هو متعارف عليه». عادّاً أنّ الأحزاب السياسيّة في الجزائر «عبارة عن جمعيّات تُجمّل المشهد الديمقراطي المُفبرَك».

السكرتير الأول لحزب القوى الاشتراكية (حساب الحزب بالإعلام الاجتماعي)

وكانت (جبهة التحرير الوطني) و(التجمّع الوطني الديمقراطي) وحركة (مجتمع السلم) قد أعلنوا عام 2004 تشكيل تحالف رئاسيّ لدعم بوتفليقة للفوز بالولاية الرئاسيّة الثانية له، وظلوا يدعمونه حتّى تخلّت حركة (مجتمع السلم) عن التحالف الرئاسي في الفترة الرئاسية الرابعة للرئيس السابق، وتحولت إلى المعارضة، بعد تولي عبد الرزاق مقري رئاستها عام 2013.

ومنذ تولّي تبون الحكم بعد انتخابات 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، حاول الرئيس الجزائري فكّ الارتباط بالممارسات السياسية التي كانت خلال الولايات الأربع لبوتفليقة؛ لكن الأحزاب الأربعة التي فازت بغالبية مقاعد البرلمان ظلّت تدعم قرارات الرئيس.

* أربع فئات من الأحزاب

يرى بن عطيّة أنّ الأحزاب في الجزائر تنقسم إلى أربع فئات، أوّلها من وجهة نظره «أحزاب بدرجة أجهزة تابعة للسلطة، على رأسها جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ، وتُمثّل واجهة السلطة السياسيّة، التي يَحكم بها ولا تَحكُم، وتقبل بهذا الدور مقابل امتيازات كبرى لمنتسبيها».

الرئيس تبون لم يعلن بعد عن ترشحه لولاية رئاسية ثانية (الرئاسة)

ويصف الناشط السياسيّ المعارض الصِنف الثاني من الأحزاب بأنّه «أحزاب وظيفية... تسمح لها السلطة في إطار توافق معيّن بالقيام بأدوار معيّنة، وتمثّله التيّارات الإسلامويّة، التّي تُمثّل الوجه الناعم لتيّارات الإسلام السياسيّ، كما مثّلها أيضا جبهة القوى الاشتراكيّة بعد رحيل زعيمها حسين أيت أحمد». وقال بهذا الخصوص: «لقد أصبحت السلطة تستخدمها (تلك الأحزاب) في منطقة القبائل لمواجهة الحركات الأكثر تطرفاً والراديكاليّة والانفصاليّة».

أمّا الصِنف الثالث، من وجهة نظر بن عطيّة، فهو «أحزاب المعارضة الراديكاليّة؛ وعلى قلتها، فإنّ معظمها يتبنّى التوجّهات العلمانيّة؛ فهي عبارة عن أحزاب نخبويّة بعيدة عن عُمق المجتمع، أو ذات طابع عرقي خاص... وهناك أيضاً الأحزاب المجهريّة، وهي بوتيكات سياسيّة يتم فتحها في كل انتخابات وتُغلق بعد ذلك». عادّاً أنه «في ظلّ هذا المشهد السياسي، تُصبح العمليّة السياسيّة مشوّهة ومعقّدة، وهو ما لا يخدم مستقبل الدولة».

اجتماع كوادر حركة مجتمع السلم بالعاصمة لبحث المشاركة في انتخابات الرئاسة (حساب الحزب)

وكان بن عطيّة قد سعى لإنشاء حزب سياسيّ تحت اسم (التيار الوطني الجديد) «من أجل تغيير هذه الممارسات، والدفع لميلاد طبقة سياسيّة جديدة، بخطاب متجدد يتجاوز النكبة التي نعيشها»، لكنه قال إنّ السلطة رفضت اعتماد حزبه، «ووصفته وزارة الداخلية بالحزب المهدّد لاستقرار الدولة حين برّرت رفض اعتماده».

* مطالب بالإصلاح

من جانبه، يرى القيادي في حزب العمّال، رمضان يوسف تاعزيبت، أنّ «العمل السياسيّ جزء مهم في تطهير المناخ السياسيّ من الممارسات غير الديمقراطيّة، التي تدفع في غالب الأحيان إلى نفور المواطنين من المبادرات الرسميّة».

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الديمقراطيّة الحقّة «تُصبح مسألة أمنٍ قوميّ لفتح المجال للتعبئة السياسيّة والشعبيّة للدفاع على بلادنا المُستهدَفة في تكاملها وسيادتها».

وبشأن تحالف أحزاب الموالاة، قال تاعزيبت: «لا يهمّنا ذلك التكتّل أو التحالف؛ وما يهمّنا ويهمّ الشعب الجزائريّ هو احترام التعدديّة الحزبيّة، وتحرير العمل السياسيّ، واحترام السيادة الشعبيّة وإبعاد المال السياسي». مضيفاً أن حزب العمّال «كافح لاسترجاع كلّ الظروف الطبيعيّة للعمل السياسيّ، وممارسة الحريّات الديمقراطيّة عبر فتح المجاليْن السياسيّ والاجتماعيّ لكلّ الأحزاب السياسيّة، وإلغاء القوانين التي تُعرقل الحياة السياسيّة والنقابيّة والجمعويّة أو إعادة النظر فيها».

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الجزائر، البروفيسور توفيق بوقاعدة، أنّ «الأطراف السياسيّة المعارضة والمؤيّدة للسلطة في السنوات الخمس الماضية تُجمع على أنّ هناك إغلاقاً للمجال الإعلاميّ والسياسيّ في البلاد، وإن اختلفوا في تشخيص الأسباب التّي أدّت إلى هذا الوضع غير الطبيعيّ».

* «منطقة الراحة»

يقول بوقاعدة في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بعد لقاء الرئيس تبّون مع الأحزاب السياسيّة الممثّلة في المجالس المحليّة والوطنيّة، لا نعلم على وجه التحديد ما سوف تؤول إليه الحريّات السياسيّة والإعلاميّة في البلاد، وما المساحة التي سوف تسمح بها السلطة؟».

وأضاف بوقاعدة موضحاً بعض المؤشرات الأوليّة بعد اللقاء، مفادها أنّ هناك استفاقة للأحزاب السياسيّة من سُباتها، الذي كانت عليه منذ الحراك الشعبيّ سنة 2019، من خلال عقد بعضها ندوات صحافيّة ولقاءات حزبيّة بخصوص المرحلة المقبلة.

ويرى بوقاعدة أنّ «السلطة لا يُمكنها أن تتنازل عن الخطوط الحمراء التي سيّجت نفسها بها، ما لم تكُن هناك قوى سياسيّة حقيقيّة قادرة على إرغامها على تغيير أسلوبها في ضبط العمليّة السياسيّة في المستقبل». وقال إن «النشاط السياسيّ الحزبيّ أصبح ضرورة للسُلطة، حتى تستطيع إجراء انتخابات رئاسيّة مقبولة، من حيث نسبة المشاركة، وكذا من حيث النقاش السياسيّ العام».

اجتماع قيادتي البناء والفجر استعداداً للانتخابات (حساب حركة البناء)

وتابع بوقاعدة موضحاً أن السلطة «تخشى انتخابات بيضاء من دون مرشّحين منافسين شكليّاً ولا نقاش حتّى حول مُنجزاتها؛ لذلك، فإنّها تعمل على إخراج انتخابات مقبولة، تتجاوز بها عُقدَتها من الانتخابات السابقة».

أمّا عن مطالب بعض الأحزاب السياسيّة بفتح المجال السياسيّ، فلا يعتقد بوقاعدة أنّ هذه الأحزاب تريد الخروج من «منطقة الراحة التي ألفتها»، ويرى أنّها تريد ممارسة المعارضة في المساحة التي تحددها السلطة، «ولا تريد المغامرة النضالية بافتكاك حقوقها السياسية والإعلامية».كما يرى بوقاعدة أنّ أحزاب الموالاة «ما زالت على النهج نفسه، الذي تعوّدت عليه في مرحلة الرئيس بوتفليقة، وهدفها تقديم خدمات للسلطة دون المشاركة معها في تقديم البرامج، أو المشاريع السياسيّة والاقتصاديّة».

ويعدّ أستاذ العلوم السياسيّة العودة إلى التحالفات «دليلاً على أنّ الأحزاب لم تستفد من التجارب السابقة، وتُكرّر الأخطاء نفسها، وهو ما يجعلها تفقد المصداقيّة، التي بقيت لها لدى الشارع الجزائريّ»، متوقعاً أن تزيد خطوة التحالف «تعقيد المشهد السياسيّ والعزوف الانتخابي».



إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
TT

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن وآلام الفقد بالآمال في تهيئة بيئة صحية أكثر أمناً بالأحياء السكنية، تواصل السلطات الصحية بالخرطوم استخراج جثث الموتى من المقابر العشوائية التي خلفتها ظروف الحرب في السودان.

واستخرجت الفرق الميدانية، الأحد، نحو 85 جثماناً من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة، في حي جبرة جنوب الخرطوم، تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية، وسط حضور ذويها الذين ودَّعوا أحبَّتهم للمرة الثانية بالبكاء والدعاء.

فرق متخصصة تعمل في نبش القبور العشوائية (الشرق الأوسط)

وأمام المقابر التي تُنبش لضمان السلامة الصحية وتنظيم عمليات الدفن، يستعيد أهالي الموتى لحظات الفقد الأولى بكل تفاصيلها المؤلمة، ويستحضرون حكايات إنسانية تختصر فصول مأساة الحرب وآثارها الممتدة على الإنسان والمكان.

لحظات لا تُنسى

تغالب إحدى النساء دموعها وهي تقول: «لحظة نبش قبر أخي من أصعب التجارب في حياتي. لم أستطِع فعل شيء سوى الجلوس قرب القبر، وقراءة ما تيسر من القرآن والدعاء له بالرحمة والمغفرة».

امرأة أخرى حضرت منذ الصباح الباكر لمتابعة نقل رفات والدها. قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن المشهد كان مؤلماً بشدة، لكنها أكدت أن إعادة دفن الموتى في مقابر رسمية «خطوة ضرورية رغم قسوتها»، وأن ما خفف عنها الوجع هو إحساسها بأن أباها سيُوارى الثرى في مكان لائق.

سودانية تقرأ القرآن على روح زوجها أثناء استخراج جثمانه لإعادة دفنه في مقابر معتمدة (الشرق الأوسط)

إحدى الحاضرات لم تتمالك نفسها عند رؤية القبر يُنبش، فجلست تبكي بصمت وهي تستذكر الأيام الأخيرة التي قضتها مع فقيدها. وقالت إن المشهد أعاد ذكريات الفقد الأولى، لكنها وجدت بعض السلوى في مشاركة الأخريات الدعاء وتلاوة الآيات.

أما أحمد الجاك، الذي دُفن شقيقه بصورة عشوائية إلى جوار ساحة أحد المساجد في أيام الحرب الأولى، فروى كيف أن الأسرة فقدت كذلك الأم التي تمكن منها المرض قبل أن تموت كمداً، مما ترك أثراً نفسياً بالغاً على الأسرة بكاملها. وقال: «نقلناه إلى المستشفى، لكنه توفي متأثراً بحالته متألماً من وقع الأحداث».

واستطرد قائلاً: «الآن جاءت اللحظة المناسبة لنقل رفات أخي وإعادة دفنه إلى جانب أفراد الأسرة في مقابر الصحافة، بما يحقق له الدفن اللائق ويجمعه بذويه».

المقابر الجماعية

وقد سبق لمدير الطب العدلي في الخرطوم، هشام زين العابدين، أن أشار إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في أنحاء مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن.

وقال إنه أمكن جمع 3500 جثة وأُعيد دفنها منذ بدء هذه العملية العام الماضي، بعد عودة سكان الخرطوم إليها إثر إخراج «قوات الدعم السريع» منها. وأضاف: «هناك 500 جثة أخرى تم جمعها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا، والذي يعرف بطريق الصادرات... وما زال الطب العدلي يستقبل بلاغات حول وجود مقابر».

أب ينتظر استخراج جثمان ابنه لإعادة دفنه في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

وكان رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، قد أعلن استعادة السيطرة على الخرطوم في 26 مارس (آذار) 2025، وطرد «الدعم السريع» منها؛ وبدأ سكان العاصمة بعدها يعودون إليها.

وفي 25 فبراير (شباط) الماضي، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان بلغ في عام 2025، «أكثر من ضعفي ما كان عليه في العام السابق»، إذ قُتل 11 ألفاً و300 شخص، يُضاف إليهم المفقودون والجثث مجهولة الهوية.

تهيئة «بيئة آمنة»

وعن استخراج نحو 85 جثة من المقابر العشوائية وإعادة دفنها وفق الإجراءات الرسمية في المقابر المعتمدة، قال المشرف العام لهيئة الطب العدلي في الخرطوم، بشير محمد عبد الله، إن هذه العمليات تأتي في إطار حملة مشتركة تنفّذ برعاية والي ولاية الخرطوم، وتهدف إلى «تهيئة بيئة آمنة لعودة المواطنين».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الفرق الميدانية تواصل أعمالها لتنظيف وإزالة مواقع الدفن العشوائي من ساحات المنازل والميادين العامة وباحات المساجد، «بما يسهم في استعادة السلامة الصحية والبيئية في المناطق المتأثرة».

من عمليات استخراج جثث من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

وأوضح مدير وحدة منطقة جبرة الإدارية، مجدي الأمين، أن السلطات أشرفت على عمليات نقل رفات الموتى من منطقة جبرة بجنوب العاصمة الخرطوم بموافقة ذويهم، حيث أُعيد دفنها في مقبرة الصحافة وفق الإجراءات المعتمدة.

وأكد الأمين لـ«الشرق الأوسط»، أن الجهود ستتواصل خلال الفترة المقبلة لإزالة المقابر العشوائية الأخرى، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم مواقع الدفن وتعزيز السلامة الصحية والبيئية بالمنطقة.

ولا ينظر السودانيون عادة إلى إعادة دفن موتاهم على أنه مجرد خطوة إدارية أو صحية؛ بل فعل إنساني يعيد لضحاياهم «بعضاً من كرامتهم»، ولذويهم «قدراً من السكينة والطمأنينة».

ومع ذلك تبقى حقيقة «ثقيلة» عالقة في الوجدان؛ وهي أن الحروب لا تنتهي عند صمت السلاح، بل تمتد آثارها إلى عمق الأرض حيث يرقد الضحايا. ومع كل قبر يُنبش لا يستعاد الرفات فحسب؛ بل وذكرى الفقد بكل قسوتها.


مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل، في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، وأخرى تناقشها مع نيروبي حول اتفاقية «عنتيبي»، في تحرك يراه مراقبون محاولة للبحث عن فرص للتوافق وإيجاد حلول عملية للتغلب على الخلافات العالقة.

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين، اتصالاً هاتفياً بنظيره الكيني ويليام روتو، تناول ملف مياه النيل والفرص المتاحة للتعاون بين دول حوض النيل.

وأكد الرئيس المصري «الأهمية القصوى لهذا الملف بالنسبة لمصر»، فيما أشار الرئيس الكيني إلى حرص بلاده «على إيجاد توافق بين جميع الأطراف ذات الصلة»، حسب بيان للرئاسة المصرية. كما أكد الرئيسان على ضرورة «مواصلة وتكثيف التواصل والتنسيق المشترك خلال الفترة المقبلة».

وتتشارك 11 دولة في نهر النيل هي: بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.

اتفاقية «عنتيبي»

«اتفاقية عنتيبي»، أو «الاتفاق الإطاري التعاوني»، هي معاهدة وُقّعت عام 2010 في أوغندا لتنظيم استخدام مياه نهر النيل بهدف إعادة تقسيم الحصص المائية.

وترفض مصر والسودان اتفاقية «عنتيبي» التي تسمح لدول المنبع بإنشاء مشروعات مائية من دون التوافق مع دولتَي المصب (مصر والسودان)، أو الالتزام بحصص معينة (55 ملياراً و500 مليون متر مكعب لمصر، و18 ملياراً و500 مليون متر مكعب للسودان).

وأعلنت الحكومة الإثيوبية دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول من حوض النيل عليها، قبل أن تبدأ مشاورات التوافق في الشهر التالي.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قرر المجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل بأوغندا إطلاق العملية التشاورية لبحث شواغل الدول الأربع التي لم تُصدّق على الاتفاقية، في قرار أشاد به وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمة في اجتماع لوزراء المياه بدول حوض النيل في بوروندي في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وذكرت وسائل إعلام مصرية، في فبراير (شباط) 2025، أن لجنة العملية التشاورية السباعية تضم الدول الأربع المعترضة على الاتفاقية، وهي مصر والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية، بجانب ثلاث دول موقعة على الاتفاقية، هي أوغندا ورواندا وجنوب السودان (وسطاء).

الموارد المائية

وتحدث نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، لـ«الشرق الأوسط» عن ضرورة بحث الفرص المتاحة للتعاون بين دول حوض النيل، لا سيما في ظل العلاقات المتنامية بين مصر وكينيا، مع استغلال الموارد المائية في إطار الاتفاقية الإطارية المعروفة باتفاقية «عنتيبي»، ووجود لجنة سباعية تشتركان بها تتولى عملية التوافق بين دول حوض النيل بشأن القضايا الخلافية.

وأشار إلى نقطتين خلافيتين أساسيتين تتعلقان بوضعية مصر والسودان بصفتهما دولتي مصب في إطار ما تم الاتفاق عليه في «عنتيبي»، مؤكداً أن اللجنة تبحث سبل التوصل إلى توافق لاستغلال الموارد المائية بشكل يحقق المصالح المشتركة، وأن هناك فرصاً متاحة لتحقيق ذلك في ضوء دور كينيا المهم مع دول حوض النيل ومصر.

يضاف لهذا الدور إمكانية أن تعزز كينيا موقف مصر في ملف «سد النهضة»، ووقف التصرفات الأحادية من جانب أديس أبابا للتوصل لتوافق أو تسوية بشأن أي تداعيات سلبية قد تحدث مستقبلاً، حسب حليمة.

علاقات متنامية

ويأتي اتصال السيسي وروتو، يوم الاثنين، بعد نحو شهرين من لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، رفقة وزير الري سويلم، بالرئيس الكيني في نيروبي فبراير الماضي.

الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ويتسلم رسالة خطية من السيسي فبراير الماضي (وزارة الخارجية المصرية)

ونقل عبد العاطي حينها رسالة خطية من الرئيس المصري لنظيره الكيني، أشاد فيها بترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع «إعلان القاهرة» خلال زيارة روتو إلى القاهرة نهاية يناير (كانون الثاني) 2025.

وشدّد عبد العاطي على أهمية التعاون والتكامل بين دول حوض النيل لتحقيق المنفعة المشتركة، وضرورة التمسك بالتوافق وروح الأخوّة بين دول حوض النيل لاستعادة الشمولية، ورفض الإجراءات الأحادية.

ووقّعت مصر وكينيا عدة اتفاقيات للتعاون الفني في مجال المياه منذ عام 1993، بدأت بمذكرة تفاهم لحفر 180 بئراً للمياه الجوفية، ثم اتفاق آخر عام 2016 لتطوير إدارة الموارد المائية، ويشمل ذلك «حفر آبار جوفية، وإنشاء سدود لحصاد الأمطار، والتدريب وبناء القدرات»، وفق وزارة الري المصرية.

ويرى حليمة أن التنامي اللافت في تحركات البلدين يأتي في ظل عضوية مصر وكينيا بتجمع «الكوميسا»، والروابط المشتركة كونهما من دول حوض النيل، وعلاقات ثنائية تشهد تطوراً كبيراً مع آفاق واسعة للتعاون المشترك مع استثمارات مصرية في قطاع البنية التحتية في كينيا، وتحديداً في مجال حفر آبار المياه.


شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
TT

شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)

في خطوة تعكس توجهاً متنامياً لتعزيز الشراكات العسكرية والأمنية، أجرى رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» بشرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، سلسلة لقاءات رسمية في الأردن، ركزت على توسيع مجالات التعاون ومواجهة التحديات الإقليمية.

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي في اجتماع مع نائب رئيس «المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات» العميد حاتم الزعبي (الجيش الوطني)

وقالت رئاسة الأركان العامة في «الجيش الوطني»، الاثنين، إن رئيسها خالد حفتر - الذي وقّع اتفاقية تعاون في الأردن - أجرى زيارة إلى «المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات»، وكان في استقباله نائب رئيس المركز العميد حاتم الزعبي، حيث تم الاطلاع على آلية عمل المركز، ودوره في إدارة الأزمات والتعامل مع مختلف التحديات.

ووصل إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، مساء الأحد، وكان في استقباله رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، وعدد من القيادات العسكرية.

ونقلت رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني» عن الحنيطي إشادته بـ«جهود إعادة هيكلة وبناء المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وفق أحدث الأساليب والوسائل العسكرية»، مؤكداً حرص بلاده «على تطوير أطر التعاون العسكري بما يخدم استقرار المنطقة».

وأكد حفتر خلال لقائه بالزعبي «أهمية تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، لا سيما في مجالات التنسيق المشترك وتنفيذ التمارين التعبوية، بما يسهم في رفع جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة».

رئيس الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية اللواء يوسف الحنيطي مستقبلاً خالد حفتر (الجيش الوطني)

وأُقيمت مساء الأحد مراسم توقيع اتفاقية تعاون مشترك بين الجانبين، وذلك في إطار تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية، وفتح آفاق أوسع للتنسيق المشترك، بما يُعزز من جهود دعم الاستقرار الإقليمي.

وسبق أن زار نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر، الأردن في 12 من أبريل (نيسان) الحالي، وأجرى محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، وعدد من كبار القيادات العسكرية والأمنية الأردنية.

وأوضح «الجيش الوطني» في حينها أن اللقاءات «تناولت سبل تعزيز التعاون، خصوصاً في مجالات التدريب العسكري، وبناء القدرات، ورفع كفاءة الكوادر، بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين».

ووقع «الجيش الوطني» والقوات المسلحة الأردنية، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، اتفاقية للتعاون المشترك في المجال الطبي. وقال الأمين العام لـ«القيادة العامة» الليبية الفريق خيري التميمي إن الاتفاقية «تأتي ضمن عدد من الدورات التدريبية، التي سيتلقاها الضباط الليبيون وفق رؤية واستراتيجية القيادة العامة، للتطوير والتدريب للرفع من كفاءة منتسبيها بشتى المجالات».