لماذا ترفض أحزاب مصرية تأسيس «اتحاد القبائل العربية»؟

انتقادات لشخص رئيسه… ومخاوف من «التقسيم»

لافتة بموقع مدينة «السيسي» (مصطفى بكري عبر حسابه على «فيسبوك»)
لافتة بموقع مدينة «السيسي» (مصطفى بكري عبر حسابه على «فيسبوك»)
TT

لماذا ترفض أحزاب مصرية تأسيس «اتحاد القبائل العربية»؟

لافتة بموقع مدينة «السيسي» (مصطفى بكري عبر حسابه على «فيسبوك»)
لافتة بموقع مدينة «السيسي» (مصطفى بكري عبر حسابه على «فيسبوك»)

تصاعد الجدل الذي أحدثه الإعلان عن تأسيس «اتحاد القبائل العربية» في مصر، الأسبوع الماضي، برئاسة رجل الأعمال السيناوي إبراهيم العرجاني، الذي سبق أن استعانت به السلطات المصرية في حربها ضد «التنظيمات الإرهابية» بشمال سيناء قبل سنوات.

وخلال مؤتمر صحافي حظي بتغطية واسعة من الإعلام المصري الرسمي، عقد بشمال سيناء، الأربعاء الماضي، أُعلن عن تأسيس «اتحاد القبائل العربية»، برئاسة شرفية للرئيس عبد الفتاح السيسي، بهدف «دعم عملية البناء والتنمية»، حسب المتحدث الرسمي باسم الاتحاد وعضو مجلس النواب مصطفى بكري.

وتسبب الإعلان في انقسام بين الأحزاب والقوى السياسية، ففي وقت رفضت فيه أحزاب وتيارات معارضة إعلان التأسيس، واصفة الاتحاد بـ«الكيان العرقي»، وحذرت من خطورة «توسع نفوذه وتسليحه»، باركت أحزاب أخرى موالية تدشينه بوصفه «جمعية تدعم ثوابت الدولة المصرية وأمنها القومي في سيناء».

وأعلن المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، رفض «التيار الناصري الموحد»، تأسيس «أي كيان على أساس عرقي أو قبلي أو طائفي»، وهي معايير قال التيار إنها «تنطبق على اتحاد القبائل العربية»، مطالباً في بيان له، «أجهزة الدولة المصرية بالاضطلاع بمسؤوليتها في الحفاظ على الأمن القومي والتماسك المجتمعي».

ومن بين رافضي الاتحاد أحزاب «المحافظين» و«الإصلاح والتنمية» و«التحالف الشعبي الاشتراكي».

ويبدي مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي، تفهمه لمخاوف الأحزاب من تأسيس الاتحاد، لـ«عدم الوضوح الكامل في تفاصيل الاتحاد ودوره».

ويقول الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «الطريقة التي أعلن بها عن الاتحاد تجعله غريباً وغير منسجم مع طبيعة الخطاب السياسي السائد في مصر، سواء الذي تتبناه الحكومة أو المعارضة، والمنسجم مع فلسفة الدولة المصرية الحديثة التي أسسها محمد علي من 1805، والتي اعتمدت على المؤسسات الوطنية الرسمية، وعدم الاعتراف بالكيانات الموازية».

تساؤلات بشأن الاتحاد يطرحها الدبلوماسي المصري السابق السفير محمد مرسي على صفحته بـ«فيسبوك»

ويضم اتحاد القبائل العربية أكثر من 20 كياناً قبلياً، وبينما أشار البيان التأسيسي إلى أهدافه المتعلقة بـ«توحيد القبائل وتنمية المناطق المحرومة، ودعم المشروع الوطني للرئيس عبد الفتاح السيسي»، أثار حديث مسؤوليه عن دوره في «مواجهة التحديات التي تهدد أمن واستقرار البلاد»، تحفظات واسعة.

ويشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل، إلى «حظر الدستور المصري وجود أي ميليشيات أو تنظيمات مسلحة»، لافتاً في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «ما أثير حول دفاع الاتحاد عن سيناء أمر غير مقبول على الإطلاق».

وبموازاة إعلان تأسيس الاتحاد، أطلق خلال المؤتمر اسم «السيسي» على إحدى مدن الجيل الرابع، المزمع إنشاؤها بقرية العجرة شمال سيناء.

وفي أول بيان سياسي رسمي يصدر عن الاتحاد، حذر الاثنين، من «خطورة اجتياح إسرائيل لمنطقة رفح المكتظة بالسكان»، مطالباً المجتمع الدولي بـ«ممارسة أشد أنواع الضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل التوقف عن العدوان الخطير».

ويرفض مسؤولو الاتحاد وصفه بأنه «ميليشيا»، مؤكدين أنه «كيان لا يتجاوز القانون ولا الدستور»، الذي يمنح القوات المسلحة مسؤولية حفظ الأمن والأراضي المصرية. ويقول المتحدث الرسمي إن «الاتحاد ليس تنظيماً مسلحاً، وإن أبناء القبائل قاموا بتسليم السلاح الذي كان بحوزتهم خلال مواجهة الإرهاب، إلى القوات المسلحة منذ عام 2020»، مؤكداً أنه «لا يرى لمنتقدي تدشين الاتحاد مبررات منطقية في ظل وجود جمعيات عدة مسجلة لدى وزارة التضامن لفئات مجتمعية عدة على غرار الاتحاد».

وبعيداً عن جدلية تسليحه، يستغرب كامل فكرة تكوين اتحاد على أساس «قبلي» باعتبار أن مثل هذه التكوينات تعيد البلاد إلى «عصور ما قبل السياسة، وتفتح الباب أمام اتحادات دينية وللأقليات، بما يقسم المواطنين ويسهم في عدم تعزيز روح الوطنية والانتماء للوطن؛ لكن للقبيلة».

الأمر ذاته، حذر منه عضو المجلس الرئاسي بحزب «المحافظين» طلعت خليل، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تكوين مجتمعات قبلية أمر كارثي كونه يعلي قيمة القبيلة على حساب الفرد على العكس من المجتمع المدني»، محذراً من «تداعيات تكوين مثل هذه التجمعات، بوصفها تشكل خطورة على المجتمع، وسيصعب السيطرة على توجهاتها السياسية والاجتماعية في المستقبل القريب».

وواجه اختيار العرجاني رئيساً للاتحاد انتقادات عدة، وسط مخاوف من «اتساع نفوذه» في ظل دوره السابق، الذي قاد فيه «اتحاد قبائل سيناء»، خلال عمليات لمساندة القوات المسلحة ضد التنظيمات الإرهابية بعد عام 2014.

لكن بعض المدونين عدّوا ما قام به العرجاني مع رجاله في سيناء يشبه ما فعله الشيخ حافظ سلامة ورجاله في جيش الدفاع الشعبي بالسويس عندما واجه الإسرائيليين خلال الاحتلال.

«ثمة علامات استفهام حول العرجاني ومصدر ثروته والفترة التي قضاها في السجن»، إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وفق عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين الذي يشير إلى أن «ما يحدث من استعراض لموكب رئيس الاتحاد وسياراته الفارهة أمر يدفع للتساؤل عن مصدر ثروته، ويستوجب أسئلة».

وشهدت مواقع التواصل جدلاً مصاحباً لصورة انتشرت من مؤتمر الاتحاد على إحدى السيارات التي حملت العلم المصري مقسوماً وبه شعار «اتحاد القبائل»، وشارك حساب باسم «محمود دياب» على «إكس»، عادّاً أن «الاتحاد أكثر ما يهدد وحدة مصر في الفترة الأخيرة».

لكن المتحدث باسم الاتحاد أكد أنهم ليسوا مسؤولين عن صور «غير حقيقية» انتشرت عبر «السوشيال ميديا»، مؤكداً أن الأعلام التي حملت شعار اتحاد القبائل تضمنت وضع الشعار إلى جوار النسر بوسط العلم من دون تقسيمه.


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد دور القوة متعددة الجنسيات في دعم الاستقرار بسيناء

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه مديرة القوة متعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء إليزابيث ديبل بالقاهرة (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد دور القوة متعددة الجنسيات في دعم الاستقرار بسيناء

أكدت مصر الدور المهم للقوة متعددة الجنسيات في دعم الاستقرار بشبه جزيرة سيناء، مشيرةً إلى أن وجودها يمثل عنصراً محورياً في دعم ركائز الأمن.

أحمد جمال (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أرشيفية - أ.ف.ب)

السيسي: نرفض أي ميليشيات أو كيانات موازية... ولا لتهجير الفلسطينيين

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، رفض مصر القاطع والحاسم لأي مساعٍ تستهدف تقسيم دول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شاحنات تعمل في مشروعات التنمية التي تقوم بها الحكومة المصرية بسيناء (وزارة النقل)

مصر ترسخ رفضها للتهجير بمشروعات قومية عملاقة في سيناء

جاء قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتخصيص قطع أراضٍ في شمال سيناء قرب حدود إسرائيل لإقامة مشروعات لوجيستية وتنموية ليعيد إلى الواجهة إجراءات «رفض التهجير»

هشام المياني (القاهرة)
العالم العربي مباحثات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت في 2021 تم الإعلان بعدها عن تعديل الاتفاق الأمني بين البلدين (أ.ف.ب)

قلق إسرائيلي من «تطور التسليح المصري» يجدد حديثاً عن تعديل معاهدة السلام

جدّد قلق إسرائيلي من «تطور تسليح الجيش المصري» في سيناء الحديث عن تعديل معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، الصامدة منذ 1979.

هشام المياني (القاهرة)
العالم العربي رئيس أركان الجيش المصري قرب حدود إسرائيل نهاية العام الماضي (المتحدث العسكري المصري)

هل قلصت مصر وجودها العسكري في سيناء إثر ضغوط إسرائيلية؟

أكد مصدر مصري مُطلع لـ«الشرق الأوسط» أن «القوات المصرية في سيناء موجودة من أجل حفظ الأمن القومي المصري، وهو أمر لا تقبل فيه القاهرة مساومة أو إغراءً».

هشام المياني (القاهرة)

حكم قضائي لـ«الدستورية العليا» يكرس «الانقسام المؤسسي» في ليبيا

صورة وزعتها المحكمة الدستورية العليا لاجتماعها الأحد
صورة وزعتها المحكمة الدستورية العليا لاجتماعها الأحد
TT

حكم قضائي لـ«الدستورية العليا» يكرس «الانقسام المؤسسي» في ليبيا

صورة وزعتها المحكمة الدستورية العليا لاجتماعها الأحد
صورة وزعتها المحكمة الدستورية العليا لاجتماعها الأحد

دخلت الأزمة القضائية في ليبيا منعطفاً جديداً من التعقيد، عقب صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار تعيين المستشار عبد الله أبو رزيزة رئيساً لمحكمة النقض (العليا)، فيما تأمل المبعوثة الأممية هانا تيتيه، في إجراء انتخابات عامة يفرزها «الحوار المهكيل» الذي تسيّره البعثة.

وأصدرت المحكمة الدستورية العليا، الأحد، حكماً من مدينة بنغازي بشرق البلاد، في طعن قدمه 10 من أعضاء مجلس النواب، قضى بعدم دستورية القرار الصادر عن المجلس، بشأن تعيين رئيس محكمة النقض. كما قضت في دعوى أخرى قدمها عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، بانعدام الحكم الصادر عن محكمة النقض، لعدم ولايتها بالفصل في الدعاوى الدستورية.

وبحسب مراقبين، يعني هذا الحكم قانونياً تجريد أبو رزيزة من شرعيته رئيساً للمحكمة العليا في نظر القضاء بالشرق الليبي، مما يكرس حالة «الانقسام المؤسسي»، ويحول القضاء من حكم محايد إلى طرف في الصراع السياسي.

ويهدد هذا التطور ببطلان أي طعون أو إجراءات انتخابية مستقبلية تشرف عليها المحكمة العليا بطرابلس، كما يضع البعثة الأممية ومسار «الحوار المهيكل» أمام معضلة قانونية معقدة لتوحيد المرجعية القضائية قبل المضي نحو الانتخابات.

جانب من اجتماعات مسار المصالحة بالحوار الأممى يوم السبت (البعثة الأممية)

من جهتها، جددت رئيسة بعثة الأمم المتحدة تيتيه، التأكيد على أن عملية «الحوار المهيكل» التي ترعاها البعثة، يملكها ويقودها الليبيون، مشيرة إلى أن هذا العمل يمثل تحدياً كبيراً كونه يدعو لتقديم حلول واقعية لمشكلات تراكمت منذ فترة طويلة.

وأبدت تيتيه، خلال مشاركتها في الاجتماع الحضوري الثاني لمسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان في طرابلس مساء السبت، تفاؤلها «بالتقدم الملموس الجاري إحرازه»، آملة في أن تؤدي «حكمة الأعضاء إلى نتائج إيجابية تُمكّن من إجراء انتخابات تحظى بثقة الشعب».

وبحسب بيان للبعثة الأممية، ناقش أعضاء المسار تهديدات انقسام المؤسسة القضائية، والترابط بين مسارات الحوكمة والأمن، وتأثير السياق الأمني الهش على حقوق الإنسان. وسلطوا الضوء على التحديات القانونية والمؤسسية التي تقوض إجراء انتخابات ذات مصداقية، مؤكدين أهمية مراقبة المجتمع المدني للانتخابات ودور القضاء في حماية الحقوق الانتخابية والفصل في المنازعات.

وفي إطار الجهود الرامية لفتح باب الحوار أمام شرائح أوسع، انخرط المسار في مشاورات عبر الإنترنت مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين في الخارج. وهدفت هذه اللقاءات التي شاركت فيها تيتيه، إلى تعزيز نهج قائم على حقوق الضحايا، وهو ما عدّه المشاركون خطوة مهمة لإشراك الفاعلين الليبيين الذين يواصلون عملهم من الخارج بسبب التحديات الأمنية.

كما قدم ممثلو المجتمع المدني مقترحات ركزت على حرية التعبير وحماية الصحافيين، والمرشحات للانتخابات اللاتي يواجهن العنف الرقمي والتحرش، مع المطالبة بالإفراج عن المحتجزين تعسفياً.

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو يوم الأحد (المجلس الرئاسى)

وفي سياق متصل، بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، الجهود المشتركة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي المراحل الانتقالية، إضافة إلى ملف المصالحة الوطنية.

وأوضح مكتب المنفي، الأحد، أن اللقاء الذي عقد على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، تناول ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، لتعزيز التنسيق مع الأمم المتحدة لدعم المسار السياسي.

وعلى صعيد آخر، أعلنت حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، أن برنامج إحياء ذكرى «ثورة 17 فبراير» (شباط) لهذا العام، سيكون بفعاليات وطنية رمزية مختصرة.

وأوضحت في بيان، الأحد، أن هذه الفعاليات ستجري في إطار احتفاء شعبي غير رسمي يعكس الطابع المجتمعي للذكرى، مشيرة إلى أن برنامج الاحتفالات يتضمن عرضاً ضوئياً بالطائرات المسيرة يُعدّ الأكبر من نوعه، وألعاباً نارية، بالإضافة للاحتفاء بـ«ذاكرة شهداء الثورة»، كما حثت المواطنين على المشاركة في هذه الفعالية الشعبية بميدان الشهداء في العاصمة طرابلس.

وفي شأن آخر، أعلنت حكومة «الوحدة» أن نائب مدير جهاز التصنيع العسكري وقَّع، مساء السبت، اتفاقية تعاون صناعي استراتيجية مع شركة تركية متخصصة في الصناعات المتقدمة، بحضور وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي.

وتستهدف الاتفاقية نقل التقنية الحديثة والتدريب ورفع الكفاءة الفنية للصناعة الوطنية.


زيارة رئيس النيجر للجزائر... تتويج لمسعى طي صفحة توتر إقليمي

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)
TT

زيارة رئيس النيجر للجزائر... تتويج لمسعى طي صفحة توتر إقليمي

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً رئيس النيجر عبد الرحمن تياني يوم الأحد (الرئاسة الجزائرية)

بدأ رئيس النيجر، عبد الرحمن تياني، الأحد، زيارة رسمية إلى الجزائر تدوم يومين، في خطوة تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً في منطقة الساحل؛ وذلك بعدما خطت الجزائر في الأيام الأخيرة خطوات لافتة لطي فتور حاد طَبَع علاقاتها مع النيجر وبوركينا فاسو على خلفية حادثة إسقاط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيرة تابعة لدولة مالي العام الماضي. ولا يخلو هذا الحراك والمسعى، بحسب مراقبين، من رغبة في عزل مالي عن حليفيها الإقليميين، وحسر الخصومة في «جهة واحدة» بمنطقة جنوب الصحراء.

وبدعوة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، شرع رئيس النيجر، الأحد، في زيارة «صداقة وعمل» على رأس وفد رفيع المستوى؛ في خطوة تأتي، بحسب بيان للرئاسة الجزائرية، تتويجاً لمسار إعادة بعث العلاقات الثنائية بين البلدين.

وصول رئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر وفي استقباله نظيره عبد المجيد تبون (الرئاسة الجزائرية)

وأورد البيان أن الزيارة تهدف إلى تعزيز «روابط الأخوة والتعاون وحسن الجوار»، مع التركيز على ضرورة الاستغلال الأمثل للقدرات والإمكانات المتاحة في كلا البلدين.

جذور الأزمة

تعود جذور الخلاف إلى بداية أبريل (نيسان) من العام الماضي، عقب تدمير طائرة مُسيرة تابعة لدولة مالي انتهكت الأجواء الجزائرية قرب المدينة الحدودية «تنزواتين». وأعلنت الجزائر حينها أن سلاحها الجوَي أسقطها «بعدما كانت في منحى عدائي وهي تحلِّق فوق الأجواء الجزائرية»، من دون تفاصيل أخرى.

ويُفهم من التصريح أن الطائرة المُسيرة كانت بصدد تعقَب عناصر المعارضة المسلحة المالية الذين يتحركون على حدود الجزائر، بهدف ضربهم.

بقايا طائرة مالي المُسيرة بعد أن حطمها سلاح الجو الجزائري (المعارضة المسلحة في مالي)

ودفعت هذه التطورات دول «تحالف دول الساحل»، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لاستدعاء سفرائها من الجزائر التي ردت بالمثل.

وبعد قرابة عام من القطيعة، أُعلن في 12 فبراير (شباط) 2026 عن اتفاق بين الجزائر والنيجر على العودة المتزامنة لسفيرَيْ البلدين، في خطوة أنهت رسمياً أزمة دبلوماسية كانت قد اندلعت في ربيع 2025.

«التوازن الإقليمي»

ووفق ما كتبته صحيفة «الوطن» الجزائرية في عدد الأحد، «لم تكن النيجر، وهي تعاني تحت وطأة الضغوط الأمنية، لتستغني طويلاً عن الشراكة مع الجزائر التي تعد طرفاً فاعلاً في التوازن الإقليمي».

وبدأت ملامح التهدئة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عبر رسالة تهنئة من الرئيس تياني بمناسبة ذكرى اندلاع ثورة التحرير الجزائرية (1954- 1962)؛ لكن التحول الحقيقي حدث في 26 يناير (كانون الثاني) 2026 بزيارة وزير المحروقات محمد عرقاب إلى نيامي عاصمة النيجر، حيث جُدد «الالتزام بتعميق التعاون في مجال الطاقة، خصوصاً في رقعة كافرا النفطية، شمال شرقي النيجر، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء»، حسب بيان حكومي جزائري.

ويعد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يمتد على مسافة 4200 كيلومتر ليربط حقول نيجيريا بالسواحل الجزائرية عبر النيجر، حجر الزاوية في التعاون المستقبلي.

وبدأ المشروع، الذي قُدرت تكلفته بنحو 13 مليار دولار وبسعة سنوية تبلغ 30 مليار متر مكعب، يتحول إلى واقع ملموس بعد توقيع اتفاقيات بين شركة «سوناطراك» الجزائرية للمحروقات و«سونيديب» النيجرية لتخزين مواد الطاقة في بداية 2025 لإعادة مراجعة وتحليل المشروع بناء على معطيات جديدة تخص تكلفة وواقع السوق والتمويلات.

وتشير المعطيات إلى إنجاز قرابة 60 في المائة من مسار الأنبوب، معظمه في الجزائر ونيجيريا؛ ما يجعل النيجر الحلقة الأساسية المتبقية.

أمن الحدود

لا يقتصر التقارب مع النيجر على قطاع الطاقة فحسب؛ وفق متابعات صحافية لزيارة رئيس النيجر؛ فالبلدان يتشاركان حدوداً بطول 950 كيلومتراً، ويُعد تأمين هذا الفضاء ومكافحة الجماعات المسلحة، وإعادة فتح المحاور التجارية مثل الطريق العابر للصحراء، ركائز أساسية لاستقرار المنطقة.

وفي النيجر، أكدت هجمات وقعت في الآونة الأخيرة، مثل الهجوم على مطار نيامي، أواخر الشهر الماضي، ضرورة التحالفات الإقليمية القوية لمواجهة التحديات الأمنية؛ ففي تقدير مراقبين بالمنطقة، تظل الجزائر عنصراً فاعلاً في التصدي للمخاطر التي تشكلها الجماعات المسلحة المتطرفة، ولتجارة السلاح والمخدرات وتهريب البشر بالمنطقة.

إنعاش محور الجزائر - واغادوغو

بعد النيجر، أعادت الجزائر وصل علاقاتها مع بوركينا فاسو عبر بوابة الغاز والنفط من خلال تعزيز التعاون في قطاع الطاقة.

وأجرى محمد عرقاب وزير المحروقات، ومراد عجال وزير الطاقات المتجددة، زيارة إلى العاصمة واغادوغو يومي 12 و13 من الشهر الحالي، على رأس وفد ضمّ المديرين العامين لكل من «سوناطراك» و«نفطال» المملوكتين للدولة. وأسفرت الزيارة عن توقيع بروتوكول تعاون في مجالات المحروقات والمناجم والكهرباء.

وزيرا الطاقة والطاقات المتجددة الجزائريان خلال زيارتهما بوركينا فاسو (وزار ة الطاقة)

وحدد البروتوكول مجالات أولوية تشمل تزويد بوركينا فاسو بالمنتجات البترولية، وتطوير التعاون في قطاع الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز قدرات التخزين والتوزيع، وتوسيع الشراكة في الكهرباء عبر دعم الشركة الوطنية للكهرباء في مشروعات الإنتاج والنقل والتوزيع والصيانة.

كما يشمل التعاون استغلال وتحويل الموارد المنجمية وتبادل الخبرات، وإطلاق برامج تكوين الأطر والفنيين في بوركينا فاسو في مجالات الوقود والكهرباء والطاقات المتجددة، مع إنشاء آليات متابعة عبر فرق عمل قطاعية لضمان التنفيذ.

وبعكس النيجر وبوركينا فاسو، تبقى الخلافات مستمرة مع مالي، التي بدأت في الأصل مطلع سنة 2024، حينما أعلن رئيس السلطة العسكرية العقيد عاصيمي غويتا انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة من الطوارق، والذي ترأس الجزائر وساطته الدولية منذ توقيعه فوق أرضها عام 2015.

آثار قصف معاقل الطوارق عند الحدود الجزائرية في 25 أغسطس 2024 (موقع مينا ديفانس للشؤون العسكرية)

وهاجم غويتا الجزائر بذريعة احتضانها معارضين يصفهم بـ«الإرهابيين». وتفاقم التوتر بين الجارين مع دخول مجموعات «فاغنر» الروسية لاعباً جديداً في الأزمة؛ حيث استعان بها غويتا لشن هجمات على معاقل المعارضة في الشمال أواخر عام 2024.

وأثار هذا استياءً شديداً لدى الجزائر التي تسعى حالياً إلى عزل مالي التي باتت تُنازع نفوذها الإقليمي، وذلك عبر إعادة تفعيل قنوات الحوار الاستراتيجي مع النيجر وبوركينا فاسو.


واشنطن تضع اللمسات الأخيرة على مسودة آلية الهدنة في السودان

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تضع اللمسات الأخيرة على مسودة آلية الهدنة في السودان

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإرسال المسودة النهائية لآلية أممية مقترحة لمراقبة هدنة إنسانية في السودان إلى طرفي الصراع، وفق ما كشف المستشار الخاص للرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس.

وقال بولس، خلال جلسة حول السودان في مؤتمر ميونيخ للأمن، إن العمل على إعداد آلية لمراقبة هدنة تُعدّ مدخلاً لمسار يقود في نهاية المطاف إلى عملية سياسية، مستمر منذ أسابيع، بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وشدد على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عازم على «إنهاء الحرب في السودان، ووضع حدٍّ لمعاناة السودانيين الذين يعيشون أكبر كارثة إنسانية اليوم».

وأقر المستشار بأن العملية «طالت» منذ طرح المبادرة من دون تحقيق تقدم يُذكر، مضيفاً: «كنا صبورين حتى الآن، ومرّ وقت طويل من دون نتائج، لكن سيكون هناك تحرك قريباً. فلننتظر ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة».

وجاءت تصريحات بولس خلال مشاركته في جلسة حول السودان إلى جانب وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر، ووزيرة التنمية الألمانية ريم علابالي رودفان، فيما سبقهما إلى حوار مقتضب مع مديرة الجلسة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس.

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

«لا تحاور مع الطرف الآخر»

وخلال الجلسة، قال كامل إدريس إن الحكومة السودانية لن تتحاور مع الطرف الثاني، أي «قوات الدعم السريع»، عادّاً أنها «لم تعد موجودة». وأوضح أن «(الدعم السريع) أُسست بموجب القانون السوداني، ثم جرى حلها بالكامل، والموجود حالياً خليط من ميليشيات ومرتزقة من كولومبيا ودول أخرى».

وأضاف إدريس: «نحن لا ننكر وجودهم، لكننا نقول إن المقاتلين الآن مرتزقة، والجيش السوداني في حالة دفاع، فيما يرتكب الطرف الآخر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عقب الجلسة، أكد إدريس أن الحكومة السودانية «لا ترفض الحوار بشكل قاطع، ولم تختر الحرب، بل فُرضت عليها»، مضيفاً أن «الحوار يكون مع داعمي الطرف الآخر».

وردّاً على سؤال بشأن موقف الحكومة من المبادرة الأميركية - السعودية التي أشار إليها بولس، وأسباب عدم الرد عليها حتى الآن، قال إدريس: «لدينا مبادرة سلام سودانية تمثل الحل الأمثل لإنهاء الحرب، وهي تتكامل مع المبادرات السابقة، بما فيها المبادرة الأميركية - السعودية. وفي جوهرها تهدف إلى حماية الدولة ووقف جرائم الحرب غير المسبوقة التي ارتكبتها الميليشيات المتمردة».

وأضاف أن المبادرة السودانية «لا تتضمن حواراً مباشراً مع الميليشيات، ولا تعترف بها لأنها أصبحت مجموعات من المرتزقة».

وأوضح أن المبادرة «تشمل حماية المدنيين وإرساء دولة القانون». كما رفض إدريس الحديث عن هدنة غير مقرونة بخطوات تنفيذية أخرى، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إذا طُرحت هدنة، فيجب أن تتضمن ترحيل الميليشيات إلى معسكرات محددة، ثم فرز عناصرها والتدقيق في أوضاعهم، وبحث إمكانية دمج بعضهم في المجتمع السوداني».

وأكد أن الحكومة «منفتحة على أي مبادرة سلام إضافية»، موضحاً أن «على الأسرة الدولية أن تعلم أننا لسنا دعاة حرب بل دعاة سلام، وعليها أن تتفاعل معنا، وتوجه اتهامات لدولة الإمارات بتقديم دعم عسكري لـ(قوات الدعم السريع)».

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي (أ.ف.ب)

«الرباعية الدولية»

من جانبه، شدد بولس على أن العمل يحصل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات. وأوضح أنه، بصفته مبعوثاً أميركياً، يحتفظ بمسافة واحدة من الطرفين، ولا ينحاز لأي طرف على حساب الآخر. ولكنه أشار إلى «قلق كبير» من «أي شكل من أشكال الدعم الخارجي الذي يصل لأطراف الصراع»، مؤكداً ضرورة أن يتوقف هذا الدعم. وأشار إلى أن الهدنة المقترحة ضمن الآلية التي يعمل عليها هي بداية الطريق الذي ستكون نهايته إطلاق عملية حوار داخلي سوداني - سوداني.

وقال: «يجب على العملية السياسية أن تكون سودانية - سودانية، ولن يكون هناك حل مفروض عليهم، وسنساعدهم بالآلية وبغطاء قانوني، ولكن عليهم أن يتفقوا على حل عبر حوار وطني يؤدي في النهاية إلى حكومة مدنية».

من جانبها، دعت وزيرة التنمية الألمانية ريم علابالي إلى تكثيف الضغوط لإنهاء الصراع، قائلة: «ندعم جهود الرباعية وجهود الإدارة الأميركية، ولكن لا يمكن الانتظار إلى ما لا نهاية، يجب زيادة الضغوط على كل الأطراف المتورطة؛ لأننا نواجه أزمة إنسانية كبيرة». وأضافت: «كل الأطراف المتورطة في الصراع في السودان يجب أن تتدخل لوقف الصراع والكارثة الحاصلة».

وشددت وزيرة الخارجية البريطانية من جهتها على محاسبة مرتكبي الجرائم، وذكرت تحديداً الجرائم التي ارتكبتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، وأضافت بأنها تنتظر تقريراً أممياً عما حصل، داعية لمحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.