اتهامات حقوقية ليبية لأجهزة أمنية بـ«استغلال» المهاجرين

حكومة حمّاد تجهّز لمؤتمر أفريقي أوروبي لمكافحة الاتجار بالبشر

خفر السواحل بغرب ليبيا خلال عملية إنقاذ عدد من المهاجرين (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
خفر السواحل بغرب ليبيا خلال عملية إنقاذ عدد من المهاجرين (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
TT

اتهامات حقوقية ليبية لأجهزة أمنية بـ«استغلال» المهاجرين

خفر السواحل بغرب ليبيا خلال عملية إنقاذ عدد من المهاجرين (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)
خفر السواحل بغرب ليبيا خلال عملية إنقاذ عدد من المهاجرين (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)

تصاعدت الاتهامات في ليبيا لأجهزة أمنية بـ«استغلال» المهاجرين غير النظاميين، عقب الإعلان عن إنقاذ 87 مهاجراً في البحر المتوسط كانوا قد أبحروا من مدينة الزاوية غرب البلاد باتجاه الشواطئ الأوروبية. وتقول السلطات الأمنية في ليبيا إنها تواجه عمليات مستمرة لتهريب المهاجرين غير النظاميين من الحدود المترامية للبلاد، عبر عصابات تتاجر بالبشر بقصد نقلهم إلى أوروبا مقابل تحصيل الأموال.

ويرى حقوقيون ليبيون أن جانباً من الأزمة يرجع إلى أن بعض الأجهزة الأمنية بالبلاد «تتاجر بالمهاجرين بصور مختلفة»، مما يفاقم أزمتهم منذ الانفلات الأمني الذي أعقب إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011. وقال طارق لملوم، رئيس مؤسسة «بلادي لحقوق الإنسان»، إن عملية «استغلال المهاجرين القادمين إلى ليبيا تُعدّ عادة قديمة وليست جديدة؛ لكنها زادت بعد الفوضى والنزاع المسلّح الذي شهدته البلاد، وعدم وجود حكومة واحدة».

ورأى لملوم، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن «كل من يجري احتجازهم من المهاجرين وطالبي اللجوء داخل مقار الاحتجاز، سواء أكانت رسمية تابعة لجهاز الهجرة غير المشروعة، أم التابعة للمجموعات المسلَّحة، هم من يقومون ببناء هذه السجون وصيانتها وتنظيفها أيضاً». وقال: «من النادر جداً أن تجد مؤسسة أمنية تجلب عمالاً حقيقيين من خارج البلاد لديهم أوراق ثبوتية ويدخلون البلاد بشكل طبيعي».

ويعتقد أنه «أحياناً يجري القبض على مهاجرين من الشوارع أو من داخل المنازل بغرض استغلالهم؛ وعندما تجري إعادتهم من البحر لدى محاولتهم مغادرة ليبيا، يُطلب منهم العمل عدة أشهر في هذه المجالات أو يدفعون أموالاً مقابل إطلاق سراحهم».

مهاجرون من دول أفريقية ينتظرون بأحد المخيمات فرصة الهجرة خلسة إلى إيطاليا (إ.ب.أ)

ممارسات غير قانونية

وأحصى رئيس المنظمة الدولية للهجرة، أنطونيو فيتورينو، العام الماضي، عدد المهاجرين بمراكز الاحتجاز الرسمية في ليبيا، بـ5 آلاف فرد، لكن هذا العدد لا يمثل سوى جزء بسيط من المحتجَزين بالبلاد، سواء أكانوا الطلقاء أم المغيبين في سجون سرية. وعادة ما يشير حقوقيون ليبيون إلى «ارتكاب ممارسات غير قانونية بحق المهاجرين في المراكز السرية أو غير الرسمية».

وغادر مطار طرابلس، الأسبوع الماضي، 127 لاجئاً ينحدرون من سوريا وإريتريا والسودان وأفريقيا جنوب الصحراء، من بينهم 38 امرأة، و65 طفلاً، وذلك إلى رومانيا، في رحلة إعادة توطين، بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة. وسيجري إيواء اللاجئين في مركز استقبال، لعدة أشهر، قبل نقلهم، في نهاية المطاف، إلى النرويج؛ بلد إعادة توطين هذه المجموعة من اللاجئين.

ويرى لملوم أن «استغلال» المهاجرين من قِبل بعض الأجهزة الأمنية لا يتوقف عند استخدامهم للعمل في المقار الحكومية فحسب، «بل يصل الأمر إلى تشغيلهم في البيوت والمزارع والمصانع»، متحدثاً عن «تورط عدد من الأجهزة الأمنية، خصوصاً المنوط بها القبض على المهاجرين أو حراسة أماكن احتجازهم، في إخراجهم من هذه المراكز مقابل مبالغ مالية».

مهاجرون أفارقة أنقذهم خفر السواحل الإسبانية بعد انطلاقهم من شواطئ ليبيا (أ.ب)

قارب مكتظ بالركاب

ولم تعلق السلطات الأمنية، المعنية بالهجرة في ليبيا، على تسرب قارب يقل 87 شخصاً من مدينة الزاوية بغرب البلاد، بعد اعتراضه في البحر المتوسط من قِبل سفينة الإنقاذ، التابعة لمنظمة «طوارئ» الإنسانية الإيطالية. وكانت منظمة الطوارئ الإيطالية غير الحكومية، التي تدير سفينة الإنقاذ «دعم الحياة»، قد قالت إن القارب، الذي انطلق من غرب ليبيا، كان مكتظاً بالركاب، وكان الماء والطعام على متنه قد نفد، ومن بين المهاجرين 8 نساء؛ إحداهن حامل، و3 أطفال، و14 قاصراً.

وقد حددت السلطات الإيطالية مدينة نابولي الجنوبية ميناء لإنزال المهاجرين، ومن المقرر أن تصل سفينة الإنقاذ إلى الميناء، يوم الاثنين، وفق المنظمة. والمهاجرون الـ87 ينتمون إلى دول السودان ونيجيريا والنيجر وجنوب السودان وإريتريا وبنغلاديش ومالي وتوغو وغانا وليبيريا وتشاد والكاميرون والسنغال وساحل العاج، وفقاً للمؤسسة الخيرية.

حكومة حماد تعد لمؤتمر أفريقي أوروبي حول الهجرة غير المشروعة (الحكومة)

يأتي ذلك في وقت قالت فيه الحكومة المكلفة من مجلس النواب، إنها بدأت تجهز لعقد المؤتمر الأفريقي الأوروبي حول الهجرة، المزمع عقده في مدينة بنغازي بنهاية شهر مايو (أيار) الحالي.

وتقول الحكومة إن وزير خارجيتها المفوض عبد الهادي الحويج، ووزير الدولة لشؤون الهجرة فتحي التباوي، يعقدان سلسلة اجتماعات لمتابعة أعمال اللجنة التحضيرية للمؤتمر المرتقب.

وشددت الحكومة على «ضرورة تسريع وتيرة العمل، وتكثيف التواصل والتنسيق لإظهار المؤتمر بالشكل الذي يليق بدور الدولة الليبية، وسعيها الحثيث للحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية وتداعياتها السلبية في البلاد ودول الجوار، وما تتحمله منفردة من أعباء لهذه الظاهرة».

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن الافتقار إلى خيارات آمنة وقانونية، إضافة إلى العنف الذي يعانيه المهاجرون في ليبيا، لا يترك لهم خياراً سوى عبور البحر وزيادة عدد الضحايا.


مقالات ذات صلة

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

شمال افريقيا  جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

يرى ليبيون مشاركون في مسار ترعاه البعثة الأممية أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية لتلافي إخفاقات الماضي».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

حذّر تقرير أممي أخير من تغلغل الميليشيات المسلحة داخل مؤسسات الدولة الليبية، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي.

علاء حموده (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تحليل إخباري تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

على خلفية تحذيرات أممية بأن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، تساءل متابعون عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي حيال الأزمة الراهنة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

عادت أزمة توقيف أتباع الطرق الصوفية إلى الواجهة في ليبيا، السبت، عقب وفاة محتجز من عناصرها داخل أحد السجون في شرق البلاد، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة.

خالد محمود (القاهرة )

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».