«مؤتمر باريس» حول السودان... توصيات بلا آليات تنفيذ

مليونا طفل على الأقل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد

الرئيس ماكرون محاطاً بوزير خارجيته ومفوضي الاتحاد الأوروبي للشؤون السياسية وإدارة الأزمات (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون محاطاً بوزير خارجيته ومفوضي الاتحاد الأوروبي للشؤون السياسية وإدارة الأزمات (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر باريس» حول السودان... توصيات بلا آليات تنفيذ

الرئيس ماكرون محاطاً بوزير خارجيته ومفوضي الاتحاد الأوروبي للشؤون السياسية وإدارة الأزمات (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون محاطاً بوزير خارجيته ومفوضي الاتحاد الأوروبي للشؤون السياسية وإدارة الأزمات (أ.ف.ب)

يصعب الاعتقاد بأن مؤتمر باريس لدعم السودان ودول الجوار الذي التأم في العاصمة الفرنسية بدعوة من فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، وبحضور ما لا يقل عن ستين دولة، ومنظمة إقليمية ودولية، سيجد الحلول للحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أكثر من عام.

طبيعة الحرب الدائرة بتشعباتها الداخلية والإقليمية والدولية تجعل من الصعب توقع تهدئة أو هدنة قريبة حتى لاعتبارات إنسانية على رأسها ضرورة إيصال المساعدات الغذائية لبلد نصف سكانه يعانون من أزمة انعدام الأمن الغذائي، أي المجاعة.

ويبين أحدث تقرير صدر الاثنين الماضي عن «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)» أن «ما لا يقل عن مليوني طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، في بلد يشهد راهناً أكبر أزمة جوع في العالم، بل أعنف أزمة من هذا النوع عرفتها القارة الأفريقية في تاريخها».

وتقارير الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية الفاعلة ميدانياً تتضمن من الأرقام والإحصائيات ما يعكس فداحة ما يعيشه السودان على الصعد الإنسانية كافة، فيما أرقام ضحايا العمليات الحربية من قتلى وجرحى تعد بعشرات الآلاف.

تكاثر الأزمات

إزاء هذا الوضع، تبدو الأسرة الدولية، بدءاً بالأمم المتحدة، عاجزة. ورغم ذلك، فإن مؤتمر باريس بشقيه السياسي والإنساني، نجح، وفق ما جاء في كلمات أطراف رئيسية مشاركة في «إعادة السودان إلى واجهة الأجندة الدولية» بعد أن ضاعت مأساته في ثنايا حروب مشتعلة في أكثر من مكان، ليس أقلها الحرب في أوكرانيا وحرب غزة وتمدداتها، وأخيراً التصعيد الحاصل بين إيران وإسرائيل.

وأشار عبد الله الدردري، مدير المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية: «إننا نلاحظ أن المانحين الدوليين أخذوا يشعرون بالتعب إزاء تكاثر الأزمات، خصوصاً من الحربين في أوكرانيا وغزة، وكلتاهما تستقطبان القسم الأكبر من المساعدات الإنسانية، فيما نلحظ انطواء أميركياً على هذا الصعيد». ولا شك أن الأزمة الجديدة بين إيران وإسرائيل تعمل في الاتجاه نفسه.

لاجئون سودانيون يجمعون المياه من بئر في مخيم «أدريه» على الحدود السودانية - التشادية (إ.ب.أ)

ومن نيويورك، قال أمين عام الأمم المتحدة إن «العالم ينسى شعب السودان»، ووصف الحرب التي ضحاياها يتساقطون من بين المدنيين، بأنها «حرب ضد حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي»، وأن «السبيل الوحيد للخروج من هذه الحرب هو الحل السياسي».

وإذ أكد أنطونيو غوتيريش أن «الشعب السوداني بحاجة ماسة إلى دعم وسخاء المجتمع الدولي لمساعدته على تجاوز هذا الكابوس»، عَدّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الكلمة التي ألقاها في ختام المؤتمر، أن المطلوب هو «الاستجابة لحاجات المدنيين السودانيين الأكثر إلحاحاً في قطاعات الأمن الغذائي والصحة والمياه والصرف الصحي والتعليم وتوفير الحماية للفئات الأكثر هشاشة».

وأضافت إليها وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بايربوك الأدوية والملابس والسكن وأغذية الأطفال، فضلاً عن المساعدة النفسية لضحايا الحرب. أما نظيرها الفرنسي ستيفان سيجورنيه فقد عَدّ السودانيين بأنهم «أصبحوا ضحايا النسيان».

نجاح وإخفاق

إزاء هذا الواقع، كان الهدف الأول للمؤتمر تعبئة المانحين لتوفير الأصول المالية الضرورية التي قدرت الأمم المتحدة، في تقرير لها يعود لشهر فبراير (شباط) الماضي بـ4.1 مليار دولار لم يكن قد توافر منها، حتى انعقاد المؤتمر، سوى 6 في المائة.

من هنا، فإن إعلان الرئيس ماكرون أن المؤتمرين تعهدوا بتقديم 2.1 مليار دولار يمكن اعتبارها استجابة لما تطلبه الأمم المتحدة للعام الجاري، يعني أنه ستكون هناك حاجة لمؤتمرات إضافية في الأشهر القادمة، لأنه كلما استدامت الحرب زادت الحاجات.

كذلك يتعين النظر في كيفية توفير التمويل لما بعد العام الجاري، خصوصاً أن لا شيء يدل على أن الوساطات القائمة والمتضاربة فيما بينها ستفضي إلى وقفها في المستقبل المنظور.

قطعاً، يمكن اعتبار أن المؤتمر حقق نجاحاً أقله على الصعيد الإنساني، وأن التعويل على أوروبا كان، مرة أخرى صائباً، حيث إنها قدمت وعوداً، وفق ماكرون، على الصعيدين الثنائي والجماعي، ما يناهز الـ900 مليون يورو.

ومع ذلك، فإنه يتعين تصحيح هذا الانطباع لو قارنا ما تقدمه أوروبا من مساعدات إنسانية للسودان بما تقدمه من دعم عسكري لأوكرانيا.

طفلان يحملان مساعدات في مدرسة تؤوي نازحين فروا من العنف في السودان 10 مارس 2024 (أ.ف.ب)

وفي أي حال، فإن هذه الوعود تبقى نظرية ما لم يتحقق شرطان: الأول، أن تفي الدول والمنظمات بوعودها المالية وبحيث تصل إلى الهيئات والمنظمات الإغاثية وعلى رأسها تلك التابعة للأمم المتحدة.

والثاني، أن تتمكن هذه الهيئات والمنظمات من إيصالها إلى المدنيين المحتاجين والمشتتين بين نازحي الداخل ونازحي الخارج.

وتتفاوت تقديرات النازحين ما بين 8.6 و9 ملايين نازح وبينهم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، مليونا نازح فروا عبر الحدود إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا... وتفيد أرقام الأمم المتحدة أيضاً أن ما لا يقل عن 20 ألف نازح يتركون قراهم ومنازلهم كل يوم، إما لخارج الحدود، وإما لمناطق أكثر أمناً في الداخل.

تجنب المتحاربين

ثمة أمر بالغ الأهمية فضل منظمو المؤتمر تركه جانباً، وهو حضور ممثلين على الجهتين المتحاربتين منذ عام وهما، من جهة، القوات السودانية المسلحة، ومن جهة ثانية «قوات الدعم السريع».

وقد بررت الجهات المنظمة «فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي» الامتناع عن دعوتهما بالرغبة في إبقاء المؤتمر تحت شعار الدعم الإنساني وعدم تسييسه.

والحال أن كل ما أنجز في المؤتمر، بحسب أحد الأطراف الفاعلة التي رافقت أعماله، «لن يكون ذا معنى إذا لم يتعاون الطرفان المتقاتلان، أقله في عدم وضع العراقيل أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين إليها».

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

وكان لافتاً، خلال المؤتمر، أن الدول والمنظمات التي شاركت فيه، لا تملك العصا السحرية من أجل الضغط على الطرفين، لا لتسهيل وصول المساعدات ولا لقبول هدنة إنسانية. وبكلام آخر، فإن المؤتمرين تجاهلوا ما يمكن تسميته «قوى الأمر الواقع» القادرة من هذا الجانب أو ذاك، على إعاقة، لا بل تعطيل عمل المنظمات الإنسانية الدولية.

في ربيع عام 2021، نظمت فرنسا، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، قمة رئيسية لمساعدة السودان ومواكبة عملية الانتقال الديمقراطي. وحضر وقتها اللواء عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي، وعبد الله حمدوك رئيس الحكومة الانتقالية.

وإلى جانب المساعدات المالية وإلغاء الديون المتوجبة على السودان وتسليط الضوء سياسياً على التجربة السودانية «الفذة» وقتها، كانت هناك التزامات واضحة وقوية بالنسبة لمتابعة العملية الديمقراطية وبناء دولة القانون... واليوم، بعد ثلاث سنوات، ها هي باريس شهدت مؤتمراً جديداً لمساعدة السودان في ظروف مأساوية، ولأهداف أقل طموحاً، خصوصاً في الجوانب السياسية.

صحيح أن «إعلاناً» سياسياً من 8 فقرات صدر عن الاجتماع السياسي الذي حصل صباحاً في مقر وزارة الخارجية الفرنسية ووقعته 14 دولة «بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، ومنظمات إقليمية، كالجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي...» «يطلب بشدة من الأطراف الخارجية وقف دعم ومد الأطراف المتقاتلة بالسلاح، والامتناع عن أي عمل من شأنه إثارة التوترات وتغذية النزاع»، ودعوة «جميع الأطراف الإقليمية والدولية لدعم مبادرات السلام من دون تحفظ»، إلا أن ما ينقص ذلك آلية التنفيذ والمحاسبة، بحيث تبقى الأمور متروكة على عواهنها. ولا شك أن أمراً كهذا لن يقرب لحظة وقف القتال، ولا نهاية الحرب، وطالما لم يجبر الطرفان المتقاتلان على التوقف عن استخدام لغة السلاح، فإن الحرب ماضية بلا توقف.

 



مصادر تكشف عن محادثات غير مباشرة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان توم بيريلو (الشرق الأوسط)
المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان توم بيريلو (الشرق الأوسط)
TT

مصادر تكشف عن محادثات غير مباشرة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان توم بيريلو (الشرق الأوسط)
المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان توم بيريلو (الشرق الأوسط)

أبلغ مسؤول أميركي رفيع، مجموعة من السودانيين من بينهم قيادات بارزة في «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم)، أن مفاوضات غير مباشرة تجري بين الجيش و«قوات الدعم السريع». ووفقاً لمصادر تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن «النقاش مستمر لاستئناف المفاوضات»، وكانت تشير إلى الاتصالات التي أجراءها المبعوث الأميركي الخاص للسودان توم بيريلو، مع كبار المسؤولين من الطرفين وجهود رؤساء وقادة دول الجوار الأفريقي للوصول إلى حل سلمي متفاوض عليه.

ورأت المصادر نفسها، أن التغيير المفاجئ في موقف قادة «مجلس السيادة» السوداني المتشدد في رفض العودة إلى المفاوضات، إلى الحديث بإيجابية عن عملية الحوار، جاء نتاج المناقشات مع المبعوث الأميركي.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان (يسار) وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية)

وغادر المبعوث الأميركي، الأربعاء، القاهرة إلى واشنطن على أن يعود إلى المنطقة بعد عيد الأضحى المبارك مباشرة.

بدورها، أكدت جهات مقرّبة من الدوائر الأميركية الممسكة بملف السودان، أن توم بيريلو أجرى خلال زيارته إلى دول المنطقة (إثيوبيا، كينيا، أوغندا ومصر) اتصالات مباشرة مع قادة طرفي الحرب، الجيش السوداني و«الدعم السريع».

وأوضحت أن «واشنطن تتواصل مع كل القوى الإقليمية وشركائها في المنطقة لإقناع القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وقائد (الدعم السريع)، محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالعودة إلى مسار التفاوض السلمي في أقرب وقت».

وقالت تلك الجهات واشترطت عدم الكشف عن هويتها، إن الإدارة الأميركية «تعمل عبر اتصالات مباشرة خلف الأبواب المغلقة على توصل الطرفين إلى اتفاق شبه كامل قبل الذهاب إلى طاولة المفاوضات في منبر جدة للتوقيع عليه».

المبعوث الأميركي إلى السودان توم بيريلو خلال لقاء مع نشطاء سودانيين في كمبالا (إكس)

وبحسب المصادر نفسها، أثمرت تلك النقاشات مع طرفي الصراع عن نتائج «جيدة ومتقدمة»، من دون ذكر المزيد من التفاصيل.لكنها أشارت إلى أن موقف قادة الجيش السوداني في الاتصالات المغلقة، «يبدو أكثر إيجابية في التعاطي مع التحركات الأميركية الأخيرة، بعكس ما يرددونه في العلن».

ومن جهة ثانية، أكد قيادي بارز في «قوات الدعم السريع» وجود اتصالات مستمرة مع القادة الكبار في «القوات»، لكنه نفى علمه بأي نتائج تم التوصل إليها. وقال لــ«الشرق الأوسط»: «أبلغنا الوسطاء في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أن (الدعم السريع) على أتم الجاهزية في أي وقت للعودة إلى المفاوضات في منبر جدة».

وأضاف أن «قيادتنا على تواصل مستمر مع المجتمعين الإقليمي والدولي، وتستمع إلى أطروحاتهم، كما نتبادل الأفكار والمقترحات لتسهيل عملية التفاوض للوصول إلى سلام».

دبابة مُدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)

وأكد القيادي، وهو من أعضاء وفد التفاوض، أن «(قوات الدعم السريع) لا تضع أي شروط للعودة إلى محادثات السلام، لكن الطرف الآخر ليست لديه الرغبة في إنهاء الحرب؛ لأنه لا يملك القرار».

وقال، إن «الإسلاميين يسيطرون بالكامل على القرار داخل الجيش، ويضغطون على قادته لعدم الذهاب إلى طاولة المفاوضات في (منبر جدة) للوصول إلى اتفاق لوقف الحرب، بهدف العودة مجدداً إلى السلطة».

وأوضح القيادي بـ«الدعم السريع»، أن «الإسلاميين عملوا على إفشال كل ما تم التوصل إليه في (منبر جدة)، وكذلك في اتفاق المنامة العاصمة البحرينية». وقال، «إن الكرة الآن في ملعب الوسطاء في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد)، للضغط على الجيش السوداني للعودة إلى (منبر جدة)».

حكومة جنوب دارفور

ومن جهة ثانية، أعلنت «قوات الدعم السريع» على منصة «إكس» عن تشكيل حكومة مدنية في ولاية جنوب دارفور، ثاني أكبر مدن الإقليم، بعد مدينة الفاشر التي تدور حالياً فيها اشتباكات بين طرفي القتال .

وبحسب «الدعم السريع» فإن السلطة في تلك الولاية «تم تشكيلها من المجتمع المحلي، أسوة بالإدارات المدنية في ولايات الخرطوم والجزيرة وعدد من مدن دارفور الأخرى» التي تقع تحت سيطرتها.

وقالت، إن هذا يأتي «في إطار الحكم الفيدرالي، بحيث يشارك مواطنو المناطق في الحكم لإدارة شؤونهم، فيما يتعلق بتيسير الحياة وتوفير الخدمات العامة للسكان، ومهمة (الدعم السريع) بسط الأمن والاستقرار».