أوكرانيا تقاتل روسيا في السودان... وتدرب الجيش الحكومي

وسيلة إعلام أميركية ذكرت أن «كوماندوز» أوكرانياً أخرج البرهان من الحصار في الخرطوم

البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان 28 أغسطس (أ.ف.ب)
البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان 28 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تقاتل روسيا في السودان... وتدرب الجيش الحكومي

البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان 28 أغسطس (أ.ف.ب)
البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان 28 أغسطس (أ.ف.ب)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن قوات أوكرانية خاصة تقوم بتدريب عناصر في الجيش السوداني. وأشارت في تقرير مطول إلى أن قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، عندما وجد نفسه محاصراً من قبل قوات المتمردين في عاصمة البلاد، الصيف الماضي، اتصل بحليف غير متوقع للمساعدة، هو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وروت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين أوكرانيين، أن زيلينسكي كان لديه من الأسباب لأخذ طلب البرهان على محمل الجد، خصوصاً أن البرهان كان يزود كييف بهدوء بالأسلحة منذ فترة وجيزة، بعد غزو روسيا أوكرانيا عام 2022، وفق الصحيفة الأميركية. وبعد أسابيع قليلة من المكالمة، هبطت قوات «الكوماندوز» الأوكرانية في السودان، وبدأت القتال لطرد «قوات الدعم السريع» من العاصمة الخرطوم، وفق كثير من الجنود الأوكرانيين المشاركين في العملية. تضم نحو 100 جندي، معظمهم من وحدة «تيمور» التابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، على متن طائرة مستأجرة في السودان، في منتصف أغسطس (آب).

ووفق مصادر صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن المهمة الأولى للقوات الأوكرانية كانت هي المساعدة في إخراج البرهان من الخرطوم، حيث حاصرته «قوات الدعم السريع». وبعد وقت قصير من وصولهم، توجه البرهان في قافلة إلى المجمع الواقع خارج العاصمة، حيث كان مقر الأوكرانيين. وقال مسؤولون سودانيون إن حراسه أشرفوا على تهريبه من الخرطوم. وتوجه البرهان بالشكر للأوكرانيين على جهودهم، ثم توجه إلى مدينة بورتسودان، الواقعة على البحر الأحمر، والتي لا تزال خاضعة لسيطرة قواته. ثم التقى مع زيلينسكي في مطار «شانون» الآيرلندي بعد بضعة أسابيع.

زيلينسكي بعد لقاء البرهان: «تحديات أمنية مشتركة»

وكتب زيلينسكي على «تلغرام» وقت الاجتماع قائلاً: «ناقشنا تحدياتنا الأمنية المشتركة، وأنشطة الجماعات المسلحة غير الشرعية التي تمولها روسيا». كما شكر البرهان على «دعم السودان المستمر لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها». ووفق تقرير الصحيفة فإن القوات الأوكرانية زودت حراس البرهان ببنادق «إيه كيه إم» المزودة بكواتم الصوت الجديدة.

لقاء البرهان وزيلينسكي بمطار «شانون» الآيرلندي في 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقال ضابط الاستخبارات الأوكرانية، البالغ من العمر 30 عاماً، والمعروف بالاسم المستعار كينغ، والذي قاد أولى المجموعات الأوكرانية التي وصلت إلى السودان، إن فريقه وجد نوعاً مختلفاً تماماً من الصراع عن الذي تركوه في أوروبا الشرقية؛ إذ يقاتل الجنود من كلا الجانبين مرتدين الصنادل، وأحياناً ما يُفرغون شحنة كاملة من الطلقات وهم يحملون بنادقهم فوق رءوسهم، غير قادرين على رؤية الأهداف التي يُطلقون النار عليها، كما لم يكن كثير من جنود الجيش السوداني قد تسلموا رواتبهم منذ بدء القتال قبل أشهر، ما أدى إلى استنزاف دوافعهم للقتال. ولم يكن المقاتلون يرتدون علامات تعكس الجانب الذي ينتمون إليه، وكانت النيران الصديقة تعد تهديداً منتظماً.

الأوكرانيون يقاتلون ليلاً

ولم يهاجم أي من الجانبين في الليل، وبذلك وجدت القوات الأوكرانية المجهزة بنظارات الرؤية الليلية والطائرات المسيّرة منفذاً للعمل. وقال كينغ للصحيفة: «كانت هذه ميزتنا الكبيرة، إذ كنا نعرف كيف نعمل في الليل». كان الجنود الأوكرانيون يغادرون قاعدتهم نحو الساعة 8 مساءً، متجهين إلى المدينة في مجموعات من 6 أشخاص، وينتقلون في شاحنات صغيرة. ويتابع كينغ روايته قائلاً إنه في البداية، فوجئ مقاتلو «قوات الدعم السريع»، الذين اعتادوا النوم في العراء على طول خط المواجهة، بالغارات الليلية، ثم شرعوا في إخفاء مواقعهم. وكانت الفرق الأوكرانية تتراجع دائماً إلى قاعدتها بحلول الصباح، حذرة من لفت الانتباه. وقال كينغ: «حتى لو أردنا أن ننفذ أمراً خلال النهار، فنحن مجموعة من البيض، وسوف يُدرك الجميع ما كان يحدث».

السودان مصدر للسلاح والذهب

وقد تحول السودان إلى ساحة معركة في الحرب الروسية الأوكرانية؛ لأنه غني بمصدرين مهمين: الأسلحة والذهب. فخلال النزاعات المتكررة في البلاد على مدى عدة عقود، تدفقت الأسلحة إلى السودان، بصورة مباشرة وغير مباشرة، من الولايات المتحدة وروسيا والصين وأماكن أخرى. ونتيجة لذلك، أصبح لدى السودان كثير من الأسلحة الممكن توفيرها في أوائل عام 2022، عندما غزت روسيا أوكرانيا. وكانت كييف تبحث عن كل الأسلحة التي يمكن العثور عليها. وقال بودانوف، قائد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية: «أخرجنا كثيراً من الأسلحة من السودان في وقت واحد، وقامت دول مختلفة بتسديد ثمنها. وكانت لديهم مجموعة كبيرة من الأسلحة، وكان يمكنك العثور على كل شيء هناك، من الأسلحة الصينية إلى الأسلحة الأميركية». وفي الأثناء نفسها، كانت روسيا تستخرج الذهب من السودان منذ فترة طويلة. وقادت «فاغنر» عملية موسكو في البلاد، كما فعلت في كثير من الدول الأفريقية الأخرى، وأشرفت على تدريب مقاتلي «قوات الدعم السريع»، الذين قاموا بدورهم بتوفير الأمن للشركات الروسية في المناجم. وقبل بدء الصراع في السودان الربيع الماضي، سُجلت نسبة 30 بالمائة فقط من الذهب المستخرج في البلاد رسمياً لدى البنك المركزي، بينما ظل مبلغ 4 مليارات دولار من عائدات الذهب غير مدرج في السجلات سنوياً، وفقاً لمسؤولين ونشطاء سودانيين. ويقول النشطاء إن كثيراً من هذا الذهب المهرب انتهى به الأمر في أيدي الروس.

«الدعم السريع» والتحالف مع «فاغنر»

وعندما اندلعت الحرب الأهلية، رفضت «قوات الدعم السريع» في البداية عرض «فاغنر» مدها بالأسلحة الثقيلة، لأنها كانت قلقة بشأن استعداء الولايات المتحدة، لكن بعد الانتكاسات العسكرية في أبريل (نيسان)، غيرت المجموعة مسارها، وفقاً لمسؤولين أمنيين دوليين.

وفي 28 أبريل (نيسان)، نقلت قافلة من سيارات «تويوتا» الصغيرة التي تشرف عليها «فاغنر» الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف، من جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، التي أنشأت «فاغنر» فيها قاعدة متقدمة في السنوات الأخيرة، ثم بدأت «فاغنر» أيضاً في تجنيد رجال من جمهورية أفريقيا الوسطى للقتال في السودان، وسرعان ما تقدمت «قوات الدعم السريع» إلى العاصمة الخرطوم.

«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وبعد وفاة زعيم «فاغنر»، يفغيني بريغوجين، العام الماضي، باتت تميل إلى التراجع عن القتال في السودان. وقال كينغ إنه خلال شهرين ونصف الشهر في السودان، لم ير فريقه أي قوات من «فاغنر» من روسيا، رغم أنهم تتبعوا إشارات الهاتف التي تتنقل ذهاباً وإياباً بين الخرطوم وسانت بطرسبرغ.

أسير من «فاغنر» في أيدي الأوكرانيين

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، عاد فريق كينغ إلى الوطن، ووصل برادا مع قوات جديدة من وحدة «تيمور». وتمكن فريقه من أسر مقاتل روسي من قوات «فاغنر»، وقتل اثنين آخرين. وقال برادا إن المقاتل الروسي اعتُقل خلال قتال في أمدرمان، المدينة التوأم للخرطوم على الضفة الغربية لنهر النيل، بعد أن ارتبك بشأن أي المقاتلين على أي جانب، وظل مكانه بعد انسحاب فريقه. كما ألقي القبض على رجلين سودانيين مع مقاتل «فاغنر» الروسي، وقال برادا إن فريقه قتل عشرات المقاتلين السودانيين الآخرين الذين يرتدون شارات «فاغنر». وأضاف برادا: «أصبحت (فاغنر) مثل امتياز تجاري في السودان: يقاتلون باستخدام السكان المحليين، ويعطونهم الشارات، ويدفعون لهم الرواتب، ويقولون لهم: أنتم الآن من (فاغنر). لم يكن هدفنا أبداً مطاردة جنود (فاغنر) الأفراد، لكن الهدف كان تعطيل المصالح الروسية في السودان».

اقرأ أيضاً

وحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» فإن القوات الأوكرانية شرعت في تدريب الجنود السودانيين على بعض التكتيكات نفسها التي ساعدتهم على صد جيش روسي أكبر، لا سيما استخدام الطائرات المسيَّرة. وقال جنود أوكرانيون للصحيفة إن القوات السودانية طلبت بالفعل بعض الطائرات المسيَّرة المتفجرة ذات التحكم الراديوي، والتي تنفجر عند إصابة الهدف، لكن السودانيين كانوا يفتقدون أجزاءً مهمة منها. وتعقب الأوكرانيون المكونات التي يحتاجون إليها، وساعدوا في تزويدهم بطائرات مسيَّرة تركية متطورة من طراز «بيرقدار تي بي 2» قادرة على شن ضربات جوية دقيقة، وصلت في فبراير (شباط)، وفق مسؤول عسكري سوداني ومستشار في «قوات الدعم السريع».

وشدد الأوكرانيون على أهمية قطع إمدادات «قوات الدعم السريع» عن الخرطوم، وسرعان ما بدأوا في التركيز على مهاجمة الطرق الموصلة إلى المدينة. بواسطة طائرات مسيَّرة ذات تحكم راديوي تصطدم بشكل متكرر بشاحنات صغيرة مليئة بالمقاتلين أثناء عبورهم جسراً إلى الخرطوم.

البرهان في أمدرمان بعد خروجه من الحصار 24 أغسطس (أ.ف.ب)

وقال كينغ عن القوات السودانية: «كانوا متحمسين للطائرات المسيَّرة ذات التحكم الراديوي. في النهاية، تعلم عشرات الأشخاص، أو نحوهم، كيفية استخدامها وضرب الأهداف».
 

قطع طرق إمداد «الدعم السريع»

 

وقال جندي يبلغ من العمر 28 عاماً، من وحدة «تيمور» التابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، إنه عمل أيضاً مع القوات السودانية لزرع الألغام في طرق الإمداد الموصلة إلى الخرطوم، وأكد أنهم قاموا في إحدى العمليات بتفخيخ شاحنة تعطلت في منتصف الطريق.
وأضاف: «في صباح اليوم التالي، عندما مرت شاحنة العدو المليئة بالمشاة والأسلحة، فجرناها».  وعاد برادا وفريقه إلى أوكرانيا في وقت مبكر من هذا العام. ولم يتعرض أي من الفريقين الأوكرانيين لأي خسائر.
ولا يزال النفوذ الأوكراني ملموساً في السودان؛ ففي الأسابيع الأخيرة، استعادت قوات البرهان السيطرة على أجزاء كبيرة من أمدرمان، في أول تقدم كبير لها في الصراع. ويعزو الخبراء المكاسب، إلى حد كبير، إلى الضربات الدقيقة بالطائرات المسيَّرة، فضلاً عن نشر وحدات النخبة بالجيش السوداني. كما أرسلت كييف مؤخراً شحنة من دقيق القمح إلى بورتسودان وصلت الأسبوع الماضي.


مقالات ذات صلة

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».


مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني، ويحمي حدود البلاد الشرقية.

وتحتفل مصر في 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»، حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها من إسرائيل في 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها تنفيذاً لمعاهدة السلام.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «معركة التحرير التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر في سيناء، امتدت (اليوم) إلى معركة البناء والتنمية»، وقال في كلمة بهذه المناسبة، السبت، إنه «كما استعادت مصر الأرض بالتضحيات، فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل».

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، عدداً من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، مؤكداً أن «رؤية الدولة للتنمية في شمال سيناء تتركز على أن تكون المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر».

وسبق أن ذكر مدبولي في نهاية 2023 أن «الحكومة أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال عشر سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري) شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية»، ونوه حينها إلى أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدر بنحو 363 مليار جنيه لتنفيذ نحو 302 مشروع خلال ثلاث سنوات»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

جانب من المشروعات في شمال سيناء (وزارة الري المصرية)

وتزامناً مع ذكرى «تحرير سيناء»، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر أن «حجم الاستثمارات المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامي (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأكدت، في بيان، السبت، أن «59 في المائة من هذه الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».

ووفق الخبير العسكري المصري، اللواء محمد قشقوش، «تشكل خطة التنمية في سيناء خط الدفاع الأول عن شبه جزيرة سيناء في الوقت الحالي»، ويشير إلى أن «الحكومة المصرية تضع مشروع التنمية في سيناء ضمن أولوياتها خلال السنوات الأخيرة، بغرض زيادة الاستثمارات، ما ينعكس على الكثافة السكانية بتلك المنطقة».

ويرى قشقوش أن «زيادة الكثافة السكانية في سيناء وارتفاع نسبة الأيدي العاملة في المشروعات التنموية والخدمية والاستثمارية بها، سيساهم في حماية وأمن هذه المنطقة التي تشكل البوابة الشرقية للدولة المصرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تستهدف زيادة السياحة في هذه المنطقة التي تضم مقاصد سياحية وترفيهية عديدة».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه أعضاء البرلمان عن سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت الحكومة، العام الماضي، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب قشقوش، «تستهدف الحكومة المصرية تعزيز الربط الدائم بين سيناء والدلتا، عبر مشروعات طرق وأنفاق وكبارٍ عديدة».

وأقامت الحكومة المصرية 6 أنفاق أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، ضمن مشروعات التنمية والتعمير في سيناء، بتكلفة وصلت إلى 35 مليار جنيه، وقال السيسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «بلاده ربطت سيناء بالدلتا عبر 6 أنفاق تحت قناة السويس لمن لا ينتبه، لتصبح سيناء والدلتا حتة (قطعة) واحدة».

ويشير الخبير الأمني في مكافحة الإرهاب، حاتم صابر إلى أن «الحكومة المصرية أقامت مشروعات التنمية بالتوازي مع مواجهة شاملة مع تنظيمات الإرهاب التي كانت تتخذ من سيناء موضع قدم لها».

والشهر الماضي، تحدث الرئيس المصري عن تكلفة الحرب التي خاضتها بلاده ضد الإرهاب منذ عام 2012 وحتى 2022، قائلاً إن «مصر أنفقت نحو 120 مليار جنيه في الحرب على الإرهاب».

جامعة العريش - سيناء (وزارة التعليم العالي المصرية)

ويرى صابر أن «الحكومة تعمل على توسيع المشروعات لتوفير بيئة صالحة للاستثمار والتنمية»، وعدّ ذلك «يمنع أي محاولات لاستغلال الظهير الصحراوي في سيناء من قبل جماعات متطرفة، كما يحبط أي سيناريوهات كانت تستهدف توطين الفلسطينيين في سيناء».

وتشدد مصر بشكل متكرر على «رفض تهجير الفلسطيني من غزة»، وتقول إن ذلك يعدّ «خطاً أحمر بالنسبة لها».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع؛ أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

بُعد آخر تحدث عنه صابر بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حرصاً على مشاركة أهالي سيناء في مشروعات التنمية، بما يعزز من قيم المواطنة والمشاركة، عقب شكاوى التهميش التي كان يرددها بعضهم في وقت سابق».

وأكد رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم».