رفع الحصانة عن نائب ينوي الترشح للرئاسة يفجّر جدلاً سياسياً في موريتانيا

سياسيون يرون أن وصول خلافات المعارضة للقضاء يثبت حالة التشرذم التي باتت تعيشها

محمد ولد مولود (يسار) وبجواره بيرام ولد اعبيد خلال مؤتمر صحافي عام 2019 عقب الرئاسيات (أرشيفية - أ.ف.ب)
محمد ولد مولود (يسار) وبجواره بيرام ولد اعبيد خلال مؤتمر صحافي عام 2019 عقب الرئاسيات (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

رفع الحصانة عن نائب ينوي الترشح للرئاسة يفجّر جدلاً سياسياً في موريتانيا

محمد ولد مولود (يسار) وبجواره بيرام ولد اعبيد خلال مؤتمر صحافي عام 2019 عقب الرئاسيات (أرشيفية - أ.ف.ب)
محمد ولد مولود (يسار) وبجواره بيرام ولد اعبيد خلال مؤتمر صحافي عام 2019 عقب الرئاسيات (أرشيفية - أ.ف.ب)

رفع البرلمان الموريتاني الحصانة عن الناشط الحقوقي والنائب المعارض، بيرام ولد اعبيد، مساء أمس (الثلاثاء)؛ استجابة لطلب من وزارة العدل، التي تلقت شكوى تقدم بها رئيس حزب سياسي معارض يتهمه فيها بـ«التشهير والقذف».

وجاء رفع الحصانة خلال اجتماع عقده مكتب البرلمان، وهو لجنة مصغرة تحال إليها صلاحية رفع الحصانة البرلمانية، حين يكون البرلمان في حالة عطلة، وعدم انعقاد أي دورة برلمانية، ويتكون المكتب من 12 عضواً، اثنان منهم من نواب المعارضة، قاطع أحدهما اجتماع رفع الحصانة.

وتعد هذه المرة الثانية في غضون أشهر قليلة التي يرفع فيها البرلمان الموريتاني الحصانة عن أحد نوابه؛ من أجل إتاحة الفرصة لملاحقته أمام القضاء، بعد شكوى ضده، حيث رفعت الحصانة البرلمانية عن النائب محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل في يوليو (تموز) من العام الماضي؛ لتتم محاكمته بتهمة الإساءة لرئيس الجمهورية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

غير أن رفع الحصانة عن ولد اعبيد أثار الكثير من الجدل في الشارع الموريتاني؛ وذلك بسبب سهولة مسطرة رفع الحصانة البرلمانية، وثانياً بالنظر إلى أن سبب رفعها هو شكوى تقدم بها رئيس حزب «اتحاد قوى التقدم» المعارض، محمد ولد مولود، وهو واحد من أعرق الأحزاب اليسارية التقدمية في موريتانيا.

ويرى موريتانيون أن وصول الخلاف بين قادة المعارضة إلى أروقة القضاء يثبت حالة التشرذم، التي تعيشها المعارضة الموريتانية منذ سنوات، بينما كانت الخلافات السياسية عادة تحسم داخل دائرة النقاش العام، وبعيداً عن أروقة القضاء.

ويعد ولد اعبيد أحد أبرز الناشطين الحقوقيين في موريتانيا، حيث اشتهر خلال السنوات العشر الماضية بنضاله ضد العبودية، وآثارها في المجتمع الموريتاني، وترشح للانتخابات الرئاسية عامي 2014 و2019، وحلّ في المرتبة الثانية خلال الرئاسيات الأخيرة، خلف الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.

تجمّع لأنصار المعارضة وسط العاصمة لرفض نتائج الانتخابات السابقة (الشرق الأوسط)

وسبق أن أعلن ولد اعبيد نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة (منتصف 2024)، وهو يقدم نفسه على أنه المعارض الأكثر قدرة على منافسة مرشح السلطة، معتمداً في ذلك على انتمائه إلى شريحة العبيد السابقين، وتقاربه مع الأوساط الأفريقية في المجتمع الموريتاني. لكن ولد اعبيد مطالب الآن أن يتجاوز محاكمته بتهمة «التشهير والقذف»، التي وجهها له رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، وذلك بعد أن أدلى بتصريحات قال فيها إن الأخير حصل على نصف مليار أوقية قديمة (1.2 مليون دولار أميركي) من أحد رجال الأعمال الموريتانيين؛ قصد تمويل حملته الانتخابية في رئاسيات 2019. وهو ما نفاه ولد مولود في الشكوى التي تقدم بها أمام القضاء الموريتاني، وقال إن تصريحات ولد اعبيد سبّبت له مشاكل داخل حزبه، وعليه أن يقدم الدليل عليها أو يعتذر عنها، وهو ما رفضه ولد اعبيد، كما رفض أيضاً وساطة حاول حزب معارض آخر أن يقوم بها لتسوية القضية ودياً.

ومع أنه شكر الحزب المعارض على «مساعيه الحميدة»، إلا أن ولد اعبيد قال: «نحن لا نطلب المساعي الحميدة، ولا نبحث عنها ولا تعنينا»، بل إن ولد اعبيد تبنى خطاباً تصعيدياً ضد ولد مولود، قائلاً إنه تقدم بالشكوى بناءً على طلب من السلطات الحاكمة، التي تسعى لخلق مشاكل له قبيل الانتخابات الرئاسية.

وأضاف ولد اعبيد أن صراعه «يبقى مع النظام الحاكم وليس مع أي جهة أخرى»، مشيراً إلى أن النظام السياسي يستهدفه لأنه «يقف مع الشعب، الذي منحه الأمل في تحقيق التغيير عن طريق صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية المرتقبة». مشدداً على أن أركان النظام «أصابها الرعب من الهزيمة في الرئاسيات المقبلة»، وبالتالي تسعى إلى «سحق المعارضة الجادة، والمرشح الحقيقي الذي كلفه الشعب والظروف بقيادة معركة الشعب الموريتاني، من أجل التغير في الانتخابات القادمة».

أجرى الرئيس ولد الغزواني لقاءات دورية مع قادة المعارضة «للتشاور» معهم حول الأوضاع العامة في البلد (أ.ف.ب)

وتعيش موريتانيا منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم (2019) حالة من التهدئة السياسية، والتقارب الكبير بين المعارضة والسلطة الحاكمة، حيث يجري ولد الغزواني لقاءات دورية مع قادة المعارضة «للتشاور» معهم حول الأوضاع العامة في البلد.

لكن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، بدأ الخطاب السياسي يزداد حدة، رغم أنه لم تتضح بعد قائمة المرشحين لهذه الانتخابات، في ظل تأكيد الأغلبية الرئاسية أن ولد الغزواني سيكون مرشحها للرئاسيات، كما أعلن ولد اعبيد ترشحه للانتخابات، بينما لا تزال بقية أحزاب المعارضة تلتزم الصمت.

وكانت الأحزاب الداعمة لترشح ولد الغزواني قد حققت نصراً كاسحاً في الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية، التي نظمت منتصف العام الماضي (2023)، وهي الانتخابات التي عُدّت «بروفة» قبل الرئاسيات. ونالت هذه الأحزاب أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، البالغ عددها 176 مقعداً، كما فازت بجميع المجالس الجهوية، ونسبة كبيرة من المجالس المحلية؛ وهو ما يمهد الطريق نحو فوز مريح لولد الغزواني بالانتخابات الرئاسية، حسب أغلب المراقبين.



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».