قمة مصرية - تركية بالقاهرة تفتح صفحة جديدة في مسار المصالحة

السيسي وإردوغان توافقا على تعزيز التعاون ثنائياً وإقليمياً

محادثات الرئيس المصري ونظيره التركي تناولت مستجدات «حرب غزة» (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره التركي تناولت مستجدات «حرب غزة» (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - تركية بالقاهرة تفتح صفحة جديدة في مسار المصالحة

محادثات الرئيس المصري ونظيره التركي تناولت مستجدات «حرب غزة» (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس المصري ونظيره التركي تناولت مستجدات «حرب غزة» (الرئاسة المصرية)

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، نظيره التركي رجب طيب إردوغان، الذي وصل إلى القاهرة على رأس وفد رفيع المستوى، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من11 عاماً، عدها مراقبون «نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، تدفع نحو تعزيز مسار التطبيع والمصالحة».

ورحب الرئيس المصري، خلال مؤتمر صحافي بقصر الاتحادية الرئاسي، بنظيره التركي، في القاهرة. وقال إن «الزيارة تفتح صفحة جديدة بين بلدينا بما يثري علاقاتنا الثنائية، ويضعها على مسارها الصحيح»، معرباً عن «تقديره للعلاقات التاريخية بتركيا، والإرث الحضاري والثقافي المشترك» بين القاهرة وأنقرة. كما أعرب السيسي عن تطلعه لتلبية دعوة إردوغان لزيارة تركيا في أبريل (نيسان) المقبل: «لمواصلة العمل على ترفيع علاقات البلدين في شتى المجالات بما يتناسب مع تاريخهما وإرثهما الحضاري المشترك».

السيسي خلال لقاء إردوغان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وشهدت العلاقات المصرية - التركية خلال الأشهر الماضية اتجاهاً متصاعداً نحو التطبيع، بعد عقد كامل من الانقطاع والتوتر، بسبب دعم أنقرة تنظيم «الإخوان» الذي تصنفه السلطات المصرية «إرهابياً». وتسارع مسار التطبيع منذ مصافحة إردوغان والسيسي خلال افتتاح المونديال بقطر في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022. وأعلن البلدان في يوليو (تموز) الماضي، ترفيع العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى مستوى السفراء، والتقى رئيسا البلدين مرتين خلال العام الماضي على هامش أحداث دولية، كما التقى وزراء ومسؤولون بارزون في البلدين مرات عدة.

لكن الرئيس المصري أشار، في كلمته الأربعاء، إلى «استمرار التواصل الشعبي بين البلدين خلال السنوات العشر الماضية، إضافة إلى نمو مطّرد في العلاقات التجارية والاستثمارية». وأوضح أن «مصر حالياً هي الشريك التجاري الأول لتركيا في أفريقيا، كما أن تركيا تعد من أهم مقاصد الصادرات المصرية». وقال: «نسعى معاً إلى رفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، وتعزيز الاستثمارات المشتركة، وفتح مجالات جديدة للتعاون».

وشهد الرئيسان المصري والتركي التوقيع على عدد من الاتفاقيات وعلى الإعلان المشترك حول إعادة تشكيل اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين.

وأكد السيسي «اهتمام بلاده بتعزيز التنسيق مع أنقرة للاستفادة من موقع الدولتين بوصفهما مركزي ثقل في المنطقة، بما يسهم في تحقيق السلم، وتثبيت الاستقرار، ويوفر بيئة مواتية لتحقيق الازدهار والرفاهية»، مشيراً إلى أن «الدولتين تواجهان العديد من التحديات المشتركة، مثل خطر الإرهاب، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها الواقع المضطرب في المنطقة».

وتوافق الرئيسان المصري والتركي على «ضرورة وقف إطلاق النار في قطاع غزة بشكل فوري، وتحقيق التهدئة بالضفة الغربية حتى يتسنى استئناف عملية السلام في أقرب فرصة وصولاً إلى إعلان الدولة الفلسطينية ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

الرئيس المصري يستقبل إردوغان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

في السياق، أعرب الرئيس المصري عن «اعتزاز بلاده بمستوى التعاون مع تركيا من أجل النفاذ السريع لأكبر قدر ممكن من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «ما تمارسه السلطات الإسرائيلية من تضييق على دخول تلك المساعدات يتسبب في دخول شاحنات المساعدات بوتيرة بطيئة لا تتناسب مع احتياجات سكان القطاع».

وأكد السيسي أنه اتفق مع إردوغان على «ضرورة تعزيز التشاور بين البلدين حول الملف الليبي، بما يساعد على عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتوحيد المؤسسة العسكرية بالبلاد». وعد «نجاح القاهرة وأنقرة في تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في ليبيا سيكون نموذجاً يحتذى به». ورحب الرئيس المصري بالتهدئة الحالية في منطقة شرق المتوسط، وقال: «نتطلع للبناء عليها وصولاً إلى تسوية الخلافات القائمة بين الدول المتشاطئة بالمنطقة، ليتسنى للجميع تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية المتاحة بها».

كما تطرقت المباحثات في القاهرة إلى أوجه التعاون المشترك في أفريقيا، وقال السيسي: «نعمل على دعم مساعي القارة للتنمية وتحقيق الاستقرار والازدهار».

من جانبه، أشار الرئيس التركي إلى «إمكانية تطوير علاقات بلاده العسكرية بمصر، إضافة إلى مجالي الطاقة والسياحة». وقال: «نستهدف زيادة حجم التبادل التجاري مع مصر إلى 15 مليار دولار». وأضاف: «عازمون على زيادة استثماراتنا في مصر، التي هي في حدود ثلاثة مليارات دولار حاليا».

وفيما يتعلق بالوضع في غزة، وصف إردوغان الأحداث بـ«المأساوية»، مشيراً إلى أن الحرب في غزة «تصدرت مباحثاته مع السيسي»، معرباً عن تقديره لدور مصر في إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وأكد الرئيس التركي أنه «لا يمكن القبول بتطهير قطاع غزة من سكانه، ونقدر موقف مصر حول هذا الأمر»، مشيراً إلى أن «مبادرات تهجير سكان غزة في حكم العدم»، وداعياً رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى أن «يكف عن نقل مجازره إلى رفح»، مناشداً المجتمع الدولي «بعدم السماح بهذا التصرف الجنوني».

وقال إردوغان «من أجل إيقاف إراقة الدماء في غزة سنظل على تعاون مع مصر، وعلى المدى المتوسط إعادة إعمار غزة يتطلب العمل المشترك مع مصر»، مشيراً إلى أنه «تطرق مع الرئيس المصري إلى مواضيع تخص ليبيا والسودان والصومال»، مؤكداً على «وحدة أراضي هذه الدول واستقرارها».

وكانت تركيا أعلنت بداية الشهر الحالي عن «تزويد مصر بطائرات مسيّرة»، وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في حينه، إن الصفقة تأتي في «إطار تطبيع العلاقات بين البلدين».

السيسي وإردوغان أكدا على تعزيز التعاون الثنائي (الرئاسة المصرية)

وعدّ الخبير بالشأن التركي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، كرم سعيد، توقيت زيارة إردوغان للقاهرة «لافتاً ومهماً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة تُمثل نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، وإن لم تكن مفاجئة؛ حيث مهدت لها تصريحات تركية على مدار الشهور الماضية».

وأضاف سعيد أن «هناك جملة من المحفزات توفر (بيئة خصبة) لدعم التقارب على المستوى الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل الحرب الروسية - الأوكرانية، والحرب على غزة»، لافتاً إلى أن «من بين هذه المحفزات طفرة في التبادل التجاري بين مصر وتركيا، وتجاوز بعض النقاط الخلافية بالنسبة للأزمة الليبية، إضافة إلى تقارب لافت بشأن الصراع في السودان، وكذا رفض البلدين مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وإقليم (أرض الصومال)».

وقال سعيد إنه «من الواضح أن هناك إرادة إيجابية من البلدين لتعزيز التعاون على مستويات عدة اقتصادية وعسكرية وسياسية، وظهر ذلك واضحاً خلال الإعلان عن صفقة المسيرات التركية لمصر، إضافة إلى الرغبة في التعاون العسكري على مستوى التدريب والتصنيع». وأضاف أن «هناك أيضاً رغبة في التنسيق على مستوى الملفات الإقليمية»، مشيراً إلى أنه «لا تزال هناك تحديات لكن الرغبات الإيجابية قد تدفع لإيجاد صيغة للتعامل مع تلك التحديات».


مقالات ذات صلة

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

مصر لتعزيز استثمارات المغتربين في السوق العقارية

عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اجتماعاً الأربعاء مع وزيرة الإسكان راندة المنشاوي في إطار التنسيق لتعزيز الجهود الوطنية لخدمة المصريين بالخارج

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

أكد القائد العام وزير الدفاع المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، «جاهزية الجيش المصري، واستعداده القتالي الدائم، لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات كافة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً أفضل

محمد عجم (القاهرة)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
TT

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء، في العاصمة الإيطالية روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم.

وأوضحت البعثة في بيان، تلقت «وكالة الأنباء الألمانية» نسخة منه، أن المناقشات جرت في أجواء بنّاءة وجدية، حيث عبّر المجتمعون عن ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم من خلال صناديق الاقتراع. كما شددوا على ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي.

وتوصل الفريق إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأوصى بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء، كما أعاد الفريق تسمية 3 أعضاء للمفوضية، كان مجلس النواب قد اختارهم سابقاً، و3 آخرين سماهم المجلس الأعلى للدولة في وقت سابق.

وبالإضافة لذلك، شرع أعضاء الفريق المصغر في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة الأممية للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي، عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجر مجلسي النواب والدولة عن التوصل لاتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية. ويعد الفريق المصغر الخطوة الأولى في هذه المقاربة.

ويتكون الفريق المصغر من 8 أعضاء، مقسمين بين شرق وغرب البلاد. ومَثّل فريق الغرب عضوين من المجلس الأعلى للدولة، وآخرين سمتهم حكومة الوحدة الوطنية، أما الشرق فيمثله عضوان من مجلس النواب وعضوان سمتهم القيادة العامة للقوات المسلحة.

وبسبب الانقسام السياسي، وخلاف على القوانين الانتخابية وبعض المرشحين، فشل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.


«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.


ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.