السلاح الإيراني بيد الجيش... هل يعيد رسم المشهد السوداني؟

خبراء يحذرون من تدويل الحرب وتهديد أمن البحر الأحمر

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
TT

السلاح الإيراني بيد الجيش... هل يعيد رسم المشهد السوداني؟

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)

تزامن الكشف عن حصول الجيش السوداني على مسيرات «مهاجر 6» الإيرانية، والإعلان عن استعادة السودان علاقاته مع حكومة طهران، مع توتر حاد في العلاقات الإيرانية الأميركية، بلغ ذروته، ليلة الجمعة، بشن غارات على أهداف إيرانية في كل من سوريا والعراق، بموازاة هجمات صاروخية واعتراض للسفن في البحر الأحمر من قبل الحوثي، طرح سؤالاً حول ما إذا كانت هذه المتغيرات ستعيد رسم المشهد السوداني.

وأعاد التعاون التسليحي بين الجيش السوداني وإيران التذكير بالعلاقات التسليحية الإيرانية السودانية في عهد نظام الإسلاميين، واستهداف الطيران الإسرائيلي لمهربي سلاح داخل السودان، وتدمير مصنع «اليرموك» للأسلحة بغارة جوية إسرائيلية، كما يطرح السؤال عما إذا كانت مسيرات «مهاجر» ستؤثر في التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

فبالإضافة إلى التوتر بين واشنطن وطهران، فإن المنطقة تشهد كثيراً من التوترات، وعلى رأسها الحرب الدائرة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، والتصعيد الحوثي في منطقة البحر الأحمر باستهداف السفن، والرد الأميركي بقصف مواقع تابعة للحوثي الموالي لإيران، وأداتها في منطقة البحر الأحمر، والضربات الأميركية ضد الأهداف الإيرانية في العراق وسوريا. وكانت الحكومة الإسلامية بقيادة الرئيس السابق عمر البشير، تحصل على السلاح الإيراني، في مخالفة لحظر التسلح الذي كان مفروضاً عليها من قبل مجلس الأمن الدولي، بيد أنها اضطُرت لقطع علاقاتها مع إيران بسبب ضغوط خليجية واقتصادية في عام 2016.

مخاوف التحول إلى حرب إقليمية

يرى أستاذ السياسة العامة والإدارة في جامعة «لونغ آيلاند» (Long Island) في نيويروك، الدكتور بكري الجاك المدني، أن الإسلاميين في توجههم لتوطيد علاقاتهم مع إيران وسعيهم للحصول على السلاح الإيراني، لا يهدفون فقط لتحسين موقف الجيش العملياتي على الأرض، بل لغرض استراتيجي هو تحويل الحرب في السودان إلى حرب إقليمية، ومحاولة لإلباسها قيمة رسالية، وعداء تجاه الغرب. ويحذر الدكتور الجاك من تدويل حرب السودان، ومن توجهات صناع القرار الإسلاميين الذين يظنون أنه يمكنهم أن يغيروا المعادلة بذلك، ومن أن «التسليح بالنسبة لهم هدف تكتيكي»، بينما غايتهم الرئيسة هي تدويل حرب السودان، وتهديد أمن البحر الأحمر، وربما تحول السودان إلى أرض «داعشية» جديدة في المنطقة.

الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير كانت له علاقات وثيقة مع إيران (أ.ف.ب)

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، البروفيسور حسن الساعوري، إن أميركا لن ترضى عن علاقة سودانية إيرانية، وإنها غاضبة من استعادة العلاقات السودانية الإيرانية، بيد أنه أكد أن من حق السودان البحث عن مصالحه أينما كانت، وأضاف: «السودان مهدد من 7 أو 8 دول، ولا تزال أميركا تتعامل معه بأسلوبها القديم بتقديم الوعود البراقة، ما يدفعه للبحث عن جهة تدعمه وتفي بوعودها، فالوعود الأميركية برق خلب ورعد من غير مطر».

ودعا الأكاديمي الشهير أميركا لتغيير طريقة تعاملها مع السودان، فالسودان لن يترك مصالحه تتعرض للخطر، وأضاف: «استراتيجياً، الأميركيون لا يرغبون في تدمير إيران، بل كل ما يطلبونه منها أن تتفهمهم، لأن موقفها الإسلامي الواضح، واعتمادها على نفسها يحفظ التوازن مع الدول العربية والإسلامية». وتابع: «إذا دكت أميركا إيران، فسيختل التوازن السني الشيعي، لذلك لن تدمر أميركا القوة الإيرانية، بل تتركها لتحفظ التوازن الاستراتيجي، لكنها ترفض السماح لها بتمدد نفوذها خارج حدودها».

ورأى الساعوري أن استعادة السودان لعلاقاته مع إيران، الهدف منها مواجهة الخطر الوجودي الذي يواجهه، وإن أميركا، مهما أغضبها الأمر، لن تقدم البديل للسودان، وتابع: «أميركا تحافظ على مصالحها، لكنها لا تهتم بالطرف الآخر ومصالحه. هي تريد سوداناً غير مستقر أو متطور، لتحصل على ثرواته، وتستفيد من موقعه الاستراتيجي دون ثمن».

وقطع البروفيسور الساعوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن إيران لا ترغب في التمدد في السودان، بعد أن فشلت جهودها السابقة في خلق طائفة «شيعية» فيه. وتابع: «لا أتوقع أن تكون المصالح الإيرانية في السودان شبيهة بعلاقاتها في اليمن ولبنان والعراق». وقال: «السودان بعد هذا لن يعتمد على أميركا أو على روسيا، ويجب عليه تنويع مصادر أسلحته، وأن يتعامل مع الدول التي تساعده على تطوير مصانع أسلحته، وأن تكون استراتيجيته في التعامل مع الدول العظمى وفق إسهامها في تطوير صناعاته الحربية».

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر محل تجاذب دولي للحصول على موطئ قدم عليه (سونا)

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمدرمان الإسلامية، الدكتور بشير الشريف، أن علاقة حركة «الإخوان المسلمين» وإيران تاريخية ووثيقة وقديمة، وأنها كانت أوثق، وأن الإسلاميين الحاكمين في السودان استفادوا من تلك العلاقة في مجالات التدريب والإمداد العسكري. وقال: «كانت إيران منفذاً للإسلاميين في السودان لتخطي كثير من المشكلات على مستوى الإقليم وعلى مستوى أكبر، بتخطيط وتنسيق كبير ودقيق بين البلدين».

وأوضح أن قطع العلاقة بين السودان وإيران قبل عقد من الزمان كان نتيجة لضغوط خليجية، لكن العلاقة بين الإسلاميين وطهران «ظلت مستمرة، وإن الإسلاميين احتفظوا بتواصل ما معها، لذلك عادت العلاقات بمجرد عودة الإسلاميين للسلطة».

الأوضاع في البحر الأحمر

وأرجع الشريف قبول إيران إعادة علاقتها بالسودان، رغم أن الخرطوم كانت قد قطعتها بطريقة فيها «عدم احترام»، إلى حاجة الطرفين لبعضهما البعض. فإيران تواجه ضغوطاً كبيرة، والإسلاميون السودانيون بمجرد عودتهم للسلطة يحتاجون في الحد الأدنى إلى مبيعات السلاح وإطلالة على البحر الأحمر، وتابع: «إذا نجحت إيران في ضم السودان لتحالفها الإقليمي، فسيربك ذلك الأوضاع في منطقة البحر الأحمر، ويؤثر على المعادلة في اليمن، ويمكن بناءً على ذلك أن يرفع السودان يده لصالح الحليف الحوثي لإيران».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارة لقواته في شرق البلاد (سونا)

ويوضح الشريف أن العلاقات السودانية الإيرانية تقوم أصلاً على التسليح الذي يتضمن شراء الأسلحة وإقامة مصانع السلاح، أو تصديره إلى «حماس»، ما قد يرفع وتيرة المنافسة على أسواق السلاح في المنطقة. وقال: «تسليح إيران للسودان يغضب أميركا وإسرائيل وآخرين في الإقليم، بسبب إدراكهما علاقات طهران والخرطوم وارتباط ذلك بـ(حماس)». وتوقع الشريف تحركات أميركية إسرائيلية لوقف العلاقة المزعجة لكلتا الدولتين، متوقعاً أن تدفع أميركا للتدخل بقوة في الملف السوداني، وتسريع ملف العقوبات الأخير يرتبط بشعورها بالخطر الإيراني.

واستبعد الشريف في المقابل دعماً تسليحياً لـ«قوات الدعم السريع» مقابل الدعم الإيراني، وقال: «(قوات الدعم السريع) ليست الجهة المأمونة لتسلحها أميركا، والولايات المتحدة لا تزال تنظر إليها بريبة بسبب المشكلات الناجمة عنها»، وتابع: «إمدادهم بالسلاح دون استراتيجية يمكن أن يؤثر في الأمن في الإقليم، لأن بنيتها كقوة لا تساعد على تسليحها، لكن سوق السلاح مفتوحة، ويمكن الحصول على السلاح من كل طرف يملك المال والعلاقات».


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».