جدد الرئيس التونسي قيس سعيّد، مساء أمس (الأربعاء)، رفضه بيع المؤسسات العامة التي تعاني أوضاعا مالية صعبة، وأكد ضرورة تطهير تلك المؤسسات ممّا وصفه بالفساد، ومحاسبة المتسببين في إفلاس بعضها.
وخلال زيارته مقر إحدى الشركات في ولاية القصرين، قال سعيّد: «لن نفرّط في مؤسساتنا ومنشآتنا العمومية؛ التي تم العبث بها منذ أواخر سنوات الثمانين، وخاصة في بداية سنوات الألفين، والتفريط في عدد من المنشآت وتآكل كثير من التجهيزات». عادا أن الحكومات المتعاقبة اعتمدت السياسة نفسها في ضرب مكتسبات الدولة وثرواتها، حسب ما ورد في مقطع فيديو نشر فجر اليوم الخميس على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية.

وعدّ الرئيس سعيّد أن كثيرا من المؤسسات العمومية تعاني من مظاهر فساد، مثل الانتدابات غير القانونية والصفقات المشبوهة، بحسب وصفه، وقال إن كل ملفات الفساد «موثقة بالأرقام والأسماء والصفات، وعلى الكثيرين أن يخرسوا اليوم في وسائل الإعلام لأنهم ساهموا في هذه الأوضاع المتردية... ولا مجال مرة أخرى للتلاعب بقوت الشعب». مشددا على ضرورة أن يلعب القضاء في القصرين، وفي أنحاء تونس كافة، دوره في محاسبة المتورطين في الفساد، وتحقيق العدالة، وعادا أن العدالة «ليست في الدستور، بل يجب تطبيقها على أرض الواقع بمحاسبة كل من أذنب في حق الشعب التونسي».
كما تعهد الرئيس سعيد باتخاذ القرارات في أقرب وقت ممكن لإعادة كل مؤسسات الدولة ومنشآتها إلى سالف نشاطها، «بوصفها ثروات الدولة التونسية، ومكتسبات ومقدرات من حق الشعب التونسي، ولذلك يجب تطهيرها وتطهير البلاد من الفساد والفاسدين، وعدم التفريط فيها، وتركها للوبيات واللصوص ليتلاعبوا بها».
وجاءت تصريحات الرئيس سعيد في وقت تعاني فيه عدة مؤسسات ومصانع من صعوبات مالية؛ لكن سعيد قال إن «هناك برنامجا لإنقاذ هذه المؤسسات». كما تأتي ردا على مطالبة مانحين دوليين تونس بتنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية، تتضمن إلغاء الدعم، وبيع مؤسسات عمومية؛ غير أن سعيّد رفض هذه المطالب بدعوى المحافظة على السلم الأهلي.

في سياق متصل، أعلنت السلطات التونسية عن إقرار «عفو اجتماعي» للمرة الثانية لمدة ستة أشهر، لفائدة بعض المؤسسات الخاصة، التي تأخرت في تسوية وضعياتها المالية مع الصناديق الاجتماعية، نتيجة صعوبات مالية عانت منها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وأكدت أن هذا العفو «سيكون لمرة واحدة غير قابلة للتجديد»، داعية هذه المؤسسات إلى الإسراع بتسوية وضعياتها قبل اتخاذ إجراءات قانونية ضدها.
وقال مالك الزاهي، وزير الشؤون الاجتماعية، في مؤتمر صحافي عقده مساء أمس (الأربعاء)، إن هذه العملية تندرج في إطار الإجراءات ذات البعد الاجتماعي الموجهة للنسيج الاقتصادي، متوقعا أن يكون للعفو الجبائي أثر إيجابي في مساندة المؤسسات الاقتصادية التي تعاني وضعا ماليا صعبا.
وعدّ مراقبون أن هذا الإجراء سيخفف بعض الأعباء على المؤسسات المتوسطة والصغرى، التي تضررت بنسب كبيرة خلال فترة جائحة كورونا، أو نتيجة الأزمة الاقتصادية وشح السيولة، وندرة الموارد المالية التي عرفتها تونس خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ولمحت إلى إمكانية استغلال هذا الإجراء من الناحية السياسية في سنة انتخابية، ستشهد نهايتها انتخابات رئاسية.
ويعني العفو الاجتماعي الجديد والأخير إسقاط غرامات التأخير تجاه المدانين للصندوق التونسي للضمان الاجتماعي، وهو ما يعني توفير موارد مالية إضافية لبعض المؤسسات الحكومية، وضمان مستحقات المضمونين الاجتماعيين في عدد من القطاعات.
من جهته، أكد عبد الرزاق حواص، رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة (هيكل نقابي مستقل)، أن هذه الفئة من المؤسسات تمثل نحو 90 بالمائة من الشركات في تونس، وتتكون أساسا من حرفيين وصغار المنتجين ومهنيين ومقاولين شبان وغيرهم، إلا أن نحو 70 بالمائة من تلك المؤسسات توقفت عن النشاط نتيجة الصعوبات المالية التي تعاني منها، وجعلتها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية. موضحا أن جائحة كورونا تسببت في إفلاس نحو 140 ألف مؤسسة صغرى ومتوسطة في تونس، فيما يعاني العدد المتبقي من صعوبات في الحصول على قروض مالية من البنوك لاستعادة توازنه.
في غضون ذلك، أكد الزاهي أن العفو الجبائي السابق، الذي تم إقراره سنة 2022، مثل «آلية ناجعة لتعبئة عائدات مالية مهمة لفائدة الصناديق الاجتماعية»، وقال إن حجم الموارد المالية للصناديق ارتفع إلى نحو 500 مليون دينار تونسي (نحو 161 مليون دولار) خلال سنة 2022، مضيفا أن إعلان العفو يأتي في إطار التزام الدولة بدورها الاجتماعي في مساندة المؤسسات الخاصة، وتحسين مداخيل الصناديق الاجتماعية، ومؤكدا أنّ من المرحلة الحالية تتطلب إعادة الدور الاجتماعي للدولة، وبناء «الدولة الاجتماعية»، التي دعا لها الرئيس سعيّد.





