ما حدود التدخل المصري في الصومال بموجب «الدفاع العربي المشترك»؟

عقب تحذير السيسي أديس أبابا من المساس بسيادة مقديشو

الرئيسان المصري والصومالي خلال جلسة مباحثات في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيسان المصري والصومالي خلال جلسة مباحثات في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

ما حدود التدخل المصري في الصومال بموجب «الدفاع العربي المشترك»؟

الرئيسان المصري والصومالي خلال جلسة مباحثات في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيسان المصري والصومالي خلال جلسة مباحثات في القاهرة (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن «اتفاقية الدفاع العربي المشترك»، في معرض حديثه عن دعم الصومال، التذكير بالاتفاقية التي وقِّعت قبل 7 عقود، ولم تُستخدم منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، مما جعل إعادة طرحها يحمل -حسب مراقبين- دلالات ورسائل عدة.

وقال السيسي، خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثاته مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، في القاهرة (الأحد) إن «مصر لن تسمح بأي تهديد لدولة الصومال»، مضيفاً أن «الصومال دولة في الجامعة العربية، ولها حقوق طبقاً لميثاق الجامعة بالدفاع المشترك ضد أي تهديد لها»، مضيفاً: «ماحدش (لا أحد) يجرّب مصر ويحاول يهدد أشقاءها خاصة لو طلبوا منها التدخل».

الموقف المصري جاء استمراراً لمواقف سابقة شدَّدت على رفض القاهرة مذكرة التفاهم التي وقَّعتها الحكومة الإثيوبية مع «أرض الصومال»، مطلع الشهر الحالي، وتحصل بموجبها أديس أبابا على حق الانتفاع بشريطٍ ساحليّ بطول 20 كيلومتراً بميناء بربرة على ساحل البحر الأحمر، لمدة 50 عاماً لتتمركز به القوات البحرية الإثيوبية، مقابل اعترافها الرسمي باستقلال أرض الصومال، سيكون الأول من نوعه دولياً، فضلاً عن منح الأخيرة 20 في المائة من أسهم الخطوط الجوية الإثيوبية.

وأثارت استعادة الحديث عن «اتفاقية الدفاع العربي المشترك» الكثير من التساؤلات، لا سيما أن الاتفاقية مضى على توقيعها 74 عاماً، إذ وقَّعتها عام 1950 في العاصمة المصرية 7 دول عربية، هي: السعودية والأردن وسوريا والعراق ولبنان واليمن، إضافةً إلى مصر، واستمر انضمام بقية الدول العربية تباعاً، على مدار السنوات التالية ومن بينها جمهورية الصومال التي انضمت إلى الاتفاقية عام 1974.

حق الدفاع الشرعي

تتضمن الاتفاقية 13 بنداً، وتشير إلى أن أي عدوان على أي دولة موقِّعة على البروتوكول يعد عدواناً على بقية الدول، وأيّ مساس بدولة من الدول الموقِّعة على البروتوكول يعد مساساً صريحاً ببقية الدول الموقِّعة عليه.

كما تنص الاتفاقية على أنه عملاً بحق الدفاع الشرعي (الفردي والجماعي) عن كيانها، تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور منفردةً ومجتمعةً جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما.

وتتضمن نصاً يتيح للدول المتعاقدة التشاور فيما بينها، بناءً على طلب إحداها، كلما هُددت سلامة أراضي أي واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم، أو قيام حالة دولية مفاجئة يُخشى خطرها، تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف.

واستحدثت الاتفاقية عقب إبرامها تأسيس منظمتين للعمل على تفعيل بنودها تحت مظلة الجامعة العربية، هما مجلس الدفاع المشترك، وتكون قراراته المُتخَذة بأغلبية الثلثين ملزمةً لجميع الأعضاء، والمجلس الاقتصادي الذي أُعيدت تسميته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في عام 1980.

هيئة استشارية عسكرية

كما ينص الملحق العسكري للاتفاقية على تشكيل هيئة استشارية عسكرية من رؤساء أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة للإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة المنصوص عليها في المادة الخامسة من المعاهدة.

وتختص اللجنة العسكرية الدائمة المنصوص عليها في المادة الخامسة من الاتفاقية، بإعداد الخطط العسكرية لمواجهة جميع الأخطار المتوقعة أو أي اعتداء مسلح يمكن أن يقع على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة أو على قواتها، وتستند في إعداد هذه الخطط إلى الأسس التي يقررها مجلس الدفاع المشترك.

اللافت أن الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية على شبكة الإنترنت يخلو من أي إشارة إلى «مجلس الدفاع المشترك» ضمن المنظمات العاملة بالجامعة، ولا يَرِدُ ذكرٌ لاتفاقية «الدفاع العربي المشترك» إلا في إطار ميثاق عمل الجامعة بوصفها وثيقة تاريخية، وآخر تحديث لهذا الميثاق -حسب الموقع- كان عام 2013.

وتشير الوثيقة الموجودة على الموقع الإلكتروني للجامعة العربية إلى انضمام 19 دولة (بينها مملكة اليمن وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وهو مسمى اليمن الجنوبي الذي اتَّحد مع الجمهورية العربية اليمنية لتكوين الجمهورية اليمنية عام 1990) إلى الاتفاقية آخرها دولة الإمارات عام 1978.

يُشار إلى أن تفعيل الاتفاقية جرى خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 من خلال مشاركة قوات عربية لمصر وسوريا بطرق عدة، مثل المشاركة بالمعدات الفنية والقوات والأموال، إضافةً إلى قرار وقف إمداد الدول المتعاونة مع إسرائيل بالبترول.

إلا أنه الاتفاقية لم تُفعَّل في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982، رغم أن لبنان من بين الدول الموقِّعة على الاتفاقية، كما لم تفلح محاولات استخدام الاتفاقية عام 1990 في وقف العدوان العراقي على الكويت، وتمت عملية تحرير الكويت تحت مظلة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة.

قوة عربية مشتركة

وحمل عام 2015 تطوراً جديداً ذا صلة بالاتفاقية، إذ جرى استحداث بروتوكول لتشكيل قوة عربية مشتركة، إذ وافق مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة في 29 مارس (آذار) من ذلك العام على إنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومي العربي التزاماً بميثاق الجامعة العربية، والوثائق العربية ذات الصلة، بما فيها معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة. وحددت المادة الثالثة من التعديل مهام القوات العربية المشتركة، بما فيها «المشاركة في تأمين عمليات الإغاثة، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين في حالات الطوارئ الناجمة عن اندلاع نزاعات مسلحة، أو في حالة وقوع كوارث طبيعية، وكذلك مواجهة التحديات، والتهديدات الإرهابية، وحماية وتأمين المواصلات البرية والبحرية والجوية وعمليات البحث والإنقاذ، بالإضافة إلى أي مهام أخرى يقررها مجلس الدفاع»، إلا أن تلك القوة لم تُفعّل منذ تأسيسها.

السيسي يرحب بشيخ محمود في قصر الاتحادية (الرئاسة المصرية)

تهديد للأمن القومي

ويرى اللواء أحمد العوضي، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) في إشارة الرئيس المصري إلى اتفاقية الدفاع العربي المشترك «دلالة مهمة»، لافتاً إلى أن الاعتداء على سيادة الصومال لا يمثل خطراً على دولة بمفردها بقدر ما يمثل «تهديداً للأمن القومي العربي»، وهو ما يستدعي التذكير بحق الصومال بصفتها دولة عربية في تفعيل الاتفاقية عند تعرضها لخطر يهدد وحدة وسلامة أراضيها.

ووصف العوضي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» اتفاق الحكومة الإثيوبية مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بأنه «تهديد خطير للأمن القومي المصري والعربي»، مشدداً على أن مصر «لن تسمح بأي مساس بأمنها»، وأنها «ستتحرك بكل ما تمتلك من قوة لحماية أمنها ومساندة الأشقاء وفق ما تقتضيه أطر العمل الجماعي بالجامعة العربية وباستخدام ما تقرره القيادة المصرية من أدوات وفق تقديرها للموقف».

وأدانت مصر الاتفاق بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، وعدّته «مخالفاً للقانون الدولي وانتهاكاً لسيادة الصومال»، وحذَّر وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال اجتماع للمجلس الوزاري للجامعة العربية، الأسبوع الماضي، من مغبة ما وصفها بالسياسات «الأحادية» لإثيوبيا، التي قال إنها «باتت مصدراً لبث الاضطراب في محيطها الإقليمي».

لا حوار أو تفاوض

من جانبه، قال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الاثنين، إنه «لا مجال لحوار أو تفاوض مع إثيوبيا فيما يخص اتفاقها مع إقليم أرض الصومال»، وأضاف في مقابلة مع قناة «القاهرة الإخبارية»، أن «شراكتنا مع مصر لا تتعارض مع مصلحة أي طرف».

ورفضت الحكومة الصومالية الاتفاق بشدة. وسبق لشيخ محمود أن وصف الاتفاق بأنه «انتهاك غير مشروع» من جانب أديس أبابا للسيادة الصومالية، مؤكداً أنه «لا يمكن لأحد أن ينتزع شبراً من الصومال»، كما استدعت مقديشو سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور، ولاحقاً وقَّع الرئيس الصومالي قانوناً يُلغي الاتفاق.

رسالة قوية لإثيوبيا

ووصف السفير علي الحفني الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية، نائب وزير الخارجية السابق، الموقف المصري الذي عبّر عنه الرئيس السيسي بشأن أزمة الاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال» بأنه كان «حاسماً ورادعاً»، معتبراً تلك التصريحات «رسالة قوية لإثيوبيا»، وتحذيراً واضحاً بشأن عدم قبول محاولة الاستيلاء على أرض صومالية، وأضاف أن الصومال بصفته دولة عربية من حقه طلب الدعم من الدول الأعضاء في اتفاقية «الدفاع العربي المشترك».

وأضاف الحفني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري يمكنه أن يقدم الكثير من أوجه الدعم للصومال، سواء على المستوى الثنائي أو ضمن أطر التعاون الجماعي العربية والأفريقية والإسلامية، مشدداً على خطورة الاتفاق الإثيوبي في اختراق الأمن القومي لدولة عربية، وبما يمثله من تهديد لأمن دول البحر الأحمر مجتمعةً وفي مقدمتها مصر.

ورأى الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية أن جمهورية الصومال الفيدرالية، تعوّل على مصر لمساندتها في أزمتها الحالية بعد انتهاك إثيوبيا سيادتها، إذ تثق بمواقف القاهرة الداعمة لإعلاء مبادئ القانون الدولي واحترام المواثيق والأعراف الدولية، فضلاً عن حرصها على استقرار محيطها لا سيما قارتها الأفريقية، محذراً من أن اعتراف أديس أبابا بـ«أرض الصومال» التي لا تعترف بها أي دولة أو منظمة في العالم، يؤكد دعم إثيوبيا لانفصال وتقسيم أراضي جمهورية الصومال، مما يمثل «خرقاً خطيراً وتصعيداً للتوتر في منطقة القرن الأفريقي يتطلب وقفه قبل أن يؤدي إلى تداعيات سلبية على أمن واستقرار المنطقة».


مقالات ذات صلة

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

العالم العربي مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وطالبوا بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع تكالة وأبو الغيط على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا يوم السبت (المجلس الأعلى للدولة في ليبيا)

ما الذي يمكن لـ«الجامعة العربية» فعله حيال الأزمة الليبية المعقّدة؟

جدّد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط استعداد الجامعة لدعم ليبيا «في كل مسعى جاد يهدف لتوحيد كلمة الأفرقاء» في وقت تراوح الأزمة السياسية مكانها

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أبو الغيط يلتقي المفوض السامي لشؤون اللاجئين (جامعة الدول العربية)

«الجامعة العربية» قلقة إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في المنطقة

أعربت جامعة الدول العربية عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع الكارثية لملايين اللاجئين في دول المنطقة

فتحية الدخاخني (القاهرة )
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال» خطوة باطلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الجامعة)

«الجامعة العربية» تدعم مفاوضات لبنان وإسرائيل للوصول إلى حل دائم

أكدت جامعة الدول العربية دعمها مفاوضات لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى «حل دائم للأزمة التي يواجهها لبنان مع إسرائيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.