عاد ملف إعادة إعمار مدينة درنة إلى واجهة الأحداث في ليبيا خلال الأيام الماضية، حيث احتل الملف جانباً كبيراً من اجتماعات كبار المسؤولين، وذلك على الرغم من استمرار شكاوى أهالي المدينة مما وصفوه بـ«البطء في معالجة قضايا معيشية، واستمرار تدني الخدمات»، بحسب خبراء، ووسط تساؤلات حول إن كان ملف إعمار درنة يواجه مطبات وتعثرات جديدة.
يشار إلى أن درنة نالت الجانب الأكبر من التدمير، مقارنة بغيرها من مدن المنطقة الشرقية التي اجتاحها إعصار «دانيال» قبل أكثر من 3 أشهر، ما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا ما بين قتلى ومفقودين، فضلاً عن خسائر كبيرة في البنية التحتية.
واحتل ملف إعادة إعمار درنة جانباً من مناقشات المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، مع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، الثلاثاء. كما كانت المدينة محور نقاش نورلاند ومحافظ المصرف المركزي الليبي الصديق الكبير، أخيراً.

وأرجع الخبير الاقتصادي الليبي سليمان الشحومي، خلو جميع التصريحات بشأن ملف إعادة إعمار درنة من توضيحات حول الآلية، التي ستعتمد في التنفيذ «لضخامة حجم إعادة الإعمار ومتطلباته، مالياً وإدارياً وقانونياً، بما يفوق قدرات وصلاحيات الحكومتين المتنازعتين على السلطة التنفيذية». وقال الشحومي لـ«الشرق الأوسط» إن «التنفيذ الفعلي لمشروع الإعمار يتطلب تفاهمات وترتيبات كبيرة»، مضيفاً أن الأمر «يحتاج لقانون يتم إصداره لإيضاح جوانب عدة، وفي مقدمتها تخصيص الموارد المالية، وهل ستكتفي عمليات الإصلاح بجزء من حصيلة العوائد النفطية، أم سيتم اللجوء للاستعانة بجزء من الأموال الليبية المجمدة»، متوقعاً أنه «لن يمر هذا القرار لاستمرار الانقسام الحكومي، وغياب الاستقرار السياسي بالبلاد».

وفرق الشحومي بين «إبداء البنك الدولي استعداده للمساعدة في إعادة الإعمار، وبين تدشينه الفعلي لوجود آلية أو برنامج ينفذ هذا الهدف مع أي مؤسسة ليبية»، مشدداً على أن «أي مشاركة من أي جهة دولية ستتم عرقلتها، بسبب عدم وجود حكومة موحدة تحظى بتوافق الأطراف السياسية كافة، وتمتلك صلاحية التصرف بالموارد والإمكانات بعموم البلاد».
وأضاف الشحومي: «هذا ما لا تتفهمه حكومة الوحدة (المؤقتة)، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار (الموازية) المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، حيث تستمر كل منهما في إطلاق وعود بالإعمار، والسعي للانفراد بإدارة ملف الإعمار».

من جهته، أوضح عضو مجلس النواب الليبي عن منطقة الجبل الأخضر خليفة الدغاري أنه «لا تبدو إعادة الإعمار ممكنة في الوقت الحالي، مع استمرار الصراع على السلطة بالبلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن لا يوجد ما يذكر حول إعادة الإعمار، سوى ما يرد بتصريحات الحكومتين بالشرق والغرب بوصفه مادة للتوظيف في صراعهما السياسي، وما تردده البعثة الأممية حول ضرورة الاهتمام بمدينة درنة بالتزامن مع استمرار شكاوى أهالي درنة، وباقي المناطق المتضررة من تردي الخدمات الحيوية، من مياه وكهرباء وتهدم شبكات الصرف الصحي والطرق الرئيسية»، مشيراً إلى أن «مناطق بساحل الجبل الأخضر ما زالت تعاني من انقطاع الكهرباء منذ وقوع الكارثة».
كما انتقد الدغاري خفوت الأصوات حول مشروع القانون، الذي أعدّه وتقدم به نواب المناطق المتضررة من الإعصار، بشأن إنشاء صندوق لإدارة عملية الإعمار «يتمتع بشخصية اعتبارية، وذمة مالية وإدارية مستقلة ليكون هناك أمل حقيقي في بدء المشاريع على أرض الواقع، بعيداً عن طموحات الحكومتين، وحلفائهما في استئثار كل منهما بإدارة المشروع، وترك الأهالي في حالة انتظار».
في المقابل، أرجعت عضو مجلس النواب الليبي عن منطقة ساحل الجبل الأخضر، رابحة الدرسي، تأخر عملية الإعمار في درنة لحجم الدمار الواسع، الذي لحق بها؛ حيث انجرف ما يقارب ربع مساحتها بالبحر، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة المكلفة من مجلس النواب بصدد التعاقد مع بعض الشركات، التي قدمت أفضل العروض بالمؤتمر الذي أقامته تلك الحكومة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي»، لافتة إلى أن «بناء مدينة بأكملها نظراً لحجم ما فقد من أبنية عامة وخاصة، وتصدع المتبقي منها، فضلاً عن وضعية المدينة الجغرافية التي يحدها البحر، وتقع خلفها أودية مما يعرضها للخطر مجدداً، دفع للتمهل بعض الشيء، بدافع التدقيق لاختيار أفضل الدراسات، التي ستنفذ بما يضمن إعادة إعمار بشكل سليم وقوي».








