سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

لا مكان آمناً في السودان خصوصاً جوار الخرطوم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
TT

سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يعيش سكان ولاية النيل الأبيض، وسط السودان، حالة من الترقب والتوتر والخوف من انتقال المعارك إلى مدن ولايتهم، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، وتعد الحدود الجنوبية لها مع ولاية النيل الأبيض.

وقبل جبل أولياء، سيطرت «قوات الدعم السريع» على منطقة ود عشانا، بولاية شمال كردفان على الحدود الغربية مع ولاية النيل الأبيض التي تقع على ضفتَي النهر الذي تحمل اسمه.

الولاية تحدها من الشمال ولاية الخرطوم، ومن الغرب شمال كردفان، ومن الجنوب الغربي ولاية جنوب كردفان، وولايتا الجزيرة وسنار من الشرق، وتنتهي حدودها الجنوبية مع ولاية أعالي النيل بدولة جنوب السودان. وقد ظلت آمنة منذ بدء الصراع في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بل استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين الفارّين من الحرب في الخرطوم وكردفان.

قوة للجيش السوداني في أحد الشوارع بالخرطوم في 6 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وتقول سلمى جاد الرب، التي تقيم في مدينة ربك بجنوب ولاية النيل الأبيض، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعيش في قمة التوتر مع ازدياد حالة الاحتقان في الولاية، وجهّزنا حقيبة الطوارئ، لكن لا ندري إلى أين نذهب».

وتتخوف سلمى من أن تتعرض هي وأسرتها لانتهاكات لطالما سمعت عنها من النازحين من مناطق الصراع في الخرطوم، ومن ذلك الطرد من البيوت أو الاعتقال أو الاعتداءات الجنسية.

تقول إن فكرة ترك الديار في حد ذاتها مرعبة، وتضيف: «ننظر للمصير المجهول ونتساءل: كيف سننجو؟ وإلى أين نذهب في حال حدوث اشتباكات؟».

كل الإرهاصات مخيفة

سناء محمد، واحدة ممن نزحوا من الخرطوم إلى النيل الأبيض مسقط رأسها، تشير إلى وجود عدد كبير من الفارين من الخرطوم على أراضي ولاية النيل الأبيض، وتقول: «كل الإرهاصات مخيفة، فنحن هربنا من الخرطوم خوفاً من الاشتباكات، والآن نعيش في خوف وتوتر من حدوثها هنا، فمن الواضح أنْ لا مكان آمناً في السودان خصوصاً الولايات المجاورة للخرطوم».

كانت المنظمة الدولية للهجرة قد ذكرت في سبتمبر (أيلول) الماضي أن عدد النازحين داخلياً في السودان تضاعف تقريباً منذ بدء الصراع في أبريل. وقالت إن نحو 7.1 مليون شخص نزحوا داخل السودان، وأن معظم النازحين موجودون في ولايات شرق دارفور وشمال وجنوب دارفور وسنار والنيل الأبيض.

ومن سكان النيل الأبيض، تصف رشا حسن الوضع في مدينة القطينة التي تسكنها، وتقع في أقصى شمال الولاية على الحدود مع الخرطوم، بأنه «وضع صعب».

سودانيون أمام فرع مصرف محروق جراء المعارك في جنوب الخرطوم في 24 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وقالت رشا لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعاني انقطاع التيار الكهربائي والماء منذ أكثر من 16 يوماً، وأصبحنا نشتري برميل المياه الواحد بسعر ثلاثة آلاف جنيه سوداني. وبعض الأسر تذهب في الصباح إلى النيل لغسل الملابس وتعود في المساء حاملةً معها براميل مياه صغيرة على عربات تجرها الحمير».

وأغلقت معظم المحال التجارية أبوابها وقيَّدت السلطات الأمنية في الولاية حركة المواطنين ليلاً من العاشرة مساءً.

وذكرت رشا أنها تسمع أصوات إطلاق نار بصورة متقطعة كل يوم، إلى جانب إغلاق المراكز الصحية الخاصة أبوابها، وأصبح بعض أقسام مستشفى القطينة التعليمي خارج الخدمة منذ سقوط منطقة جبل أولياء في يد «الدعم السريع».

وقالت: «أصبحنا في حالة من الخوف والرعب من المصير المجهول، خصوصاً أن معظم الجيران نزحوا إلى مناطق أخرى، وأصبحنا نستيقظ كل يوم وننظر إلى الخارج عبر النافذة للاطمئنان على أننا في أمان، وليست هناك جثة ملقاة على الطرقات، ولا مدافع منصوبة على الأرض».

ويتملك رشا الهلع من هول القصص التي سمعتها من الفارين من ويلات الحرب في الخرطوم، لا سيما بعد أحداث منطقة جبل أولياء الشهر الماضي، وقالت: «أصبحت خائفة من انتقال الصراع إلى القطينة خصوصاً أنها المنطقة الحدودية بين ولايتي النيل الأبيض والخرطوم».

كانت «قوات الدعم السريع» قد سيطرت الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، التي تضم معسكرات للجيش السوداني بما في ذلك قاعدة النجومي الجوية والدفاع الجوي، كما تضم خزان جبل أولياء، الذي يضم أيضاً جسراً صغيراً يربط الخرطوم بأمدرمان، وأجبرت قوات الجيش على التراجع جنوباً إلى مدينة القطينة.

عائلة سودانية هربت من المعارك تنتظر السماح لها بعبور الحدود الى تشاد في 26 يوليو 2023 (رويترز)

وعلى أثر هذه المعارك نزح معظم السكان في جنوب الخرطوم إلى ولايتي النيل الأبيض والجزيرة بوسط البلاد.

صوت العقل وصوت البندقية

والآن تزداد مخاوف سكان النيل الأبيض من تعرض المنطقة لهجوم «قوات الدعم السريع» لا سيما بعد تعثر المفاوضات في مدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية، وتصاعد وتيرة المعارك بين الطرفين في الخرطوم، خصوصاً أن «قوات الدعم السريع» تتمركز في شمال وغرب الولاية.

لكن الدكتور إبراهيم مخير، مستشار قائد «قوات الدعم السريع»، قال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «لسنا دعاة حرب، ونؤمن بأن الأولوية في حالة الحرب هي لصوت العقل والحوار وليس لصوت البندقية... تَمثّل هذا بوضوح في حالة مدينة الفاشر، فرغم قدراتنا العسكرية المتفوقة ما زلنا في حالة حوار كي لا يتعرض المواطنون لمعاناة الصدام المسلح وآثاره».

وأشار مخير إلى أن قرار الزحف على ولاية النيل الأبيض، أو أي ولاية أخرى، متروك للقيادة العسكرية ومبنيٌّ على التهديدات التي يتلقاها «الدعم السريع» والمواطنون من المعسكرات الموجودة بتلك الولاية أو غيرها.

ويقول الصحافي أحمد حمدان، الذي نزح من مدينة أم درمان بعد مرور خمسة أشهر على بداية الحرب: «المخاوف وسط سكان ولاية النيل الأبيض من هجوم وشيك لقوات (الدعم السريع) مستمرة منذ أكثر من شهر».

وأشار حمدان، في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إلى أن المخاوف زادت بعد هجوم «الدعم السريع» على جبل أولياء جنوب الخرطوم، وبدء عملية نزوح واسعة لسكان المناطق الجنوبية للولاية خصوصاً مدينة القطينة، التي نزح أغلب سكانها جنوباً خوفاً من هجوم محتمَل عليها من «الدعم السريع».

ويضيف: «في مدينتي تندلتي وكوستي من الجهة الغربية لولاية النيل الأبيض، تسود حالة الترقب والحذر من هجوم (الدعم السريع)»، خصوصاً أن الولاية تطل من جهة الغرب على ولاية شمال كردفان، التي تسيطر «الدعم السريع» على أجزاء واسعة منها ويرتكز في منطقة ود عشانا، التي تبعد نحو 30 كيلومتراً من مدينة تندلتي.

مع ذلك، يستبعد حمدان مهاجمة «الدعم السريع» لولاية النيل الأبيض لأن ذلك سيفتح أمامها جبهة جديدة للقتال. ويقول: «يبدو أن قوات (الدعم السريع) غير مستعدة لذلك، ما لم تحسم وضع السيطرة العسكرية في الجبهات التي تقاتل فيها حالياً، خصوصاً في الخرطوم وكردفان، إذ ما زالت مدينة الأبيض وأجزاء من غرب كردفان تحت سيطرة الجيش».


مقالات ذات صلة

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مساعد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هاوليانغ شو متحدثاً في المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة تعود للعمل في الخرطوم بعد 3 سنوات من الحرب

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، العودة رسمياً للعمل من العاصمة السودانية الخرطوم، بعد 3 سنوات من اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل في غارة على منزله في مدينة نيالا (تحالف «تأسيس«)

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

قُتل قيادي في التحالف المؤسس للحكومة المدعومة من «قوات الدعم السريع»، في ضربة شنها الجيش السوداني على منزله في العاصمة نيالا بجنوب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل» 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
TT

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت، الخميس، مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، جنوب وسط السودان، وأسفرت عن مقتل 7 وجرح عدد من الأشخاص، في حين نفت «قوات الدعم السريع» المتهمة بتنفيذ الغارة، أي صلة لها بالهجوم.

وقالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أدّى إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين، من بينهم طبيب وطبيبة، ووصفت الحادث بأنه «تصعيد خطير» في وتيرة الاعتداءات التي تهدد النظام الصحي في البلاد. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيّرة نفّذت غارتين بفارق زمني قصير، استهدفت الأولى مبنى المستشفى بشكل مباشر، بينما وقعت الثانية خلال محاولة السكان إسعاف الضحايا وإجلائهم، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى. وبحسب الشهود، فقد قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص من أسرة واحدة، إلى جانب العمدة إبراهيم حامد، أحد زعماء القبائل في إقليم شمال كردفان.

«الخارجية» تدين

وأدانت وزارة الخارجية السودانية، بأشد العبارات، ما وصفته بـ«الهجوم الإرهابي الغادر» الذي قالت إن «قوات الدعم السريع» نفّذته بطائرة مسيّرة، مستهدفة المستشفى الوحيد في مدينة الجبلين، الذي يقدم خدماته لسكان المنطقة. وقالت الوزارة، في بيان صحافي، صدر في وقت متأخر من مساء الخميس، إن الهجوم يمثل «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية»، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم أطفال وكوادر طبية، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من المستشفى ومعداته. وأضافت أن القصف تزامن مع انطلاق حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على تعمد منفذي الهجوم إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر بين المدنيين. ودعت الخارجية السودانية المجتمع الدولي إلى إدانة ما جرى، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مجددة مطالبتها بتصنيف «قوات الدعم السريع» منظمة إرهابية.

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أي مسؤولية لها عن قصف مستشفى الجبلين، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها «مزاعم باطلة» يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه بهدف تشويه صورتها. وأضافت أنها ترفض «بشكل قاطع» محاولات الزجّ بها فيما وصفته بـ«حملات تضليل ممنهجة»، متهمة الجيش السوداني بالسعي إلى صرف الأنظار عن الانتهاكات التي يرتكبها بحق المدنيين والمنشآت العامة.

ويأتي هذا الهجوم بعد نحو أسبوع من اتهامات وُجهت إلى الجيش السوداني بشنّ غارة بطائرات مسيّرة استهدفت مستشفى مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وأسفرت عن مقتل 64 شخصاً وإصابة عشرات المدنيين.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

تصاعد هجمات المسيرات

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الطائرات المسيّرة التابعة لـ«قوات الدعم السريع» هجماتها على مواقع عسكرية في عدد من مدن ولاية النيل الأبيض، غير أن بعض تلك الهجمات أدّى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. واعتبرت قوى سياسية ومدنية أن استهداف مستشفى الجبلين، وما نتج عنه من سقوط قتلى وجرحى بين المرضى والكوادر الطبية، يمثل «جريمة نكراء» تضاف إلى سجل الانتهاكات، التي ترتكبها أطراف الحرب بحقّ المدنيين والمنشآت الخدمية. وفي السياق نفسه، أعرب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المناهض للحرب، عن إدانته الشديدة للهجوم، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤوليته.

وشدّد التحالف، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان نشره عبر موقع «فيسبوك»، على ضرورة وقف استهداف المنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، أو بأي وسائل عسكرية أخرى، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين. ودعا التحالف طرفي النزاع، ممثلين في القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، إلى الاستجابة العاجلة لمقترحات الهدنة الإنسانية، والشروع في اتخاذ خطوات جادة نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليمي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.