لماذا هناك أزمة سكر في مصر؟

شُـحه أثر في عادات المستهلكين

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير التموين خلال تفقد أحد منافذ السلع المخفضة في وقت سابق (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير التموين خلال تفقد أحد منافذ السلع المخفضة في وقت سابق (الحكومة المصرية)
TT

لماذا هناك أزمة سكر في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير التموين خلال تفقد أحد منافذ السلع المخفضة في وقت سابق (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير التموين خلال تفقد أحد منافذ السلع المخفضة في وقت سابق (الحكومة المصرية)

اعتاد الأربعيني محمود إبراهيم، عامل في أحد مقاهي منطقة «باب البحر» الشعبية بوسط العاصمة المصرية القاهرة، أن يُقدم السكر لزبائن القهوة في «عبوة صغيرة» بعيداً عن أكواب الشاي، وهو ما يعرف بـ«السكر بره»، لكن في الأيام الأخيرة، أصبح محمد يسأل الزبائن عن «عدد الملاعق» لإضافتها إلى أكواب الشاي، بدلاً من ترك الحرية لرواد المقهى لوضع الكمية التي يرونها مناسبة.

في حين فضّلت محال راقية لبيع القهوة والشاي في وسط القاهرة تقديم «أكياس السكر الصغيرة» حسب الطلب. يأتي هذا في وقت اشتكى مصريون من شُحّ السكر في الأسواق وارتفاع سعره، وسط جهود حكومية رسمية لتوفير السكر ومواجهة ارتفاع سعره، لتثار تساؤلات حول أزمة السكر في البلاد، ومتى ستنتهي، ولماذا ارتفعت أسعار السكر بهذا الشكل «القياسي»؟

ويرى مراقبون، أن الأسواق المصرية «تعاني نقص كميات السكر المعروضة منذ أشهر؛ وهو ما تسبب في زيادات مطردة بالأسعار منذ بداية العام الحالي، فبعدما كان يسجل سعر كيلو السكر نحو 20 جنيهاً، تجاوز حاجز الـ50 جنيهاً للكيلو في بعض المتاجر».

لمواجهة ذلك؛ طرحت الحكومة المصرية مبادرة عبر منافذ السلع المخفضة المنتشرة في البلاد، لبيع السكر بـ27 جنيهاً، في محاولة لضبط الأسعار. كما لوّح وزير التموين المصري، علي المصيلحي، أخيراً، بفرض «تسعيرة جبرية على السكر حال عدم انضباط الأسواق».

وبحسب المراقبين، فإن للسكر في مصر 3 أسعار، الأول وهو المدعم ويمنح للأسر المصرية على البطاقات التموينية ويباع بسعر 12.5 جنيه (الدولار يساوي 30.75 جنيه)، والثاني في المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين والمبادرات الحكومية بسعر 27 جنيهاً للكيلو، والثالث في المحال الكبرى والأسواق بأسعار متفاوتة من 45 جنيهاً للكيلو لتتجاوز حاجز الـ50 جنيهاً.

عضو شعبة المواد الغذائية بالاتحاد العام للغرف التجارية بمصر، حازم المنوفي، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «السعر الذي حددته الحكومة المصرية (27 جنيهاً) جعل هناك إقبالاً كبيراً على شراء هذا النوع من السكر».

وذكر وزير التموين المصري، في يوليو (تموز) الماضي، أن «السعر العادل للسكر يتراوح ما بين 22 و26 جنيهاً بسبب ارتفاع السعر عالمياً». والاثنين، أشارت «رويترز» إلى أن هيئة السلع التموينية في مصر «اشترت نحو 50 ألف طن من السكر الخام بسعر 668 دولاراً للطن الواحد سوف تصل في يناير (تشرين الثاني) المقبل».

من جهته، أرجع وزير التموين المصري زيادة سعر السكر إلى «انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بـ(السوق الموازية) خلال الأسابيع الماضية». وقال في تصريحات متلفزة، مساء الأحد: إن «ذلك دفع الحكومة المصرية إلى توفير نصف المبالغ المطلوبة لاستيراد السكر من البنك المركزي المصري بالسعر الرسمي للدولار، على أن يقوم المستوردون بتدبير النصف الآخر من عائدات أنشطتهم».

وسجلت أسعار السكر أخيراً ارتفاعاً عالمياً بسبب «انخفاض الإمدادات العالمية بعدما أضر الطقس الجاف بشكل غير معتاد بالمحاصيل في الهند وتايلاند ثاني وثالث أكبر مصدرين للسكر بالعالم، مع توقعات بانخفاض إنتاج السكر العالمي بنسبة 2 في المائة»، وفق تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» منتصف الشهر الحالي.

من جانبها، تقدمت جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، الثلاثاء، ببلاغ لجهاز حماية المستهلك في مصر من أجل التصدي لما وصفته بـ«اختناقات مفتعلة لتعطيش السوق وحجب السكر بهدف زيادة السعر»، في حين أعلن الجهاز، الثلاثاء، عن «ضبط 1.25 طن سكر قبل بيعها بأسعار أعلى من المعلنة». وأرجع رئيس الجهاز، إبراهيم السجيني، الثلاثاء، أزمة السكر إلى «استغلال بعض التجار».

عملات مصرية من فئات مختلفة أمام عملات دولية (أ.ف.ب)

رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، محمود العسقلاني، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن تجار السكر «حققوا أرباحاً كبيرة خلال الأشهر الماضية على خلفية شراء وتخزين كميات كبيرة، ثم بيعها بعد ذلك بأسعار أعلى من سعرها؛ نظراً لغياب الرقابة عن الأسواق».

إلا أن رئيس شعبة السكر بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية، حسن الفندي، يرى أن «أي زيادة في الكميات المعروضة من قِبل الحكومة في الأسواق ستؤدي إلى خفض أسعار السكر، وخروج المضاربين كافة من السوق»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المضاربين الساعين للربح السريع عبر احتكار كميات السكر سيتخلون عما في حوزتهم فور شعورهم بأن السكر سيكون متوافراً في الأسواق بسعر أقل».

وهنا يشير المنوفي إلى أن «زيادة المعروض من السكر عبر طرح كميات أكبر بالأسواق سيكون حلاً لارتفاع الأسعار»، لافتاً إلى أن ذلك لن يتحقق «إلا باستيراد كميات كبيرة وطرحها بالأسواق، أو الانتظار لبداية الموسم الجديد في يناير المقبل».

وشغلت أسعار السكر المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، ودوّن بعضهم يطالب بـ«حل سريع للأزمة»، في حين سخر البعض الآخر من «عدم توافر السكر»، وأنه «لن يستخدمه على أي مشروب توفيراً للنفقات». أيضاً اشتكى بعض المتابعين من «ارتفاع سعر السكر في الأسواق».

في السياق، رفض وزير التموين المصري، الاثنين، اللجوء إلى طرح كميات إضافية وإغراق السوق من المخزون الاستراتيجي للسكر، الذي قال: إنه «يكفي لأكثر من 5 أشهر مقبلة».

عودة إلى المنوفي الذي أشار إلى أنه «لا يمكن للدولة المصرية أن تضطر إلى اللجوء للمخزون الاستراتيجي؛ إلا في حالات الضرورة القصوى، وهو ما لم نصل إليه». وهنا، أكد العسقلاني، أن «لجوء الدولة المصرية إلى استخدام نص المادة 10 من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بتحديد سعر محدد لفترة معينة على السلعة وتطبيقه على السكر، أمر قد لا يحل المشكلة؛ لأنه قد يؤدي إلى ظهور (سوق سوداء) لتداول السكر، ولا يحقق الهدف منه بتحقيق الانضباط في الأسواق».


مقالات ذات صلة

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

يوميات الشرق وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13 في محافظة الإسكندرية (شمال القاهرة). ووثقت السيدة عملية انتحارها في بث.

رحاب عليوة (القاهرة)
تحليل إخباري شرطي يحرس إحدى المنشآت في وسط القاهرة (رويترز)

تحليل إخباري من المتوسط للمنخفض... ماذا يعني تحسن مصر في خريطة مكافحة الإرهاب؟

تقدم مصري جديد في مكافحة الإرهاب يعكس تحولات لافتة في المشهد الأمني، انعكس في تحسن تصنيفها على المؤشرات الدولية، وانتقالها إلى مستوى منخفض.

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

فتحت عوائد خطة التقشف المصرية الجدل حول جدواها فبينما أعلنت الحكومة نجاحها في «ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود» تحدث خبراء عن «خسائر» بقطاعات اقتصادية.

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد أحد شوارع القاهرة ليلاً (أ.ف.ب)

«تكلفة الخوف» تدفع تجاراً مصريين لـ«المبالغة في التسعير»

أعلن وكلاء عدد من ماركات السيارات والهواتف «زيادات رسمية» عدة مرات مع نقص في المعروض ببعضها، فيما عادت ظاهرة «الأوفر برايس».

أحمد عدلي (القاهرة )
المشرق العربي مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الودائع الخليجية في «المركزي» المصري... أداة دعم «مستقرة» لا تتأثر بمناوشات «السوشيال ميديا»

تشكل «الودائع الخليجية» في البنك المركزي المصري «أحد روافد» دعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وفق اقتصاديين وبرلمانيين مصريين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
TT

توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)

مع تسارع الاستعدادات لاستضافة مدينة سرت الليبية مناورات «فلينتلوك 2026» منتصف الشهر الجاري، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ورغم استمرار الانقسام السياسي والعسكري، بدت تصريحات لافتة صادرة عن أطراف عسكرية من الجانبين، تعكس توجهاً متنامياً لتوظيف الحدث كونه منصة للاقتراب من ملف توحيد الجيش.

وأثارت تلك الرسائل خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت المناورة التي ترعاها القوات الأميركية في «أفريقيا» قد تكتسب أبعاداً أوسع من جانبها الميداني، لتتحول إلى ما يشبه «كلمة سر» لخطوات متقدمة على طريق تشكيل جيش ليبي موحد، وهو الهدف الذي ظل غائباً عن البلاد منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وبين خصوم الأمس في محاور القتال خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 – 2020)، شهدت لغة الخطاب تحولاً ملحوظاً نحو مزيد من التقارب والتصالح. ففي شرق ليبيا، بدا هذا التغير واضحاً في تصريحات نائب قائد «الجيش الوطني» صدام خليفة حفتر، الذي حرص على تضمين تصريحاته عن هذه المناورات رسائل تتحدث عن «قدرة شباب ليبيا على الوحدة» و«مهنية المؤسسة العسكرية»، مشيراً إلى مشاركة عسكريين من «طرابلس والمدن الليبية كافة»، في محاولة لإبراز كسر الانقسام بين الشرق والغرب.

وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي وسط قادة عسكريين في مارس الماضي (وزارة الدفاع)

المغزى ذاته أعاد تأكيده شقيقه رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر بحديثه عن أن مناورة «فلينتلوك» تعكس حرص العسكريين على «وحدة البلاد»، بل ذهب إلى الحديث عن أن «تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة العسكرية شرقاً وغرباً وجنوباً» بمثابة «دعم حقيقي لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها».

في المقابل، قدّم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، قراءة رمزية للحدث، واصفاً التمرين بأنه «لقاء البنادق التي طال بها الفراق»؛ في إشارة إلى سنوات النزاع، بل وذهب إلى وصفه بأنه «تجسيد حي لإرادة توحيد المؤسسة العسكرية».

وتلقى مراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل، عززه اختيار سابق لسرت موقعاً للمناورات، باعتبار ما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب، ما يمنحها طابعاً «محايداً نسبياً» يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.

قوات تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في تدريبات استعداد لمناورة «فلينتلوك» في سرت (إعلام القيادة العامة)

كما تُقدَّم سرت في الخطاب الرسمي نموذجاً للتحول من بؤرة صراع، بعدما كانت أحد أبرز معاقل تنظيم «داعش» الذي قضت عليه عملية «البنيان المرصوص» قبل سنوات، إلى منصة للتدريب والتعاون الدولي. ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها «انتصرت على الإرهاب»، يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزاً للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.

لكن، ورغم هذه الرسائل، يرى عدد من الخبراء أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن إطار «التوحيد الرمزي». وهنا قال وزير الدفاع الليبي الأسبق، اللواء محمد البرغثي، إن إجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، إلى جانب عناصر من القيادة الأميركية في أفريقيا، لا يمكن اعتباره مؤشراً على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وأوضح البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين، أحدهما في غرب ليبيا والآخر في شرقها، لا يعكس بأي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة». وأضاف أن «وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة، وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لإمرة رجل واحد يُعرف بالقائد العام».

واعتبر البرغثي أن ما يحدث في سرت «أقرب إلى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة، وليس دليلاً على توحيد الجيش الليبي»، مؤكداً أن «تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب أولاً توحيد القيادة والقرار العسكري».

ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما سبق أن رصده باحثون ليبيون من عقبات بنيوية تعرقل هذا التوحيد، من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي، وغياب عقيدة عسكرية موحدة، فضلاً عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها، حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة أركان في الغرب.

رئيس أركان «الجيش الوطني» في شرق ليبيا الفريق أول خالد حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، التي تتبعها مجموعات مسلحة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، والمدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتُعد مناورات «فلينتلوك»، التي انطلقت عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في أفريقيا، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.

ورغم الطابع العسكري للمناورة، ترى بعض التقديرات أن «فلينتلوك 2026» تمثل محطة ذات أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصاً مع حلول موعدها بعد أيام من اتفاق بين أطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية أميركية، بعد سنوات من التعثر.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن ما يجري يعكس «مقاربة متكاملة» لإعادة التموضع الأميركي داخل ليبيا والمنطقة، ما يمنح الحدث أهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.

وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى «مسار متكامل» تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية، معتبراً أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.

وبحسب تقديره، فإن هذا التوازي بين المسارين الأمني والمالي قد يشير إلى توجه عملي لإعادة تشكيل مركز القرار في البلاد، والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الأبعاد الأمنية والمالية.

وتشير تقديرات بحثية، بينها أوراق صادرة عن «المجلس الأطلسي»، إلى أن استضافة «فلينتلوك» في ليبيا تحمل أيضاً رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة أمنية غربية، بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.

وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى التحدي الرئيسي، بحسب مراقبين، في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، نحو إعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.


«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)
TT

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى، أو إسرائيل التي تماطل في تنفيذ بند الانسحاب الكامل من القطاع، ولم تفِ ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق.

وتضع تلك المناقشات مفاوضات القاهرة أمام «اختبار صعب»، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، خصوصاً أن «حماس» تضع رداً مشروطاً بالتقدم في الاتفاق وتنفيذ إسرائيل التزاماتها، ورجحوا أن «يسعى الوسطاء لنيل تنازلات حقيقية ووضع ضمانات قوية لدفع خطة السلام».

وبحسب مصدر مقرب من «حماس» قال لـ«الشرق الأوسط»، الأحد، إن «لقاءات الوفد مع السلطات المصرية بعد وصوله إلى القاهرة، تناولت تأكيدات على ضرورة وقف الخروقات الإسرائيلية، وتنفيذ باقي بنود المرحلة الأولى من الاتفاق، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات، وكذلك دمج موظفيها داخل إدارة (لجنة التكنوقراط)».

رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة شؤون غزة علي شعث يوقع بيان مهمة عملها (إكس)

ولفت إلى أن «الوفد يحمل رداً مشروطاً بعدم الممانعة في تسليم السلاح؛ لكن مع تنفيذ كامل بنود الاتفاق والوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، وتوفير ضمانات لحماية الضفة والقدس في ظل الانتهاكات اليومية»، قائلاً إن «الرد ليس بالقبول التام أو الرفض الكامل».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤول بالحركة، أن «(حماس) تشدد على وجوب وقف جميع الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، وتفكيك جميع النقاط والمواقع العسكرية التي أقامها الاحتلال غرب الخط الأصفر، وفتح المعابر وزيادة عدد المسافرين والبضائع، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتسلم مهامها»، في إشارة إلى اللجنة المؤلفة من 15 خبيراً فلسطينياً، التي تشكّلت لإدارة شؤون القطاع مؤقتاً بإشراف «مجلس السلام» الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

مشاورات مع الفصائل

كما ذكر مصدر مطلع في «حماس» وفق الوكالة، أن «وفد الحركة سيجري أيضاً مشاورات مع ممثلي وقادة عدد من الفصائل الفلسطينية الموجودة في القاهرة، إضافة إلى عقد لقاء مع منسّق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لبحث المسائل ذاتها».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن تنسحب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

فلسطينيون يسيرون وسط الخيام بمخيم مؤقت للنازحين في خان يونس (أ.ف.ب)

نائب المدير العام لـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد إبراهيم الدويري، يرى أنه من المهم البدء في العمل على تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دون إبطاء، خصوصاً عقب وقف الحرب علي إيران، لافتاً إلى أن «مصر تتحرك بقوة للبدء في تنفيذ المرحلة الثانية، ولذا تقوم بالتنسيق مع الأطراف كافة بمن فيهم (حماس) والفصائل وملادينوف».

ويعتقد الدويري أن «موضوع نزع سلاح (حماس) سوف يأخذ حيزاً كبيراً المرحلة المقبلة، وستسعى مصر إلى إحراز توافق مع (حماس) بشأنه؛ إذ إنها تخشي تذرع إسرائيل برفض الحركة، وبالتالي تستأنف الحرب».

ويتابع: «في المحادثات الحالية التي تعدّ اختبارأً صعباً لجميع الأطراف، تحاول مصر سد كل الذرائع أمام إسرائيل التي خرجت من حرب إيران، وهي على استعداد لمواصلة الحرب في غزة كما تفعل الآن على الجبهة اللبنانية»، لافتاً إلى أن الضمان الرئيسي يتمثل في التزام جميع الأطراف بلا استثناء في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، حتى نصل إلى تنفيذ ما يتعلق بالمسار السياسي.

«أزمة يريدها نتنياهو»

بدوره، يعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن «حماس» بردودها المشروطة المتوقعة «تصنع أزمة؛ وهذا ما يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في عام الانتخابات المرتقبة، للذهاب لسيناريو تصعيدي لا يرغب فيه أحد، وبالتالي تهديد الاتفاق برمته».

وعشية ترقب نتائج جديدة من محادثات القاهرة، أعلن «الدفاع المدني» في غزة، السبت، مقتل 7 فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية قرب نقطة للشرطة في مخيم البريج وسط القطاع.

ودعا الدويري «حماس» إلى «التركيز على مصالح الشعب الفلسطيني، وليس مصلحة الحركة فقط، وألا تترك ذريعة لإسرائيل لاستئناف الحرب، خصوصاً أن الوضع في غزة في قمة المأساة الإنسانية».

ويذهب مطاوع إلى أن «فرص النجاح في محادثات القاهرة الحالية مرتبطة بما ستقدمه (حماس)»، مشيراً إلى أن ما سماه «الجناح الإيراني» في الحركة «يعول على حدوث تقدمات في المفاوضات الأميركية - الإيرانية؛ وهذا ما سيجعل مسار الحل القريب محل شكوك، ما دمنا لا نرى تنازلات حقيقية وضمانات قوية».


سجين ليبي في إيطاليا «يخيط فمه» ويحرِّك قضية «محتجَزي كرة قدم»

جانب من وقفة احتجاجية للإفراج عن اللاعبين الليبيين (صفحات لأُسَر اللاعبين)
جانب من وقفة احتجاجية للإفراج عن اللاعبين الليبيين (صفحات لأُسَر اللاعبين)
TT

سجين ليبي في إيطاليا «يخيط فمه» ويحرِّك قضية «محتجَزي كرة قدم»

جانب من وقفة احتجاجية للإفراج عن اللاعبين الليبيين (صفحات لأُسَر اللاعبين)
جانب من وقفة احتجاجية للإفراج عن اللاعبين الليبيين (صفحات لأُسَر اللاعبين)

أثارت واقعة إقدام سجين ليبي في إيطاليا على خياطة فمه والدخول في إضراب مفتوح عن الطعام صدمة حقوقية واسعة، وأعادت تسليط الضوء على ملف 5 سجناء ليبيين محتجزين منذ أكثر من 10 سنوات في السجون الإيطالية، في ظل مطالبات متجددة بتفعيل اتفاقية تبادل المحكومين بين البلدين.

وقوبل تسجيل مصور للسجين الليبي مهند نوري خشيبة بصدى واهتمام بالغ من جانب حقوقيين ومدونين ووسائل إعلام محلية، بعد أن قال إنه دخل في إضراب عن الطعام والشراب، وخيَّط فمه احتجاجاً على ظروف احتجازه.

وأشار إلى أنه وُضع في الحبس الانفرادي عقب «مناوشة» مع عناصر الأمن داخل السجن، إثر تهديده بالانتحار في ظل ما وصفه بحالة يأس شديدة بعد سنوات طويلة من الاحتجاز.

السجين الليبي المحتجز في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة)

وضمن المقطع المرئي، بدت نبرة الاستياء واليأس ظاهرة على السجين الليبي الذي أقر بأن ما يفعله «مخالف دينياً»، ولكنه أقدم عليه نتيجة «طفح الكيل»، على حد تعبيره، بعد قضائه نحو 11 عاماً في السجن؛ مشيراً إلى أنهم تلقوا وعوداً سابقة بنقلهم لقضاء ما تبقى من محكوميتهم في ليبيا. وأضاف أنه سينهي إضرابه فور إعلان ترحيلهم إلى ليبيا، أو في حال إعلان السلطات الإيطالية استحالة تنفيذ ذلك.

وخشيبة واحد من 5 لاعبي كرة قدم ليبيين أُدينوا في إيطاليا بتهم تتعلق بـ«الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة»؛ حيث قضت محكمة إيطالية في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2015 بسجنهم مدة 30 عاماً. وتقول أُسَرهم إنهم كانوا يسعون للهجرة من أجل الاحتراف الرياضي في أوروبا.

وحسب حقوقيين، فإن هذه التطورات أعادت تحريك ملف المحتجزين، وسط دعوات من منظمات ليبية للتدخل العاجل لإنهاء معاناتهم. وأعربت «المنظمة الليبية لحقوق الإنسان» في بنغازي عن صدمتها إزاء ما جرى، ووصفت خياطة الفم والإضراب عن الطعام بأنه «مشهد مأساوي يعكس مستوى اليأس والانهيار النفسي» داخل السجون.

واعتبرت المنظمة الحقوقية الليبية أن ما حدث يمثل «صرخة استغاثة تستوجب تحركاً عاجلاً»، محذرة من «كارثة إنسانية» نتيجة استمرار احتجازهم لسنوات طويلة بأحكام وصفتها بالقاسية. ودعت المنظمة كلاً من نائب قائد «الجيش الوطني» في شرق البلاد الفريق صدام حفتر، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، إلى التدخل الفوري لتفعيل اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا، ونقلهم إلى ليبيا.

وفي المقابل، لم تصدر السلطات الليبية في الشرق ولا في الغرب ولا السلطات الإيطالية، أي تعليق رسمي بشأن التطورات الأخيرة، غير أن الملف شهد خلال السنوات الماضية تحركات متفرقة بين وزارتَي العدل والخارجية والنائب العام الصديق الصور في طرابلس بغرب البلاد، إضافة إلى مجلس النواب شرقاً.

وكانت ليبيا وإيطاليا قد وقَّعتا اتفاقية لتبادل السجناء في باليرمو بتاريخ 29 سبتمبر (أيلول) 2023، وصادق عليها البرلمان الإيطالي لاحقاً في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ما اعتُبر خطوة نحو تفعيل آلية نقل المحكومين بين البلدين.

النائب العام الليبي الصديق الصور والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية خلال لقاء في ديسمبر 2024 (مكتب الصور)

وأبدت المحامية والناشطة الحقوقية الدكتورة انتصار القليب استغرابها من عدم تطبيق «اتفاقية تبادل السجناء التي صادقت عليها السلطة التشريعية في إيطاليا، وأصبحت نافذة وقابلة للتنفيذ»، وقالت إن ذلك يحمِّل الجهات التنفيذية الليبية مسؤولية مباشرة لاستكمال الإجراءات دون تأخير.

وأضافت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن السجناء وقَّعوا نماذج رسمية للموافقة على قضاء ما تبقى من محكومياتهم داخل ليبيا، متسائلة عن أسباب تعطُّل التنفيذ رغم استكمال الإجراءات القانونية الأساسية، ومطالبةً بكشف الحقائق للرأي العام أو توضيح وجود عوائق حالت دون التطبيق.

وسبق أن أعلنت وزارة العدل في حكومة الوحدة الوطنية، في فبراير (شباط) الماضي، التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الإيطالي بشأن مباشرة القنصليات الليبية في إيطاليا الإجراءات القانونية الخاصة بتنفيذ الاتفاقية، مؤكدة دخولها حيز التنفيذ؛ لكن ملف اللاعبين الخمسة لا يزال عالقاً دون تقدم ملموس.

وتنص اتفاقية تبادل السجناء بين ليبيا وإيطاليا على تسهيل إعادة إدماج المحكوم عليهم في بلدانهم الأصلية، عبر السماح لهم بقضاء ما تبقى من مدة العقوبة داخل أوطانهم، بشرط أن يكون الحكم نهائياً، وأن يتبقى من العقوبة مدة لا تقل عن سنة، وأن يشكِّل الفعل جريمة في قانون الدولة المستقبِلة، إضافة إلى موافقة الطرفين والسجين.

ويعتقد الباحث القانوني والناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن «المشكلة غالباً ليست في وجود الاتفاقية؛ بل في الإجراءات البيروقراطية وغياب الإرادة السياسية، أو استيفاء الشروط القانونية لكل حالة».

ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة خشيبة تضع على عاتق السلطات الليبية مسؤولية أكبر في متابعة أوضاع رعاياها في الخارج، والضغط عبر القنوات الدبلوماسية، وتسريع إجراءات نقل المحكومين إن أمكن».

وأشار أيضاً إلى مسؤولية الجانب الإيطالي في «ضمان عدم وصول السجناء إلى هذا المستوى من الاحتجاج، من خلال آليات الاستماع والتظلم»؛ حيث رأى في واقعة السجين خشيبة «مؤشراً خطيراً على مستوى المعاناة التي قد يمر بها هذا السجين وغيره، عندما يشعرون بانسداد الأفق القانوني والإنساني أمامهم».

وبين الاستياء الحقوقي والشكاوى المستمرة من أُسَر المسجونين الخمسة، يبقى ملف السجناء الليبيين في إيطاليا أمام أسئلة مفتوحة، في انتظار خطوة سياسية أو قانونية قد تنهي معاناة ممتدة منذ أكثر من عقد.