دمار ونهب وتدمير... صراع السودان يتسبب في تدهور كبير للاقتصاد المنهك

خرجت غالبية قطاعات الإنتاج العامة والخاصة عن الخدمة

اقتصاد السودان المنهك أصلاً يعاني من تدهور كبير (رويترز)
اقتصاد السودان المنهك أصلاً يعاني من تدهور كبير (رويترز)
TT

دمار ونهب وتدمير... صراع السودان يتسبب في تدهور كبير للاقتصاد المنهك

اقتصاد السودان المنهك أصلاً يعاني من تدهور كبير (رويترز)
اقتصاد السودان المنهك أصلاً يعاني من تدهور كبير (رويترز)

مع استمرار الصراع بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يُعاني اقتصاد البلاد المنهك أصلاً من تدهور كبير، حيث خرجت غالبية قطاعات الإنتاج العامة والخاصة عن الخدمة جراء تعرّضها لعمليات نهب وتدمير واسعة في الأشهر الأولى لاندلاع الصراع، وطالت تلك العمليات كبرى الشركات والمصانع والبنوك، في حين تراجعت حركة الصادرات، خصوصاً الزراعية وصادرات الماشية، بحسب وكالة «أنباء العالم العربي».

ولم تفِ الحكومة منذ بداية الصراع، في منتصف أبريل (نيسان)، بمرتبات العاملين في مؤسسات الدولة، رغم مرور 7 أشهر على بداية الحرب؛ بسبب ضعف الإيرادات، واقتصرت المرتبات على الجيش والقوات النظامية الأخرى.

كان البنك الدولي توقّع، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حدوث انكماش في الاقتصاد السوداني، بعد أن دمرت الحرب قدرات الدولة ورأس المال البشري.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية في السودان (أوتشا)، في بيان، إن البنك الدولي توقّع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 12 في المائة «لأن الصراع أوقف الإنتاج ودمّر رأس المال البشري وقدرات الدولة».

وأشار البيان إلى أنه «جرى تعديل توقعات النمو للسودان بانخفاض مقداره 12.5 نقطة، حيث ألحق النزاع المسلح الضرر بالقاعدة الصناعية والمرافق التعليمية والصحية»، مشيراً إلى أن «الحرب تسببت في انهيار النشاط الاقتصادي، بما في ذلك الخدمات التجارية والمالية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

تحديّات مالية

وقالت ثناء خضر، مديرة إدارة التجارة الخارجية بوزارة التجارة والتموين السودانية، إن الوزارة تمكّنت من استئناف نشاطها في مدينة بورتسودان في منتصف مايو (أيار) الماضي في ظل الظروف الصعبة التي تشهدها البلاد.

وأشارت خضر في مقابلة مع وكالة «أنباء العالم العربي» إلى أن التجارة في البلاد تُدار بالطرق غير المتّبعة سابقاً، لتعظيم الفائدة للتاجر والمستهلك، حيث شاركت في ترتيبات تصدير السلع المكدّسة في الموانئ البحرية بولاية البحر الأحمر شرق البلاد، بما في ذلك المواشي التي كانت عرضة للنفوق، والأقطان التي كانت معرضة للحريق بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وذكرت ثناء أن استئناف النشاط في عمليات الصادرات بدأ بكادر وظيفي قليل جداً؛ بسبب التحديات المالية التي تواجه الوزارة، وذلك بمساعدة المكتب الإقليمي التابع لها، مشيرة إلى الاستعاضة عن العمل الإلكتروني باليدوي بعد فقدان النظام الإلكتروني، فضلاً عن الحد من المعوقات المصرفية بالتنسيق مع بنك السودان المركزي.

ولم تتمكّن وزارة التجارة والتموين من حصر الخسائر التي تعرّض لها القطاع التجاري في البلاد، لكن مديرة إدارة التجارة الخارجية تقول إن «الخسائر كبيرة، والآن نعتمد على الاستيراد لسد العجز إلى أن تسترد المصانع والشركات عافيتها».

وأكدت أن بعض الشركات الكبرى بدأت العودة إلى البلاد لاستئناف نشاطها في الولايات الآمنة، بعد أن تلقت تسهيلات من وزارة الاستثمار.

نهب طال كل شيء

في غضون ذلك، قال محمد سليمان، الأمين العام للغرفة القومية للمصدّرين السودانيين، في حديث لوكالة «أنباء العالم العربي» إن عمليات النهب طالت كل شيء، بما في ذلك كبرى الشركات والمصانع والبنوك التي تتركز في مدن الخرطوم.

وأضاف: «لا يوجد شخص لم يتضرر، بدءاً من صغار التجّار والحرفيين، وهؤلاء الأكثر تأثراً، ومروراً بالمنتجين والمزارعين، ما أثّر على سلاسل الاقتصاد عموماً».

ودعا سليمان الحكومةَ إلى التفكير في إيجاد طريقة تخفف آثار الحرب على القطاع الخاص «بوصفه رأس الرمح في دفع عجلة الاقتصاد الوطني»، مشيراً إلى أن احتياجات السودان من المنتجات التي تستورَد من الخارج تضاعفت إلى 50 في المائة بعد الحرب؛ بسبب خروج المصانع والشركات الكبرى عن الخدمة.

وقال إن تراجع حركة الصادرات «أدى إلى زيادة أسعار السلع والدولار في السوقين الرسمية والموازية».

وتقسّم الصادرات السودانية إلى 3 أقسام، أولها الثروة الحيوانية، و60 في المائة منها في إقليم دارفور. أما القسم الثاني، وهو الزراعة، فيستحوذ الإقليم أيضاً على 30 في المائة منها، كما يستحوذ على 40 في المائة من قطاع التعدين. وتتوزع البقية على ولاية نهر النيل شمال السودان وولاية البحر الأحمر شرقاً.

ويشهد إقليم دارفور صراعاً ضارياً تصاعدت وتيرته خلال الأيام الماضية، حيث كثفت قوات «الدعم السريع» عملياتها العسكرية وتمكّنت من الاستيلاء على ثلاث مدن رئيسية من أصل خمس، بما في ذلك فِرق وحاميات الجيش.

وقال سليمان إن صادرات الماشية والزراعة في إقليم دارفور بدأت تتسرب إلى دولتي تشاد وجنوب السودان المجاورتين للإقليم؛ بسبب عدم قدرة المنتجين على إيصالها إلى العاصمة أو المعابر الحدودية والموانئ البحرية في ظل استمرار القتال.

وأوضح أن حركة الصادرات، خصوصاً المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، باتت أكثر تعقيداً؛ لوجود النسبة الأكبر منها في إقليمَي دارفور وكردفان.

وأضاف: «لا نرى أي مبادرات من الحكومة يمكن أن تُساعد المصدّرين والمنتجين».

الإنفاق على المجهود الحربي

من جانبه، توقّع المحلل الاقتصادي وائل فهمي في مقابلة مع وكالة «أنباء العالم العربي» أن يكون حجم الخسائر جراء الدمار الذي أحدثته الحرب الحالية بالسودان قد تجاوز 100 مليار دولار، خصوصاً مؤسسات الدولة وقواعد إنتاجها وبنيتها الأساسية.

وأضاف: «إذا تمّت إضافة حجم الإنتاج المفقود للمواطنين بسبب النزوح والطرد والهرب إلى خارج ولايات الحرب، وعدم تشغيلهم بمناطق أو دول اللجوء، فإن مبلغ الخسائر سيتجاوز هذه القيمة بكثير».

وذكر أن «استمرار هذه الحرب التدميرية سيعمل على زيادة القيمة المادية لخسائر الأصول المذكورة، بما يتسبب في استمرار تدهور الناتج الكلي للاقتصاد، مما يؤدي أيضاً إلى تدهور في القواعد أو البنود الإيرادية كافة للخزينة العامة للدولة، في ظل توقف المساعدات الدولية للحكومة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021».

ويرى سليمان أنه سيترتب على التدهور الاقتصادي والإضعاف المستمر لوتيرة عمل النشاط الإنتاجي بالولايات المتشابكة اقتصادياً، وما يرتبط بذلك من إضعاف قاعدة مصادر الإيرادات العامة للدولة ووتيرة حجم الصادرات والواردات، ضعفٌ في قوة الإنفاق الحكومي على المجالات الإنتاجية «التعميرية» للبلاد؛ بسبب تحوّلها لصالح الإنفاق على المجهود الحربي.

وقال إن الحرب تلتهم في المتوسط نصف مليار دولار يومياً من الجانبين المتحاربين على أقل تقدير، بحسب ما يراه.

وأشار إلى استمرار محاولات الطرفين المتحاربين الحفاظ على توازن القوة العسكرية ميدانياً. لكنه قال: «ما ستحسم الحرب هي قدرة أي من الطرفين المتحاربين على الاستمرار في التمويل الذاتي لمعاركه ضد الطرف الآخر، في ظل استمرار تقلص مصادر تمويل القواعد الإنتاجية والإنفاقية للمواطنين من مناطق الحرب».

وأضاف: «سيستمر الاقتصاد في التدهور من سيئ إلى أسوأ، إلى أن ينتهي بالتأكيد إلى دماره الكامل، عبر استمرار تغذية الصرف على الصراع، حتى وإن قبِلنا افتراض غياب تمويلات أجنبية للطرفين لاستمرار هذه الحرب».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

يواجه ذوو الإعاقة ظروفاً قاسية وبالغة التعقيد بالسودان، في ظل انهيار شامل في البلاد بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثاً عن المتفجرات

في متنزه كان وجهة رائجة بين العائلات في الخرطوم يبحث حسين إدريس عن الألغام باستخدام جهاز كشف المعادن مرتدياً معدات الحماية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.