أحزاب جزائرية تتوجس من قانون جديد تعده الحكومة

بعضهم رآه ضرورياً لضبط العمل الحزبي

وفدا القوى الاشتراكية وحزب جيل جديد في لقاء حول المبادرة (القوى الاشتراكية)
وفدا القوى الاشتراكية وحزب جيل جديد في لقاء حول المبادرة (القوى الاشتراكية)
TT

أحزاب جزائرية تتوجس من قانون جديد تعده الحكومة

وفدا القوى الاشتراكية وحزب جيل جديد في لقاء حول المبادرة (القوى الاشتراكية)
وفدا القوى الاشتراكية وحزب جيل جديد في لقاء حول المبادرة (القوى الاشتراكية)

تشهد الساحة السياسية في الجزائر حالة من القلق والترقب، لما سيحمله مشروع جديد لقانون الأحزاب من إضافات في باب حريات وصلاحيات وحقوق الأحزاب، وشروط الممارسة الحزبية.

عبد القادر بن قرينة رئيس «حركة البناء الوطني» في أحد اجتماعات نشطاء المبادرة (أ.ف.ب)

ووفقاً لما صرحت به قيادات بعض الأحزاب لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، فإن بعض الأحزاب السياسية في الجزائر لديها مخاوف بشأن مشروع القانون الذي تعدّه الحكومة، والذي قالت وزيرة العلاقات مع البرلمان، بسمة عزوار، إن نصَّه سيُعرض للمناقشة في الدورة البرلمانية الحالية. لكن، في المقابل، ترى أحزاب أن هذا القانون مهم ومفصلي في الممارسة السياسية الحزبية، ويرون أنه سيعيد ضبط العمل الحزبي في البلاد، ويغير المشهد السياسي، لأنه قد يؤدي إلى صعود أحزاب لتصدر المشهد، وتراجع أحزاب أخرى، وربما حتى اختفاء الأحزاب التي لا يمكنها التأقلم معه.

السكرتير الأول للقوى الاشتراكية يوسف أوشيش مع الامينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (حزب العمال)

وتساءل سفيان جيلالي، رئيس حزب «جيل جديد» وأحد رموز المعارضة السياسية في الجزائر، عن «الإرادة التي تحرّك السلطة والطبقة السياسية لتعديل قانون الأحزاب»، وقال: «ربما لأن الأحزاب تُشكل مصدر قلق للسلطة، لذلك تعتمد فلسفة إسكاتها عندما تخالفها في الآراء، وربما لديها نية لخلق حقل سياسي تتحكم فيه»، مضيفاً: «في كل الأحوال، نحن نطالب السلطة بفتح نقاش واسع وحقيقي حول فكرة التعددية في الجزائر، لتثبت حسن نيتها، وأنها تريد فعلاً بناء الحقل السياسي المتعدد، الذي يُعطي القوة للدولة الجزائرية».

* تضييق على العمل الحزبي

رأى جيلالي، الذي قال إنه اطَّلع على مسوّدة مشروع القانون، أنه «يتضمَّن مضايقات، وتقييداً للعمل الحزبي، وإذا تم اعتماد التعديلات المقترحة فستصبح الأحزاب كملحقة تابعة لوزارة الداخلية، لأنه يحدد إطار عملها وعدد عهدات (مدد ولاية) القيادات داخل الأحزاب، بينما لا يحق في نظرنا أن تتدخل الدولة في التسيير الداخلي للحزب، أو أن تحتم منهجية عمل معينة عليه».

أحمد الدان الأمين العام لحركة البناء الوطني (الشرق الاوسط)

ويرى رئيس حزب «جيل جديد» أن تقييد القادة السياسيين للأحزاب بمدتين فقط يعني الاستغناء عن النخبة السياسية، التي تكوَّنت داخل الحزب بعد كل مدتين. وقال مستنكراً: «هذا غير مقبول، ويُعد تدخلاً للإدارة في الشأن الداخلي للأحزاب... نرفض هذا لأننا نعدّه إقصاء للإطارات الحزبية بعد سنوات من التكوين والممارسة السياسية». وأضاف جيلالي موضحاً: «نحن نكوّن الشباب المنخرط في الحزب خلال 10 سنوات. وعندما يصل إلى مرحلة النضج السياسي، نقول له: (ليس لك مكان في الحزب)! في حزبنا مثلاً 80 في المائة من أعضاء المجلس الوطني هم الآن في عهدتهم الثانية؛ فهل هذا يعني أن نقصيهم جميعاً؟ إن إقصاء كل هؤلاء القياديين المتشبعين بأفكار الحزب الذين يحملون ذاكرته معناه أن الحزب يعود إلى نقطة الصفر. وبهذه الطريقة، لن نترك الطبقة السياسية تنضج، ولن تتشكل لدينا طبقة قادرة على المساهمة بفكرها السياسي ومقترحاتها».

الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي (الشرق الأوسط)

كما يرى جيلالي أن مسألة تمويل الأحزاب غير واضحة في القانون، قائلاً: «يفرض القانون على المتبرعين الخواص إيداع تبرعاتهم في حساب الحزب المصرفي، ويمنع على الحزب تلقي أي تبرعات نقداً، مهما كان المبلغ صغيراً أو كبيراً. هناك مستثمرون يرغبون في التبرُّع لنا، لكنهم يتخوفون، ومن الصعب أن نجد مَن يدفع لنا في الحساب، وهذا يُعدّ تضييقاً على الأحزاب».

وبخصوص ما وصفها بأنها «حواجز» لدخول الانتخابات، قال جيلالي: «إذا كانت الأحزاب تتأسَّس أصلاً للمشاركة في الانتخابات؛ فلماذا إذن يضعون لها حواجز لدخول المواعيد (الاستحقاقات) الانتخابية، ويفرضون عليها جمع التوقيعات، في حين نعلم أن المواطن يمارس العزوف السياسي، ومن الصعب جداً على الحزب إقناعه بالتوقيع لأي مترشح»، مشدداً على أنه «إذا طُبق هذا القانون مثلما هو وارد في المسودة، فلن تبقى في الساحة السياسية سوى 4 أو 5 أحزاب، وهي الأحزاب التي كانت دائماً ركيزة السلطة».

رئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني الجزائري (يمين) مع الخبير الاممي (مرصد المجتمع المدني)

ومن البنود الجديدة في المشروع المنتظَر حل الأحزاب السياسية التي تقاطع استحقاقَيْن انتخابيين متتاليين. لكن لمين عصماني، رئيس حزب «صوت الشعب» حديث النشأة، عدّ مقاطعة الأحزاب للاستحقاقات الانتخابية «نوعاً من أنواع التعبير السياسي، ولا يحق للسلطة أو الإدارة إجبارها على المشاركة في المواعيد الانتخابية».

* حوار قبل الإقرار

من جهته، قال أحمد محمود خونا، نائب رئيس «حركة البناء الوطني» المقرب من السلطة: «طموحنا أن يكرس هذا النص العمل الحزبي، وأن تنظر السلطة للأحزاب كشريك وليس كعدو، حتى وإن اختلف رأيها مع السلطة أو الحكومة... نريد أن يكرس النص الجديد الطابع المؤسساتي للحزب السياسي».

وحول مطالبة سياسيين بفتح حوار بين الأحزاب حول مشروع القانون، أوضح خونا: «من الجيد أن هذا المشروع لم يمر بأمر رئاسي. وما دام سيُعرض في البرلمان للنقاش والتعديل والمصادقة، نعتقد أن هذا المستوى كافٍ للتشاور حوله، لأن البرلمان فضاء يجمع الأحزاب للإدلاء برأيها، ولا ضرورة لاستشارة الأحزاب خارج البرلمان».

أما عصماني، فطالب من جانبه بفتح الحوار مع قادة الأحزاب قبل إحالة المشروع للبرلمان «ومع كل الأطراف المعنية من باب تجسيد ثقافة الحوار السياسي». وقال بهذا الخصوص: «في حزبنا، فتحنا الباب أمام قواعدنا لجمع التوصيات حوله. القانون سيمر في البرلمان، ولكننا نعتقد أن مناقشته يجب أن تبدأ مع القيادات الحزبية أولاً، قبل أن نذهب للمناقشة في البرلمان، وهذا من أبجديات الحوار... فأين الضرر لما تستمع السلطة لكل الأطراف المعنية؟»، لكنه رأى في الوقت ذاته أنه بعد 30 عاماً «منذ دخول الجزائر عهد التعددية الحزبية... تحتاج الأحزاب إلى قانون جديد برؤية جديدة»، وقال موضحاً: «يجب الخروج من نمط الجمعيات السياسية، وتطهير الساحة من الأحزاب التي ليس لديها تمثيل سياسي، ويجب أن تبقى فقط الأحزاب التي لديها ثقل ووزن سياسي، من خلال عدد منتخبيها وتمثيلها داخل المؤسسات الدستورية... هناك عشرات الأحزاب المعتمدة. لكن في الميدان، لا نجد إلا 9 أو 8 أحزاب ناشطة».

* تطمينات من المقترح

في المقابل، يرى المحلل السياسي المتخصص في القانون الدستوري، عامر رخيلة، أن المقترح «ليس فيه ما يستدعي قلق الأحزاب». وقال في حوار مع «وكالة أنباء العالم العربي»: «لا أعتقد أن هناك ضرورة تدفع السلطة للتضييق على الأحزاب أو على الحريات، لأن نشاط الأحزاب في البلاد محدود جداً»، عادّاً أن نشاط الأحزاب «يكاد يقتصر على المواعيد الانتخابية فقط، بل حتى في الانتخابات الرئاسية نجدها غائبة، لأن عناصرها القيادية في الغالب يسارعون إلى التبرؤ من رئيس حزبهم، ويهرولون إلى مساندة مترشحين آخرين، أو يتقدمون كمترشحين أحرار، أو يصطفون وراء مرشح السلطة، بينما يفترض أن الانتخابات الرئاسية هي انتخابات برامج».

الطيب زيتوني الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي (الشرق الأوسط)

وأضاف رخيلة مبيناً أن هذه الأحزاب «ليست لها ألوان سياسية... لذلك، فإن هذا المقترح القانوني لن يلعب أي دور في تغيير المشهد السياسي، بل برامج الأحزاب ونشاطاتها هي التي تغير المشهد، والبدائل التي تقدمها أحزاب المعارضة الحقيقة وليس المعارضة الشكلية. أما السلطة، فدورها تنظيمي فقط». وتوقع رخيلة أن «يكتفي القانون المقترح بضبط الأمور من حيث شروط النشاط الحزبي، كاتخاذ إجراءات ضد الحزب الذي لا يشارك في موعدين انتخابيين متتاليين، ووضع شروط للأحزاب التي تقوم على أسس دينية وجهوية ولغوية».



البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

صعَّد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من لهجته تجاه «قوات الدعم السريع»، مؤكداً أنَّ الجيش السوداني يمضي بخطوات متسارعة وحاسمة للقضاء على ما وصفه بـ«التمرد»، وإنهائه بصورة نهائية، واستعادة دارفور.

وخلال مخاطبته كبار قادة القوات المسلحة بمقر القيادة العامة في العاصمة الخرطوم، مساء الخميس، شدَّد البرهان على أنَّ السودان يتجه بثبات نحو حسم المعركة عسكرياً، قائلاً إنَّ القوات المسلحة لن تسمح لـ«قوات الدعم السريع» أو لأي جهة تساندها أو ترفع راية التمرد بالعودة مجدداً إلى المشهد السوداني.

ونفى البرهان بشكل قاطع صحة ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية بشأن وجود تفاهمات أو مصالحات جرت في البحرين أو رواندا بين طرفَي النزاع، مؤكداً أنَّ تلك الأنباء لا تستند إلى أي أساس من الصحة. وقال إن ما يتم تداوله حول وجود مفاوضات في المنامة أو كيغالي «مجرد شائعات»، مشيراً إلى أن «أي خطوات من هذا النوع سيتم الإعلان عنها رسمياً عبر مؤسسات الدولة المختصة».

لقاء البرهان كبار قادة الجيش في مقر القيادة بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

وجاءت تصريحات البرهان بعد يومين من إعلانه ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان؛ بهدف استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، مؤكداً أنَّ الحكومة ستوفِّر كل ما يلزم لإنجاح هذا الحوار بمشاركة مَن وصفهم بـ«أصحاب الوجعة»، في إشارة إلى القوى الوطنية المعنية بمستقبل البلاد.

وفيما يتعلق بالعناصر المنشقة أو الراغبة في الانسحاب من صفوف «قوات الدعم السريع»، جدَّد البرهان تأكيده أنَّ أبواب القوات المسلحة والدولة السودانية مفتوحة أمام مَن يرغب في العودة، لكنه أوضح أنَّ المؤسسة العسكرية تميِّز بين مَن تورطوا في ارتكاب جرائم، ومَّن تمَّ التغرير بهم.

وأكد أنَّ الحديث عن فتح الباب للجميع دون تمييز لا يعكس حقيقة الموقف، موضحاً أنَّ القوات المسلحة تدرك مَن المجرم ومَن الذي يمكن الاستفادة منه مستقبلاً، ومَن ينبغي تحييده أو محاسبته.

كما نفى البرهان ما يشاع حول أنَّ البلاد باتت تستقبل الجنجويد، في إشارة إلى قوات من «الدعم السريع»، مؤكداً أن ذلك «لم يحدث، ولن يحدث أبداً». كما أشار إلى أن الانفتاح الحالي يقتصر على القوى السياسية التي لم تتخذ مواقف عدائية تجاه القوات المسلحة أو الدولة السودانية، مشيراً إلى أن مَن ناصبوا الجيش العداء لا مكان لهم ضمن أي ترتيبات مستقبلية ما لم يغيروا مواقفهم ويعلنوا دعمهم للمؤسسة العسكرية.

وأكد أن الجيش سيواصل العمل مع القوى السياسية والمدنية الموجودة داخل البلاد من أجل تحقيق تطلعات الشعب السوداني.

البرهان يسلم على مساعده في شؤون التخطيط شمس الدين كباشي (إعلام مجلس السيادة)

وكان البرهان قد أعلن، في وقت سابق، أنَّ أبواب المصالحة الوطنية مفتوحة أمام كل مَن يرغب في الانضمام إلى الدولة، والوقوف في مواجهة «قوات الدعم السريع»، مؤكداً استمرار القوات المسلحة في القتال حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.

وقال إنَّ العمليات العسكرية التي بدأت في الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 - وهو التاريخ الذي وصفه بأنه يوم «العدوان على الشعب السوداني» - ستتواصل حتى استعادة جميع المناطق التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، وإنهاء وجود ما وصفهم بالمرتزقة والمتمردين. كما أشار إلى وجود مجموعات تقاتل إلى جانب الجيش داخل إقليم دارفور، مؤكداً أن الوقت سيأتي لتوسيع نطاق المواجهة هناك، واستعادة إقليم دارفور.

وشدَّد البرهان على أنَّ القوات المسلحة تمضي بخطوات مدروسة للخروج من الحرب عبر بناء جيش حديث يتمتع بكفاءة أعلى، وتنظيم أكثر تطوراً، وتسليح متقدم مقارنة بالماضي.

وأوضح أنَّ القدرات العسكرية للقوات المسلحة تشهد تطوراً متسارعاً، وأنَّ الروح المعنوية للمقاتلين تزداد قوة وثباتاً مع استمرار العمليات العسكرية الرامية إلى حسم ما أطلق عليها «معركة الكرامة».

وشهد اللقاء حضور أعضاء القيادة العسكرية العليا، بينهم مساعدا القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق أول ياسر العطا، وعدد من كبار الضباط.

البرهان ورئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا (إعلام مجلس السيادة - «فيسبوك»)

وفي تطور ميداني متزامن، قُتل ما لا يقل عن 28 مدنياً، وأُصيب العشرات جراء هجمات نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» استهدفت بلدات بولاية شمال كردفان.

وأعلنت «شبكة أطباء السودان»، في بيان نشرته عبر موقع «فيسبوك»، أن قوة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» نفَّذت هجوماً في ثاني أيام عيد الأضحى على منطقتَي أم سعدون والمَرّة؛ ما أدى إلى مقتل 28 مدنياً وإصابة عشرات آخرين.

وأكدت الشبكة أنَّ المنطقتين المستهدفتين لا تضمان أي وجود عسكري، عادّةً أن استهداف القرى والمناطق المدنية وقتل المدنيين العزّل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.

من جانبه، أدان «حزب الأمة القومي»، أحد أبرز الأحزاب المنضوية تحت مظلة «تحالف صمود»، الهجمات المتكرِّرة التي تنفِّذها «قوات الدعم السريع» في المناطق الواقعة على أطراف محلية بارا في شمال إقليم كردفان.

وقال الحزب، في بيان رسمي، إنَّ تصاعد الهجمات ضد المدنيين في إقليم كردفان خلال الحرب المستمرة في السودان يحمّل قيادة «قوات الدعم السريع» المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات.

وأضاف أنَّ استمرار تمركز «قوات الدعم السريع» داخل المدن والقرى المأهولة بالسكان لا مبرِّر له، ويعرِّض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة، كما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات والخسائر الأمنية والإنسانية.


فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.