لبنان يعتمد على المبادرات المحلية لمواجهة حرائق الغابات

وزير البيئة لـ«الشرق الأوسط»: الخطة نجحت بتقليص المساحات المحترقة 91 %

حرائق التهمت أحراش الصنوبر في جبل لبنان قبل إخمادها مساء السبت (الوكالة الوطنية للإعلام)
حرائق التهمت أحراش الصنوبر في جبل لبنان قبل إخمادها مساء السبت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

لبنان يعتمد على المبادرات المحلية لمواجهة حرائق الغابات

حرائق التهمت أحراش الصنوبر في جبل لبنان قبل إخمادها مساء السبت (الوكالة الوطنية للإعلام)
حرائق التهمت أحراش الصنوبر في جبل لبنان قبل إخمادها مساء السبت (الوكالة الوطنية للإعلام)

تمضي الحكومة اللبنانية بتطبيق الاستراتيجية التي وضعتها وزارة البيئة للحد من حرائق الغابات والتخفيف من آثارها، بالاعتماد على الجهود والمبادرات المحلية وتفعيلها بإشراف وزارة البيئة، بعد نجاح الخطة نفسها في العام الماضي لجهة تقليص تداعيات الحرائق التي تندلع كل عام في هذا الموسم، وكان أكبرها حريق قد اندلع في جبل لبنان الجمعة، وتواصل حتى يوم السبت. وتواصلت النيران السبت في الأحراش الفاصلة بين بلدتي بعاصير والدبية في منطقة إقليم الخروب (قضاء الشوف) في جبل لبنان، رغم الجهود الكبيرة، التي بذلها عناصر الدفاع المدني ومتطوعون وفعاليات محلية، وساندتهم طوافتان للجيش اللبناني.

إهمال غير متعمد

وتتعامل فرق الدفاع المدني والجيش اللبناني والفعاليات المحلية مع الحرائق التي تندلع بالتزامن في أكثر من موقع، وذلك في «موسم الحرائق» الذي يبدأ في سبتمبر (أيلول) من كل عام، ويستمر حتى أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حيث تصبح الظروف مواتية لاشتعال الحرائق وانتشارها، على ضوء الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وسرعة الرياح، بالتزامن من لجوء القرويين إلى إحراق مخلفات الأعشاب بعد تنظيف بساتينهم، ما يشير إلى أن معظم الحرائق «تندلع نتيجة إهمال غير متعمّد»، وفق ما يقول وزير البيئة ناصر ياسين لـ«الشرق الأوسط».

وزير البيئة ناصر ياسين (الوكالة الوطنية للإعلام)

وواظب ياسين والمؤسسات والمبادرات الشريكة لوزارة البيئة، على التحذير من خطر إشعال الأعشاب، منذ أكثر من شهرين، ولم يتوقف عن تجديد تحذيراته خصوصاً في الأسابيع الأربعة المتبقية. ويشير ياسين إلى أن الجيش اللبناني دائماً ما يتدخل للمساهمة في إطفاء الحرائق، لكنه يشير إلى أن «الإمكانات المادية» التي تتمثل في المعدات والطوافات والآليات «لا تزال متواضعة، ونحاول قدر الإمكان الاستفادة من أي مساعدة من منظمات أهلية وجمعيات وبلديات وقوى محلية وتبرعات أفراد، لتمكين السكان ضمن النطاق المحلي من إخماد الحرائق». وتحتاج بعض الحرائق إلى جهود كبيرة لإخمادها، في ظل نقص المعدات، خصوصاً في هذا الموسم، فإلى جانب حريق «الدبية – بعاصير» الضخم، أفيد عن حريق في الشمال، وآخر في منطقة الصفرا على ساحل جبل لبنان الشمالي، بينما وثقت المديرية العامة للدفاع المدني، في بيان، تنفيذ 48 مهمة يوم الجمعة متصلة بأطفال حرائق أحراش وأعشاب ونفايات وغيرها، بينما حث مدير عام الدفاع المدني العميد ريمون خطّار العناصر والمتطوعين على أن يكونوا «بجهوزية كاملة للتحرك الفوري لمحاولة السيطرة على الحرائق في بداياتها، لأننا اليوم نحن في ذروة موسم الحرائق»، وذلك خلال جولة على مراكز الدفاع المدني على الساحل اللبناني.

تراجع بنسبة 91 %

ورغم تكرار الحرائق، فإن المساحات المحترقة تراجعت إلى مستويات كبيرة خلال العامين الأخيرين، وتراجعت المساحات المحترقة بنسبة 91 بالمائة، وفق ما يؤكد الوزير ياسين، ما يشير إلى نجاح الاستراتيجية التي تعتمدها الوزارة منذ العام الماضي. ويشرح ياسين أن الخطة المعتمدة «مختلفة عما كان سائداً قبلها»، موضحاً أن الجهود تعتمد منذ العام الماضي على «العمل المحلي» لجهة مراقبة الحرائق، والرصد المبكر، وذلك عبر تأهيل 16 مجموعة على تماس مع مواقع الغابات والأحراش التي كانت تتعرض في السابق لحرائق «تتألف من متطوعين محليين وبلديات وشركاء في المجتمع المدني والدفاع المدني، ومهمتها الوقاية، ثم رصد الحرائق في بداياتها، والإنذار المبكر»، لافتاً إلى أن تلك المجموعات «حقيقية وموجودة وأتواصل معها في مجموعات (واتسآب)، وأجتمع بهم دورياً»، مشيراً إلى أن المعرفة الشخصية والتواصل الفعال والدائم «أسهمت في إعطائنا القدرة على معرفة مواقع الحريق في بداياتها، بما يتيح لنا التواصل مع المؤسسات الأخرى طلباً للمساعدة».

حرائق في أحراش الدبية (الوكالة الوطنية للإعلام)

وقال إن هذه الخطة «أنتجت تراجعاً كبيراً للمساحات المحترقة، ما يؤكد أن المعالجة السريعة تنقذنا من آثار كارثية"، لافتاً إلى أن المساحات المحترقة «تراجعت 91 بالمائة خلال العام الماضي، ونكثف الجهود في هذا العام لحماية الغابات والأحراش، بالنظر إلى أن المخاطر هذا العام أعلى، بدليل المؤشر الخطر على الحرائق التي تشتعل أسبوعياً».

المساحات المحترقة

وتظهر بيانات وزارة البيئة أن المساحات المحترقة في شهر سبتمبر كانت أقل مما كانت عليه المعدلات في السنوات العشر الأخيرة، لكن ذلك لا يعني أن الخطر تراجع، لأن الموسم مستمر حتى أواخر أكتوبر. ولم تقضِ حرائق في العام الحالي على مساحات تتعدى السبعين هكتاراً، حيث اندلعت 3 حرائق كبيرة في عكار العتيقة (الشمال) وحريق الدبية – بعاصير (جبل لبنان) وقبلها في حرار (الشمال)، إضافة إلى حرائق صغيرة، علماً أن حرائق العامين 2019 و2021 كانت كارثية، وقضت على مئات الهكتارات من المساحات الخضراء. ويستدل إلى نجاح الخطة الحكومية، في أن لبنان لم يطلب مساعدة أجنبية خلال العامين الماضيين، بعدما كانت تخرج الحرائق عن السيطرة، مما كان يتطلب مساعدة من قبرص التي كانت تتدخل طائراتها لإطفاء الحرائق. أما في هذا العام، فقد ساعد لبنان قبرص واليونان في جهود إطفاء الحرائق.

لا مركزية المحميات

ويشير ياسين إلى أن نموذج إدارة المحميات بطريقة لا مركزية أثبت نجاعته منذ عام 2019، لأنه يعطي لا مركزية بالإشراف على المحميات، ويقوم النموذج على إشراف وزير البيئة على مجموعة معنية تنخرط بها بلديات وجمعيات ومتطوعون ومبادرات محلية، يتعاونون على الخطة الإدارية، وإذا توفر التمويل يعينون موظفين، وتوجههم وزارة البيئة، وتساعدهم للحصول على تمويل. يؤمن ياسين بأن العمل البيئي وإدارة الأراضي بشكل مستدام «يكون محلياً وليس مركزياً»، حيث توجد لجان من المناطق تعمل على إدارة الغابة، وذلك بهدف الحفاظ على المساحات الخضراء. ووصل لبنان إلى «البنك الدولي» لتطبيق استراتيجية تقوم على الإدارة المحلية لإدارة الغابات والأحراش، وحصل لبنان على قرض بقيمة 3.8 مليون دولار من «مرفق البيئة العالمي»، وينتظر صرفه لدعم الفرق المحلية في البلديات وإدارات الغابات وتمكينها بالمعدات اللازمة لتنفيذ خطة حماية المساحات الخضراء.


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني إسرائيلي يوسّع رقعة العمليات في جنوب لبنان

المشرق العربي لقطة من فيديو لعنصر من «حزب الله» يجهِّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

تصعيد ميداني إسرائيلي يوسّع رقعة العمليات في جنوب لبنان

أعاد كلام رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بوجود «تهديدَين رئيسيَّين» يواجهان الجيش الإسرائيلي، هما الصواريخ والطائرات المسيّرة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)

تونس: محاكمة صحافيَين عُرفا بانتقادها الشديد للرئيس سعيد

من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
TT

تونس: محاكمة صحافيَين عُرفا بانتقادها الشديد للرئيس سعيد

من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)
من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

مثل الصحافيان مراد الزغيدي وبرهان بسيّس، اليوم الثلاثاء، أمام محكمة الاستئناف في تونس، في وقتٍ نددت فيه منظمة «مراسلون بلا حدود» بما وصفته بـ«مضايقة قضائية ومالية» بحقّهما.

بدأت محاكمة الزغيدي وبسيّس، في 14 من أبريل (نيسان) الحالي، بتُهم «تبييض أموال» و«تهرّب ضريبي»، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وحضر الجلسة دبلوماسيون من بلجيكا والمملكة المتحدة والأمم المتحدة. ولدى افتتاح الجلسة، طلبت هيئة الدفاع الإفراج عنهما مؤقتاً في انتظار صدور الحكم، إضافة إلى تأجيل المرافعات لإتاحة الوقت للتنسيق بشكل أفضل مع محامين جدد، وفق ما أوضح محامون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، ثمّ رفع القاضي الجلسة للمداولة.

وأُوقف الصحافيان وأُودعا السجن، في مايو (أيار) 2024، بسبب تصريحات إذاعية وتلفزيونية عُدّت منتقدة للرئيس قيس سعيّد. وبينما كان من المفترض أن يُفرج عنهما في يناير (كانون الثاني) 2025 بعد ثمانية أشهر في السجن، فُتحت بحقّهما ملاحقات جديدة بتُهم فساد مالي.

وحضر أمام المحكمة، الثلاثاء، نحو عشرين شخصاً، بينهم نشطاء وأقارب للصحافيَين، للتعبير عن دعمهم لهما. وقالت إيناس، ابنة مراد الزغيدي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد تعبنا، يجب أن يتوقف هذا»، بينما أعربت شقيقته مريم عن أملها في «الإفراج عنه، اليوم، بعد عامين» من السجن.

وقال أسامة بوعجيلة، مدير مكتب شمال أفريقيا في منظمة «مراسلون بلا حدود»: «نطالب بوقف المضايقة القضائية، فلا يمكن ملاحقة صحافي بسبب عمله». وتُندد منظمات تونسية ودولية بتراجع الحقوق والحريات في تونس، منذ أن قرّر سعيّد، في صيف 2021، احتكار السلطات في البلاد. والأحد، أُودع صحافي آخر هو زياد الهاني، وهو شخصية إعلامية بارزة في تونس، السجن بعدما وجّه انتقادات لقضاة.


الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)
أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)
أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد، وأصدرت تحذيراً عاجلاً بشأن الوضع هناك، مع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الرابع، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وتستخدم «يونيسيف» مثل هذا التحذير، المعروف باسم «إنذار الطفل»، بشكل محدود، للإشارة إلى أن الوضع قد وصل إلى مرحلة حرجة. وهذه هي أول مرة منذ 20 عاماً تُصدر فيها المنظمة مثل هذا التحذير بشأن دارفور.

وقال شيلدون ييت، ممثل «يونيسيف» في السودان، لصحافيين في جنيف عبر رابط فيديو من بورتسودان: «الأطفال في جميع أنحاء المنطقة وصلوا إلى نقطة حرجة، وأصبحت الطفولة مرتبطة مرة أخرى بالخوف والفقد. أُحرقت المنازل وتضررت المدارس والمرافق الصحية أو دُمرت».

وأضاف: «يتحمل الأطفال العبء الأثقل للحرب في دارفور، يُقتلون ويُشوَّهون ويُقلعون من منازلهم، ويتعرضون للجوع الشديد والمرض والصدمات النفسية».

وتُعد منطقة دارفور الشاسعة في غرب السودان بؤرة للعنف، وشهدت عمليات قتل ذات طابع عرقي في الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية.

وكانت المنطقة أيضاً مسرحاً لفظائع ونزوح جماعي، في صراع تصاعد عام 2003، بعد أن حمل المتمردون السلاح ضد الحكومة السودانية التي استخدمت ميليشيات لقمع التمرد.

ورغم تفاقم الأزمة الحالية، قالت: «يونيسيف» إنها لم تحظَ باهتمام عالمي كبير مقارنة بالصراع الذي اندلع قبل عقدين. ولم يتم تغطية نداء المنظمة الإنساني لصالح السودان هذا العام إلا بنسبة 16 في المائة. وقالت «يونيسيف» إن ما لا يقل عن 160 طفلاً قُتلوا، وأصيب 85 آخرون، في أول 3 أشهر من عام 2026 في جميع أنحاء السودان، ما يمثِّل زيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وذكرت المنظمة أن التأثير الأكثر خطورة على الأطفال لوحظ في مدينة الفاشر المحاصرة منذ فترة طويلة؛ حيث تم قتل أو تشويه ما لا يقل عن 1300 طفل منذ أبريل 2024، وأن تقارير وردت عن قيام جماعات مسلحة بأعمال عنف جنسي واختطاف وتجنيد.

ووفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الذي تدعمه الأمم المتحدة، وصل سوء التغذية الحاد إلى مستوى المجاعة في منطقتين أخريين في ولاية شمال دارفور في فبراير (شباط).


تحركات قضائية في ليبيا لتعقّب مهرّبين بعد غرق 38 «مهاجراً»

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

تحركات قضائية في ليبيا لتعقّب مهرّبين بعد غرق 38 «مهاجراً»

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

وجهت النيابة العامة في ليبيا، الأجهزة الأمنية، لتعقب «تشكيل عصابي»، عقب فاجعة جديدة وقعت قبالة سواحل طبرق شرق البلاد، تمثلت في غرق 38 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مصرية وسودانية وإثيوبية في البحر الأبيض المتوسط.

وتأتي هذه الكارثة بعد أيام من إنقاذ عدد من المهاجرين، بعدما ظلوا 3 أيام في البحر قبالة طبرق، بالإضافة إلى انتشال 116 آخرين من الغرق، بعد تعطل 3 قوارب كانوا يستقلونها، وظلوا 24 ساعة في المياه.

توقيف 10 مهاجرين غير نظاميين من الجنسية الصومالية غرب مصراتة 27 أبريل الجاري (جهاز مكافحة الهجرة)

وأوضح مكتب النائب العام الليبي الصديق الصور، مساء الاثنين، أن «تشكيلاً عصابياً دفع بمهاجرين غير نظاميين من شواطئ طبرق إلى شمال المتوسط، على متن قارب متهالك فشل في إيصالهم إلى وجهتهم؛ ما تسبب في وفاة 38 مهاجراً من مصر والسودان وإثيوبيا».

وعادة ما تستيقظ ليبيا كل صباح تقريباً على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد، وكان على متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق القوارب، التي تُقل مهاجرين أفارقة طامحين إلى مستقبل أفضل في القارة الأوروبية. ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ، التي نفذتها السلطات الليبية؛ وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وعلى أثر كارثة طبرق الجديدة، فتح وكيل النيابة في نيابة طبرق، تحقيقاً في الحادث، الثلاثاء، أسفر عن «تحديد الضالعين في تنسيق عملية تهريب المهاجرين عبر البحر»، كما تم العثور على 300 ألف دينار متحصلة من هذا التنسيق الإجرامي.

وانتهت النيابة إلى «تعيين المسؤولين عن حركة التدفقات المالية غير المشروعة عبر الهياكل المالية غير المرخصة؛ وبذلك أمر المحقق بضبط أفراد التشكيل العصابي وإحضارهم».

من عملية توقيف عدد من المهاجرين في مصراتة (الهلال الأحمر الليبي)

ولوحظ انطلاق قوارب عديدة من شواطئ مدينة طبرق خلال الأيام الماضية بشكل لافت؛ وقد غرق بعضها قبل بلوغ السواحل اليونانية، فيما جرى اعتراض وتوقيف البعض الآخر، قبل مغادرته المياه الإقليمية الليبية.

وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعربت عن مخاوفها إزاء مقتل أو فقدان أكثر من 180 شخصاً في حوادث غرق سفن مهاجرين، وقعت مؤخراً في البحر المتوسط، ليقترب بذلك إجمالي عدد الوفيات خلال عام 2026 من ألف حالة، وفقاً لبيانات جديدة صادرة عن المنظمة.

وقالت إيمي بوب، المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إن «هذه المآسي تُظهر مرة أخرى، أن أعداداً هائلة من الناس لا يزالون يخاطرون بحياتهم عبر مسارات محفوفة بالمخاطر».

ثاني عملية إنقاذ لمهاجرين غير نظاميين قبالة طبرق الليبية خلال شهر (الهلال الأحمر الليبي)

وفي أحدث عملية، تمكنت القوات الخاصة (الصاعقة)، التابعة للقيادة العامة بـ«الجيش الوطني»، من إنقاذ (اعتراض) مركب مطاطي، الثلاثاء، كان يحمل على متنه 38 مهاجراً سودانياً قبالة سواحل منطقة كمبوت، شرق مدينة طبرق بنحو 60 كيلومتراً.

وأوضحت «مؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية»، الثلاثاء، أنه جرى نقل المهاجرين إلى نقطة الإنزال بقاعدة طبرق البحرية، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم.

من جهتها، تحدثت سلطات مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق ليبيا، مساء الاثنين، عن ترحيل 60 مهاجراً غير نظامي من الجنسيتين المصرية عبر منفذ امساعد البري، كما تم ترحيل 37 مهاجراً من الجنسية البنغلاديشية من مركز إيواء فرع طبرق إلى مركز إيواء قنفودة، وذلك ضمن إجراءات تنظيم ونقل النزلاء بين المراكز.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط في يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم إنه في إطار برامج العودة، من المقرر تنظيم رحلة للمهاجرين السودانيين - حسب سفارتهم - مطلع مايو (أيار) المقبل، عبر شركة الخطوط الأفريقية من مطار معيتيقة، وذلك ضمن المرحلة الأولى من «العودة الطوعية»، مبرزاً أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أعلنت عن تنظيم رحلة جديدة للمهاجرين السوريين مطلع الشهر أيضاً، من طرابلس إلى دمشق، للمسجلين في برنامج العودة.

وفي غرب ليبيا، قالت «إدارة المهام الخاصة» إنها شنت حملات تستهدف أوكار التهريب غير النظامية و«التحركات المشبوهة في مختلف المناطق»، مشيرة إلى أن إحدى الدوريات التابعة للإدارة ضبطت 10 صوماليين بالقرب من بوابة ديهوم غرب مدينة مصراتة، أثناء محاولتهم مغادرة المدينة بطرق غير قانونية.

ونقلت الإدارة عن المهاجرين أنهم «كانوا في طريقهم ضمن عملية تهريب باتجاه إحدى المناطق الساحلية، تمهيداً لتجهيز أنفسهم للهجرة غير المشروعة عبر البحر». وعلى أثر ذلك «تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم جميعاً، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال باقي الإجراءات وفقاً للقانون».

كما شرع جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس، الثلاثاء، في ترحيل 15 مهاجراً غير نظامي من مصر، ولفت إلى أنهم كانوا من بين نزلاء مركز إيواء المهاجرين في شرق طرابلس، مبرزاً أنه بعد استكمال الإجراءات الإدارية والقانونية، نُفذت عملية ترحيلهم عبر مطار معيتيقة الدولي.

وسبق أن أمرت النيابة العامة الليبية في 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، بحبس اثنين من تشكيلٍ عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وتشير المنظمة الدولية إلى أنه «لا تزال المسارات البحرية من بين أخطر طرق الهجرة في العالم؛ ففي عام 2025، لقي ما لا يقل عن 2108 أشخاص حتفهم، أو فُقدوا في البحر الأبيض المتوسط».