مخاوف من تمدد الحرب في السودان إلى الإقليم الشرقي

توتر في بورتسودان وتحذير أممي من حرب شاملة وخطر الانقسام

قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان خلال جولة في قاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان خلال جولة في قاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من تمدد الحرب في السودان إلى الإقليم الشرقي

قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان خلال جولة في قاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان خلال جولة في قاعدة فلامنغو البحرية في بورتسودان في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

تتزايد المخاطر من تمدد الحرب إلى مناطق جديدة في السودان بينها شرق السودان الذي ظل بعيداً عن المعارك الدائرة في العاصمة الخرطوم، وأقاليم دارفور، بعد الاشتباكات التي وقعت أخيراً بين الجيش وجماعات مسلحة في بورتسودان. وتجيء هذه التوترات في ظل تحذيرات أممية من حرب شاملة في السودان وبوادر الانقسام.

ولا تزال تداعيات الاشتباكات التي جرت بين الجيش السوداني وقوات فصائل قبيلة مسلحة بشرق السودان، في وقت متأخر من ليل الاثنين بمدينة بورتسودان، تثير المخاوف من تجددها مرة أخرى، بعدما أصبحت المدينة عاصمة غير رسمية للبلاد (مؤقتة) منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) الماضي. وقال قائد تحالف أحزاب وحركات شرق قبلية في شرق السودان، شيبة ضرار، إن قوات من الجيش أطلقت بصورة مفاجئة الرصاص على قواتهم أمام مباني رئاسة حزب مؤتمر البجا القومي، فتصدت لهم دفاعاً عن نفسها، قبل السيطرة على الأوضاع.

وذكر ضرار القيادي في قبيلة البجا المنتشرة في شرق السودان، في تصريحات صحافية أن قواته لم تبدأ الاعتداء على الجيش الذي طوق مقرها بحوالي 50 سيارة عسكرية دفع رباعي، واعترضت حاجزاً تقيمه قواته لإجراء عمليات تفتيش لبعض الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية دون أوراق ثبوتية.

لا تعليق للجيش

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو حكومة ولاية البحر الأحمر بخصوص الاشتباكات التي جرت بين قوات الجيش وقوات تحالف شرق السودان.

وتعد هذه الاشتباكات أول مواجهة مسلّحة تشهدها المدينة الساحلية منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل. وقال شاهد عيان في بورتسودان إنّ وسط المدينة المطلّة على البحر الأحمر شهد «تبادلاً لإطلاق النار بين الجيش وميليشيا يقودها شيبة ضرار» القيادي في قبيلة البجا. وأضاف شاهد عيان آخر الذي طالب بدوره بعدم كشف هويته أنّ «جنوداً انتشروا في المنطقة بعد إزالة نقاط تفتيش كانت الميليشيا أقامتها»، في حين أفاد آخرون بـ«عودة الهدوء» بعد فترة قصيرة. وتضمّ بورتسودان المطار الوحيد الذي لا يزال يعمل في السودان، وتؤوي مسؤولين حكوميين وأمميين غادروا العاصمة الخرطوم هرباً من المعارك. وبقيت بورتسودان بمنأى عن العنف إلى أن اندلعت الاشتباكات فيها ليل الاثنين.

وفي الأسابيع الثلاثة الأخيرة شكّلت بورتسودان قاعدة للبرهان الذي بقي حتى أواخر أغسطس (آب) متحصّناً في مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، الذي يحاصره مقاتلو قوات الدعم السريع. ومذّاك أجرى البرهان ستّ رحلات خارجية انطلاقاً من بورتسودان، في خطوة عدّ محلّلون أنها تنطوي على مساع دبلوماسية لتعزيز موقعه في حال أجريت مفاوضات لوضع حدّ للنزاع.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً لتبادل الاشتباكات بوابل من الذخيرة الحية وسط أحد الأحياء المأهولة بالسكان في المدينة. ووفق شهود عيان، أثار الاشتباك المحدود - على حد وصفهم - حالة من الهلع وسط مواطني مدينة بورتسودان. وقال حسن عبد الله (مقيم في بورتسودان) لــ«الشرق الأوسط»، إن «الاشتباك وقع في حي (ديم عرب) ولم يستمر طويلاً»، مضيفاً «لكن حدوثه داخل منطقة سكنية تسبب في حالة فزع وسط المواطنين». ويعاني شرق السودان بولاياته الثلاث (البحر الأحمر وكسلا والقضارف) من احتقانات تاريخية جراء التهميش من الحكومات المركزية. وتسببت الانقسامات القبلية والإثنية في صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم خلفت مئات الضحايا.

قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (رويترز)

وكان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو الشهير باسم «حميدتي» هدّد في وقت سابق بأن قواته يمكن أن تصل أي منطقة في السودان بما في ذلك الإقليم الشرقي، الذي تحتمي فيه فلول النظام المعزول.

معارك في العاصمة

وفي الخرطوم تصاعدت المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، وشملت كثيراً من المناطق بالمدن الثلاث: الخرطوم وبحري وأمدرمان. وقال شهود عيان إن طائرات مسيّرة للجيش السوداني استهدفت مواقع قوات الدعم السريع في عدة أحياء بمنطقة شرق النيل بالعاصمة الخرطوم، وبدورها أطلقت قوات الدعم السريع قذائف مدفعية على سلاح الإشارة بمدينة بحري، كما استهدفت مواقع في وسط الخرطوم. وتجددت الاشتباكات بين الطرفين حول مقر الإذاعة والتلفزيون في أحياء أمدرمان القديمة، وتزامن ذلك مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع التابعة للجيش، وفق ما أفاد سكان بالمنطقة.

من جهة أخرى، تخشى الأمم المتحدة من أن ينزلق السودان إلى حرب أهلية شاملة ويواجه خطر الانقسام، وفق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. كما قالت وكالتان تابعتان للأمم المتحدة الثلاثاء إن أكثر من 1200 طفل لقوا حتفهم بسبب الاشتباه في إصابتهم بالحصبة وسوء التغذية في مخيمات اللاجئين بالسودان، كما أن عدة آلاف آخرين، من بينهم الأطفال حديثو الولادة، معرّضون لخطر الموت قبل نهاية العام. وأضافت الوكالتان أنه بعد مرور ما يقرب من ستة أشهر على الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يوشك قطاع الرعاية الصحية في البلاد على الانهيار بسبب الهجمات المباشرة من الطرفين المتحاربين، بالإضافة إلى نقص الموظفين والأدوية.

مشهد لحريق مشتعل في أحد أبراج العاصمة السودانية نتيجة المعارك في 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقال الدكتور ألين ماينا رئيس قطاع الصحة العامة في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إفادة صحافية للمنظمة بجنيف إن «أكثر من 1200 طفل دون سن الخامسة لقوا حتفهم في ولاية النيل الأبيض منذ مايو (أيار)». وأضاف «للأسف نخشى أن تستمر الأعداد في الارتفاع». وعبّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن قلقها من موت «عدة آلاف من الأطفال حديثي الولادة» من بين 333 ألفاً من المتوقع ولادتهم قبل نهاية العام. وقال جيمس إلدر المتحدث باسم «يونيسف» في الإفادة ذاتها: «هؤلاء (الأطفال) وأمهاتهم يحتاجون إلى رعاية ماهرة أثناء الولادة. لكن في بلد حيث الملايين إما محاصرون في مناطق الحرب وإما نازحون ويوجد نقص كبير في الإمدادات الطبية، يقل احتمال تلقي مثل هذه الرعاية يوماً بعد يوم». وأضاف أن نحو 55 ألف طفل يحتاجون كل شهر إلى العلاج من أسوأ أشكال سوء التغذية في السودان، لكن يعمل أقل من واحد من كل 50 مركز تغذية في العاصمة الخرطوم، وواحد من كل عشرة في غرب دارفور.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

«الحوار المُهيكل» يبحث تحديات «الحوكمة وضمانات الانتخابات» في ليبيا

جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)
جانب من اجتماعات أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» التي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

بينما تسارع البعثة الأممية في ليبيا إلى حلحلة تعقيدات الأزمة السياسية من خلال مناقشات و«توصيات»، قد يتوصل إليها المشاركون في لجنة «الحوار المُهيكل»، تتعلق بالحوكمة وضمانات الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة، استقبل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، وفداً من مواطنين ومسؤولين بمصراتة للتهنئة بمناسبة خروجه من المستشفى.

وبعد 5 أيام من عمل أعضاء «محور الحوكمة»، التابع لـ«الحوار المُهيكل» خلال اجتماعات رسمية بطرابلس، قالت البعثة الأممية، مساء الخميس، إن اللجنة «ستسعى إلى معالجة 5 قضايا، تشمل كيفية التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الانتخابات، وولاية الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، ونزاهة العملية الانتخابية، والدعم الدولي، والنظام السياسي للبلاد، وشكل الحكومة المركزية والمحلية».

عدد من أعضاء «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» الذي ترعاها البعثة الأممية في ليبيا (البعثة الأممية)

وأضافت البعثة موضحة أن «محور الحوكمة - الذي يضم 38 في المائة من أعضائه من النساء - سيضطلع بتحليل هذه القضايا خلال الأشهر القليلة المقبلة، وتقديم مقترحات قابلة للتنفيذ من خلال عملية ليبية بقيادة ليبية، وبدعم من البعثة الأممية»، كما سيعمل «بالتعاون مع محاور الحوار المُهيكل الثلاثة الأخرى؛ الأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، على تحديد آليات لدعم تنفيذ التوصيات».

وأوضحت البعثة أن القضايا التي سيناقشها «مسار الحوكمة» في مقبل الأيام تتناول «قضايا رئيسية تهم الرأي العام، حُددت من خلال استطلاع أجرته البعثة، شمل أكثر من ألف ليبي، بالإضافة إلى مشاورات مكثفة حضورية وعبر الإنترنت، مع الفاعلين السياسيين والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، وغيرهم من المعنيين». مشيرة إلى أن نتائج الاستطلاع أبرزت الحاجة إلى إطار حوكمة موحد ومقبول، ذي ولاية وإطار زمني محددين، لأي جهة تشرف على الانتخابات (64 في المائة). كما أشار نحو 54 في المائة من المشاركين إلى أن اللامركزية والحوكمة المحلية من المواضيع ذات الأولوية في الحوار المُهيكل.

وذهبت الممثلة الأممية هانا تيتيه، التي شاركت في تيسير جلستين، إلى جانب مكتب تنسيقي من 3 أشخاص، انتخبهم أعضاء «محور الحوكمة»، إلى أن الأخير هذا «يدرس بعض القضايا الأكثر حساسية وأهمية التي تواجه ليبيا. وخلال الأشهر القليلة المقبلة ستكون المهمة هي ترجمة هذه المناقشات إلى توصيات عملية، قائمة على التوافق، من شأنها أن توجه البلاد نحو حوكمة مستدامة ومستقبل سياسي مستقر».

وقال أسعد زهيو، رئيس الهيئة التأسيسية لحزب «التجمع الوطني» الليبي، الذي شارك في أعمال الاجتماع الأول لـ«محور الحوكمة»، إن المشاركين بحثوا «سبل وضع إطار انتخابي نهائي، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كخطوات جوهرية ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة».

وأضاف زهيو، في إدراج نشره عبر حسابه على «فيسبوك»، أنه «تم تداول مقترحات حول وضع (ميثاق شرف) أو (مدونة سلوك) انتخابية لضمان قبول النتائج؛ وهو مقترح يحظى بتأييد واسع لضمان الانتقال السلمي للسلطة».

تيتيه في أحد اجتماعات «محور الحوكمة» التابع لـ«الحوار المُهيكل» (البعثة الأممية)

وبشأن «وضع مدونة سلوك أو ميثاق» بشأن الانتخابات، يوقع عليه جميع الأطراف السياسية، أوضح عادل عسكر، عضو هيئة التدريس بجامعة نالوت وعضو «الحوار المُهيكل» في إفادة نقلتها البعثة، أن «التجارب السابقة أثبتت الحاجة إلى هذه الخطوة لضمان قبول جميع الأطراف للانتخابات ونتائجها قبولاً حقيقياً».

وذهب إلى أنه للوصول إلى توافق في الآراء بين جميع الأطراف، «من الضروري دراسة أسباب الخلاف وتشخيصها بعمق لإيجاد حلول عملية وواقعية وقابلة للتطبيق».

وفشلت ليبيا في عقد انتخابات رئاسية ونيابية في نهاية 2021، لأسباب سياسية وقانونية، ومذاك التاريخ تراوح البلاد مكانها بين انقسام حكومي حاد، وسط تحركات أممية بطرح مبادرات وتشكيل لجان، بحثاً عن حلحلة للأوضاع المتكلسة.

كما نقلت البعثة الأممية عن ليلى الأوجلي، عضوة «محور الحوكمة» من بنغازي، أنه «ينبغي أن تتوافق قوانين الانتخابات مع المعايير الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ لا يمكن أن يتحقق الاستقرار بليبيا دون ضمان إشراك الجميع، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة». ونبهت إلى أن الحوار المُهيكل «ليس هيئة لصنع القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، بل سيبحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة».

الدبيبة في أول ظهور له في مصراتة بعد خروجه من المستشفى (صفحات لمقربين منه)

وانتهت البعثة إلى أن ذلك يتأتى «من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة دوافع النزاع طويلة الأمد، وسيسعى الحوار المُهيكل إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية تُحدد مسار الاستقرار».

في غضون ذلك، توافد ليبيون، الجمعة، لحضور مأدبة غذاء أقامها الدبيبة في مصراتة بمناسبة خروجه من المستشفى. واستقبل الدبيبة ضيوفه وهو جالس، وبجواره ابن عمه وصهره علي الدبيبة، فيما ظهر إبراهيم الدبيبة واقفاً وسط مستقبلي وفود المهنئين.


«تراجع الدينار» يفاقم الغلاء ويثقل كاهل الليبيين قبل رمضان

جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
TT

«تراجع الدينار» يفاقم الغلاء ويثقل كاهل الليبيين قبل رمضان

جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)
جل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

بينما تنشغل قطاعات ليبية عديدة بتراجع صرف الدينار أمام الدولار، يشتكي جل الليبيين من صعوبات معيشية بسبب غلاء الأسعار والخدمات الصحية، قبل قدوم شهر رمضان.

وبدا الدولار وكأنه يقفز بلا موانع أمام الدينار، إذ لامس سعر الصرف عتبة التسعة دنانير، في انهيار وصفه مراقبون بـ«السقوط الحر».

تقلص القدرة الشرائية

قبل شهرين فقط، كان الدولار في السوق الموازية عند حدود 7.80 دينار، ثم قفز إلى 8.80 دينار، ليواصل بعدها صعوده، تاركاً وراءه مواطنين يلاحقون الأسعار دون جدوى. (الدولار يساوي 5.43 دينار في السوق الرسمية).

حملة أمنية لضبط الأسعار في طرابلس (إدارة إنفاذ القانون)

وتحدثت «الشرق الأوسط» مع مواطنين ليبيين عديدين، من بينهم محمد الزلطني، الذي يعمل في متجر بالعاصمة طرابلس، والذي قال في إفادة مسجلة لـ«الشرق الأوسط» إن «الركود يخيم على كل شيء في السوق»، لافتاً إلى أن «كل ارتفاع جديد في الدولار يعني تقلصاً آخر في القدرة على الاحتمال». وضرب الزلطني مثالاً على هذه القفزات بسعر كيلو الجبن، الذي قال إنه «لم يكن يتجاوز 32 ديناراً لكن سعره صار 47 ديناراً. كما أن السلع الأساسية تقفز بلا رحمة، بينما يقترب شهر رمضان محمّلاً بالمخاوف أكثر من كونه موسماً للفرح».

لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي الليبي في اجتماع بالعاصمة طرابلس (المصرف المركزي)

لكن من زاوية حقوقية، لا تُقرأ هذه المشاهد على أنها مجرد أرقام فقط، فقد تحدثت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عما وصفتها بـ«معاناة إنسانية متفاقمة»، عنوانها «انهيار قيمة الدينار، وغلاء أسعار الغذاء، وشح السيولة، وأزمات الوقود والكهرباء التي تزيد قسوة الحياة، حتى في فصل الشتاء»، بحسب بيان لها.

وفي مواجهة هذا الضغط، تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة على ما تسميه «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع، كحل مؤقت لاحتواء تقلبات الصرف. ووضعت تسعيرة للزيت مثلاً ما بين 8.25 و8.75 دينار للكيلو.

لكن هذه الإجراءات تبدو «شكلية وبلا مردود» من منظور الزلطني ومواطنين آخرين، الذين يتفاجأون من حين لآخر بأسعار مرتفعة، أو منتجات أقل جودة عكس ما يتم الإعلان عنه من جانب الحكومة.

لمواجهة الغلاء تعوّل حكومة «الوحدة» على «التسعيرة الجبرية» لبعض السلع كحل مؤقت لاحتواء تقلبات الصرف (أ.ف.ب)

يعود الزلطني ليروي في إفادة مسجلة لـ«الشرق الأوسط» تجربة شخصية أكثر إيلاماً؛ إذ إن زيارة عيادة العيون لطفله باتت تكلف 65 دينارا للكشف، بعدما كانت لا تتجاوز 40 ديناراً كل 3 أشهر. ويتذكر بحسرة كيف كانت الأدوية الأساسية في متناول الجميع؛ حيث كانت تباع قطرة الأنف بـ75 قرشاً لكنها أصبحت اليوم بـ9 دنانير، وكأن المرض نفسه تحول إلى رفاهية.

«أوضاع اقتصادية دقيقة»

وسط هذا المشهد، سارع المصرف المركزي الليبي، الذي اجتمعت لجنة سياساته النقدية، منتصف الأسبوع الماضي، إلى الاعتراف بـ«أوضاع اقتصادية دقيقة»، عزاها إلى عدم الاستقرار السياسي، وضعف انضباط المالية العامة، متحدثاً عن خطة لاحتواء هذه الارتفاعات في سعر الصرف.

لكن هذه التحركات لا تبدو كافية في نظر محللين، إذ يشير خالد بوزعلوك، رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية» لـ«الشرق الأوسط»، إلى ما وصفها «سياسات خاطئة انتهجها المصرف المركزي، ومنح الاعتمادات على أساس المحاباة والواسطة»، ملقياً باللائمة على ما سماه «ضعف دور مصرف ليبيا المركزي الرقابي، وإخفاق سياسة التتبع في استيراد البضائع من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول».

أما في شرق البلاد، فتتخذ الأزمة وجهاً أكثر قسوة، إذ أوضحت نجاة (41 عاماً)، وهي موظفة ليبية، أن ارتفاع الدولار لم يكتف بإثقال كاهل الغذاء، بل ضرب ملف العلاج مباشرة. مشيرة في إفادة مكتوبة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تراجع سعر صرف الدينار جعل العلاج في الخارج «حلماً بعيداً». وقالت في هذا السياق إن كثيراً من المرضى «لن يتمكنوا من استكمال علاجهم في مصر أو تونس، بينما تراجع آخرون عن السفر من الأساس، ليجدوا أنفسهم أمام مستشفيات محلية تعاني نقص الأدوية والتجهيزات، بعد تراجع سعر الدينار مقابل الدولار».

مخزن تابع لإحدى شركات بيع المواد الغذائية في ليبيا (إدارة إنفاذ القانون)

وفي الجنوب الليبي، تتضاعف المعاناة؛ فالمدن البعيدة عن موانئ الاستيراد تشعر بارتدادات الأزمة أسرع وأقسى. ومن سبها، يوضح الإعلامي أحمد الحضيري لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع الدولار أربك الأسواق قبيل رمضان، وعمّق الأزمة القائمة أصلاً. موضحاً أن الأسعار «بلغت مستويات مرتفعة جداً، ومع كل موجة غلاء جديدة، يزداد شعور العجز لدى السكان، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على ما يأتيهم من غرب البلاد.

يأتي ذلك في ضوء أرقام صادمة كشفتها حكومة «الوحدة»، الأسبوع الماضي، تفيد بأن شركات استوردت أجهزة وهواتف بالدولار المدعوم عبر الاعتمادات المستندية بقيمة 1.1 مليار دولار، لكنها باعتها بسعر السوق الموازية، بحسب بيان وزارة الاقتصاد. ورأت الوزارة أن هذا النهج «حمّل المواطنين أعباءً إضافية، وحوّل الدعم إلى أرباح خاصة، وأسهم في إنشاء طبقة رأسمالية محدودة»، مؤكدة ضرورة إصلاح منظومة النقد الأجنبي.

في المقابل، فإن هذا الإقرار لا يعفي حكومة «الوحدة» من المسؤولية، وفقاً لبوزعكوك، الذي أشار إلى أنها «تتحمل المسؤولية الكبرى في انهيار سعر صرف الدينار الليبي، بسبب سوء إدارتها، وعدم انتهاجها سياسة إنفاق رشيدة، وتغاضيها عن تقارير الفساد الصادرة عن الجهات الرقابية كديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية».

وانتهي بوزعكوك إلى ما وصفه بأنه «تخبُّط في السياسات الحكومية والنقدية»، مستذكراً تصريح الدبيبة حول استخدام الحصيلة المالية لضريبة بيع الدولار في تصفير الدين العام، وهو ما نفاه لاحقاً محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.


عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
TT

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والولايات المتحدة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لبيان للمتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأفاد البيان بأن الاتصال «تناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس (المصري) عبد الفتاح السيسي والرئيس (الأميركي) دونالد ترمب وبين البلدين الصديقين، حيث أشاد الجانبان بما تمثله العلاقات المصرية-الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشهد الاتصال بحث آخر المستجدات في قطاع غزة، حيث تبادل الجانبان الرؤى بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب الإعلان عن تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفقاً للبيان.

كما تناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما فى إيران، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، ثمن ستيف ويتكوف الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود مصر المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة.