ألسنة اللهب تتصاعد في الخرطوم مع احتدام معركة «القيادة العامة»

«الدعم السريع» تكثف هجماتها... والنيران تلتهم معالم شهيرة

برج شركة «النيل» أكبر شركات النفط في السودان يحترق يوم الأحد وسط معارك ضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع (أ.ف.ب)
برج شركة «النيل» أكبر شركات النفط في السودان يحترق يوم الأحد وسط معارك ضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع (أ.ف.ب)
TT

ألسنة اللهب تتصاعد في الخرطوم مع احتدام معركة «القيادة العامة»

برج شركة «النيل» أكبر شركات النفط في السودان يحترق يوم الأحد وسط معارك ضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع (أ.ف.ب)
برج شركة «النيل» أكبر شركات النفط في السودان يحترق يوم الأحد وسط معارك ضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع (أ.ف.ب)

هاجمت قوات «الدعم السريع»، يوم الأحد، لليوم الثاني على التوالي، مقر القيادة العامة للجيش السوداني في وسط الخرطوم، حيث تصاعدت ألسنة اللهب من أبراج عدة في قلب العاصمة، وفق ما أفاد شهود.

وقال سكان العاصمة إن «اشتباكات عنيفة تدور حول مقر قيادة الجيش، تُستخدم فيها جميع أنواع الأسلحة الثقيلة». وكانت المعارك في محيط مقر القيادة العامة قد استأنفت يوم السبت بعد هدوء نسبي لأسبوعين، وأدت هذه الاشتباكات إلى اشتعال النيران في مبانٍ عدة، بينها معالم شهيرة، في وسط الخرطوم.

وأظهرت مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، تحققت من صحتها وكالة الصحافة الفرنسية، ألسنة اللهب تلتهم مباني شهيرة أبرزها البرج الذي يضم مقر ومكاتب شركة «النيل»، أكبر شركات النفط في البلاد. ويعد المبنى ذو الواجهات الزجاجية والتصميم الهرميّ، من أبرز معالم العاصمة. وأظهرت المقاطع احتراقه بشكل شبه كامل، إذ غطّى اللون الأسود طبقاته مع تواصل تصاعد الدخان منه. وغطى الدخان الأسود الكثيف سماء العاصمة السودانية. وأظهرت صور تمّ تداولها على مواقع التواصل، تهشّم نوافذ مبانٍ عدة في وسط الخرطوم واختراق الرصاص لجدرانها.

مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)

7500 قتيل

ومنذ اندلاع المعارك في السودان بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو في 15 أبريل (نيسان)، قُتل نحو 7500 شخص، ومن المرجح أن تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير، بينما اضطر نحو خمسة ملايين شخص إلى ترك منازلهم والنزوح داخل السودان أو العبور إلى دول الجوار، خصوصاً مصر وتشاد.

وفرّ نحو 2.8 مليون شخص من الخرطوم التي تشهد قصفاً جوياً وبالمدفعية الثقيلة وحرب شوارع في مناطق سكنية.

وقال شهود في حي مايو في جنوب الخرطوم إنهم «سمعوا دوي قصف مدفعي كثيف على مواقع قوات الدعم السريع في منطقة المدينة الرياضية» المجاورة. وسقط 51 قتيلاً على الأقل الأسبوع الماضي في قصف استهدف سوقاً في حي مايو، وفق ما ذكرت هيئة الأمم المتحدة.

وفي ولاية كردفان التي تبعد 350 كيلومتراً غرب العاصمة، تبادل الجيش وقوات الدعم السريع القصف المدفعي يوم الأحد، بحسب ما أفاد السكان. ومنذ اندلاع الحرب، وقعت أشد المعارك في الخرطوم وفي إقليم دارفور بغرب السودان، حيث شنت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها هجمات على أساس عرقي، ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق جديد في جرائم حرب محتملة. وكان إقليم دارفور مطلع القرن الحالي مسرحاً لنزاع دامٍ أوقع 300 ألف قتيل وأدى إلى نزوح أكثر من 2.5 مليون سوداني، بحسب الأمم المتحدة.

قوات من «الدعم السريع» في منطقة مايو جنوب الخرطوم يونيو 2019 (أ.ب)

اتهامات بوجود مرتزقة أجانب

من جانبه، قال رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل إن مقاتلين يدخلون وكذلك أسلحة إلى البلاد من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى لتغذية الصراع بالخرطوم. وأضاف في مقابلة مع وكالة أنباء العالم العربي، أن لجنة تحضيرية في بورتسودان تعد للقاء لتوحيد الصف يجمع مختلف القطاعات السياسية والمدنية نهاية هذا الشهر، للتوافق على خارطة طريق للعودة إلى المسار السياسي المدني.

ومضى قائلاً إنه ليس هناك مجال لوقف الحرب في البلاد عن طريق التفاوض، مؤكداً أن الأولوية بالنسبة لحزب الأمة هي إنهاء الصراع «ولا مجال لوقف هذه الحرب إلا بطريقتين، إما هزيمة قوات الدعم السريع فتستسلم، أو يتم التفاوض مع أمراء الحرب على الأرض بواسطة الوسطاء ومساومتهم على مبالغ تمنح لهم مقابل أن يضعوا السلاح. لكن ليس هناك مجال لوقف الحرب عن طريق التفاوض مع قوات الدعم السريع».

سودانيون يطبخون في مدرسة جرى تحويلها إلى مأوى للنازحين في بلدة وادي حلفا شمال السودان (أ.ف.ب)

حكومة بلا حاضنة سياسية

وذكر أن الوضع طبيعي في كل ولايات السودان والحياة تسير بصورة طبيعية، حتى في الخرطوم مناطق شمال أمدرمان آمنة وأعداد كبيرة من المواطنين لجأوا لهذه المناطق. وأضاف: «هناك حل واحد هو أن تستلم المجموعات والجيوب المتبقية من الدعم السريع في العاصمة مقابل العفو، ثم بعد ذلك يدمج ما هو صالح في الجيش، أو يسرح. وهناك أجانب يمكن ترحيلهم إلى بلادهم إذا استسلموا». وتابع: «إذا استطاعت القوات المسلحة إخراج الدعم السريع من الأحياء السكنية والمرافق العامة ستنتهي الحرب. تتبقى بعد ذلك جيوب في جنوب دارفور وشمال دارفور وغرب دارفور».

وفيما يتعلق بالحديث عن تشكيل حكومة جديدة، قال الفاضل: «لا يمكن تشكيل حكومة من دون حاضنة سياسية. الجيش وحده لا يستطيع تشكيل حكومة لأن هذا سيعرضه لعقوبات». وأضاف: «نحن الآن لدينا عمل ولجنة تحضيرية في بورتسودان تجهز لملتقى لتوحيد الصف الوطني يجمع كل أهل السودان، المجتمع الأهلي والمدني والقوى السياسية وجميع قطاعات الشعب، نهاية هذا الشهر للتوافق على خارطة طريق للعودة إلى المسار السياسي المدني».

وذكر أن الملتقى يهدف أيضاً للاتفاق على «أسس تشكيل حكومة وحدة وطنية، ثم بعد ذلك يذهب وفد من هذا الملتقى للتشاور مع قيادة القوات المسلحة حول أسس تشكيل الحكومة بعد أن يتم الاتفاق على البرنامج وأسس تشكيل هذه الحكومة».


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون يعملون في مزرعة مجتمعية بالقرب من مخيم فرشانا (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين

حذَّر «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، اليوم (الخميس)، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين؛ بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
TT

ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)
ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية، في حين رأى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «أزمة السد تُشكِّل أهميةً استراتيجيةً لواشنطن في ظل مخاوف من تحول النزاع إلى أزمة دولية مفتوحة».

ونشر ترمب، الجمعة، على منصة «تروث سوشيال» رسالةً قال إنه وجهها إلى السيسي، وأعرب فيها عن أمله في ألا يؤدي الخلاف القائم حول «سد النهضة» إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا، مؤكداً أن ⁠الولايات المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا؛ للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وتضمَّنت الرسالة إشادة بالسيسي، ودوره في التوصُّل لاتفاق بين «حماس» وإسرائيل، وكذلك دوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

صورة أرشيفية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في زيارة لموقع «سد النهضة» على نهر النيل (صفحته على «فيسبوك»)

في حين ردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري»، ومؤكداً حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل.

وليست هذه المرة الأولى التي يعرض فيها ترمب جهوده للتدخل وحل أزمة «سد النهضة»، ولكنها المرة الأولى التي يرسل فيها رسالةً رسميةً إلى القاهرة بهذا الشأن، حيث إنه تحدَّث عن الأمر أكثر من مرة سابقاً، كما أن البيت الأبيض أعلن في أغسطس (آب) الماضي قائمةً وصفها بـ«نجاحات ترمب في إخماد حروب بالعالم»، متضمنةً اتفاقية مزعومة بين مصر وإثيوبيا.

عرض جاد

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، قال لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو المسألة في هذه المرة جدية من جانب ترمب بإرساله خطاباً رسمياً لأول مرة، ويبدو أنه يريد الوصول إلى اتفاق عن طريقه ليعلن أنه منع صراعاً مسلحاً بين مصر وإثيوبيا، رغم أن الأحداث وتطورات (سد النهضة) لا تشير إلى ذلك، ولكن ترمب يرغب في أن ينسب هذا الإنجاز لنفسه في ضوء مساعيه لجائزة نوبل للسلام».

وأضاف شراقي أن «حرب غزة لم تنتهِ بعد، وهناك أمور كثيرة متشابكة معها، وتحركات إسرائيل في المنطقة، خصوصاً بأفريقيا، من المؤكد أنها مرتبطة بذلك الأمر» متوقعاً موافقة إثيوبيا على دعوة أميركا، والوصول إلى اتفاق إذا ضمن لها الوصول إلى البحر الأحمر.

وأوضح شراقي أن «ترمب يستطيع دعوة الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا)؛ للوصول إلى اتفاق في أيام عدة، حيث إن الظروف حالياً أفضل مما سبق؛ نتيجة انتهاء الملء الأول الذي كان نقطة خلاف أساسية في المفاوضات السابقة على عدد سنوات الملء، ويمكن الوصول إلى اتفاق يُنظِّم الملء المتكرر والتشغيل فيما بعد، وإن أمكن تقليل السعة التخزينية التي تُشكِّل خطراً كبيراً على أمن السودان ومصر، والتشاور والتنسيق في حالة أي مشروعات مائية في المستقبل».

لقاء بين السيسي وآبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

المستشار السياسي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، قال: «إن هذه الرسالة تأتي في إطار رغبة ترمب الدائمة في أن يكون محل أضواء، ورغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام، ويحاول، من خلال هذه الرسالة وهذا التحرك، تثبيت الصورة الذهنية عنه بوصفه شخصيةً عالميةً مؤثرةً، وبطلاً قادراً على أن يوقف الحروب والدماء».

عقلية الصفقات حاضرة

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك جانب آخر يحرك ترمب، وهو أن مسألة الصفقات والعقلية التجارية حاضرتان بقوة في شخصيته، ومن ثم فهذا أمر مؤثر أيضاً في دفعه لطرح هذه المبادرة وإرسال تلك الرسالة، وبالقطع يريد شيئاً مقابل ذلك من مصر، أو من وراء المسألة نفسها، وكونه طرح هذه المبادرة لا يعني أنه سيتمكَّن في النهاية من حل الأزمة، فهو رجل اللقطة الذي يحب أن يطرح أشياء كبيرة ويبادر، ولكن مع الوقت ندرك أنه غير ملم بالتفاصيل والتعقيدات».

لكن الشوبكي يرى أيضاً أن «ترمب قادر على أن يكون له دور كبير في تلك الأزمة، وعلى مصر أن تأخذ ذلك بجدية، مع الوضع في الاعتبار الملامح المُكوِّنة لشخصية وعقلية الرئيس الأميركي لتصل لحل الأزمة دون أن تخسر شيئاً».

«سد النهضة» الإثيوبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومنتصف يونيو (حزيران) الماضي، خرج ترمب بتصريح مثير للجدل عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمةً دبلوماسيةً حادةً مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي 4 يوليو (تموز) الماضي، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض، قائلاً: «إن الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة»، وهو ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للإشادة بتصريحات ترمب، وبرغبته في حل الأزمة.

ومساء الثامن من يوليو الماضي أيضاً، قال ترمب للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن، في معرض رصده ما وصفها بـ«جهود إدارته في حل الأزمات في العالم»: «لقد تمَّ التعامل مع مصر وإثيوبيا، وكما تعلمون فقد كانتا تتقاتلان بسبب السد»، منوهاً بأن الأمر «سيُحَلّ على المدى الطويل».

دلالة سياسية

لكن رغم هذا الحديث المتكرر، الذي رحَّبت به مصر رسمياً، فإنه لم يتم رصد أي تدخل رسمي من ترمب في قضية «السد»، منذ بداية ولايته الثانية، على الرغم من إعلان إثيوبيا الانتهاء من بنائه، وبعد أن قامت بتدشينه رسمياً في حفل رسمي في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو ما أثار حفيظة القاهرة التي أطلقت تصريحات غاضبة ومتصاعدة «عن حقها في الدفاع عن أمن مصر المائي».

الخبير في الشؤون الأميركية المقيم في واشنطن، تمام الجاسم قال لـ«الشرق الأوسط»: «إن خطوة ترمب عن سد النهضة هذه المرة لها دلالة سياسية واضحة تتجاوز مضمون الرسالة نفسها، فاختياره توجيه رسالة شخصية ومباشرة إلى الرئيس المصري، رغم انخراط الإدارة الأميركية في ملفات عالمية أكثر إلحاحاً (أوكرانيا، والصين، والشرق الأوسط، والاقتصاد العالمي)، يعكس أن أزمة سد النهضة تُصنَّف في واشنطن ملفاً استراتيجياً، وليس تقنياً فقط».

وأضاف: «هذه الرسالة تشير إلى رغبة أميركية في احتواء نقطة توتر قد تنفجر خارج الحسابات وتؤثر على أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق أفريقيا، وهي مناطق تمسّ مصالح أميركية مباشرة».

صورة لـ«سد النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

وأضاف أن «هذه الرسالة تعكس اعترافاً ضمنياً بأن المسارات الإقليمية والأفريقية لم تعد كافية، وأن الملف يحتاج إلى تدخل سياسي من أعلى مستوى وليس مجرد وساطة فنية. في الوقت نفسه، تحمل الرسالة بعداً رمزياً مهماً: تأكيد مكانة مصر بوصفها شريكاً محورياً لا يمكن تجاوزه في معادلات الاستقرار الإقليمي».

وتابع: «باختصار الرسالة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل إشارة إلى أن واشنطن ترى في ملف (سدّ النهضة) خطراً كامناً يستحق إدارة مباشرة قبل أن يتحوَّل إلى أزمة دولية مفتوحة»، لكنه في الوقت ذاته يرى أن «فرص نجاح الوساطة الأميركية متوسطة إذا ما اقترنت بآليات فنية ملزمة، ونظام مراقبة شفاف، وحزمة حوافز اقتصادية متكاملة... أما في حال غياب هذه العناصر، فستبقى الوساطة مجرد أداة لخفض التوتر مؤقتاً وليست حلاً نهائياً للأزمة».

ترتيب الأوراق الإقليمية

الباحث المتخصص في الشؤون الأميركية المقيم في نيويورك، محمد السطوحي، قال: «إن ترمب تحدَّث أكثر من مرة عن موضوع السد، لكن لا يمكن فصل رسالته الأخيرة عن تطورات غزة وجهود وقف إطلاق النار كما اتضح في مقدمة الخطاب، وكذلك خطوات مصر أخيراً في منطقة القرن الأفريقي، والانتشار التدريجي لخلق توازنات جديدة مع بوادر تنسيق مع تركيا والسعودية في وقت تسعى فيه إسرائيل أيضاً لخلق موطئ قدم لها في المنطقة بالاعتراف بأرض الصومال».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من هنا، فإعادة واشنطن ترتيب الأوراق الإقليمية ضرورة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في ظل الأزمة المتصاعدة لسد النهضة، لذلك فإن مصر ستجد نفسها في وضع يحتم عليها وضع خطوط حمراء واضحة، وألا تسمح باستخدام ملف السد لابتزازها في قضايا أخرى، وقد ساعدتها الظروف بأن معدل فيضانات المياه في السنوات الأخيرة كان مرتفعاً، بحيث يمكن القول إن أمامها سنوات عدة من الأمن المائي بما يدعم موقفها - ولو مؤقتاً - في كل هذه الملفات. ولكن تبقى الضغوط الاقتصادية وقضية الديون أداة ضغط مؤكدة».

وأشار إلى أن «ترمب يذكر جيداً تعنت الموقف الإثيوبي الذى كان أقرب للإهانة له ولدوره، وهو يأخذ الأمور بطريقة شخصية، حتى إنه تحدث عن حق مصر في تدمير السد، ولا أظنه سيسمح بتكرار هذا المشهد مرة أخرى، ويمكن لمصر أن تلعب على هذه النقطة بتذكيره المستمر بها بطريقة غير مباشرة، أي التحريض دون استفزاز».


الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
TT

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

بعد أسبوعين من الاحتقان والاحتجاجات، التي شلت قطاع نقل المسافرين والبضائع في الجزائر، خضعت السلطات لضغط الشارع المهني بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل. ويأتي هذا التراجع من خلال مراجعة 11 مادة كانت محل نزاع، حيث تمَّ تخفيف العقوبات المُشدَّدة التي وصفها الناقلون بـ«التعجيزية».

خطوة لامتصاص الغضب

تهدف هذه الخطوة، في تقدير المراقبين للإضراب الذي شنَّه الناقلون، إلى امتصاص غضب المهنيين، وإعادة الهدوء للقطاع، في محاولة للتوفيق بين مقتضيات الأمن المروري، وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسائقين، بعيداً عن منطق «الجباية العقابية»، والحلول الردعية الصارمة، التي أشعلت شرارة الإضراب.

جلسة التصويت على قانون المرور المثير للجدل في البرلمان (البرلمان)

وفي خطوة لافتة لتبديد حالة الاحتقان، تولَّى الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي»، منذر بودن، وهو أحد أبرز أحزاب الغالبية الرئاسية، الإعلان رسمياً عن سحب «الطابع الزجري» من القانون، خلال لقاء مع مناضلي الحزب نُظِّم، الجمعة، بجنوب غربي البلاد. وأشار في فيديو بثّه الحزب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تخلي الحكومة عن 11 مادة في القانون، كانت سبباً في «ثورة» الناقلين مع بداية العام الجديد، بعد أيام قليلة من اعتماد المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية السفلى) للنص كما أعدّته الحكومة، التي أكدت أنها عززته بالعقوبات «للحد من العدد الكبير للوفيات في حوادث الطرقات»، الذي يفوق، حسبها، 4 آلاف وفاة سنوياً.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

من جهته، حاول وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، التهوين من «الطابع العقابي» للنص، مؤكداً في خطاب عاطفي أمام أعضاء «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا)، يوم الخميس، استعداده للاستقالة «على أن يقال عني إنني أسعى لإنزال عقوبات قاسية على المواطنين».

وتم التخلي عن العقوبات الزجرية في المواد الـ11 المثيرة للجدل، خلال عرض القانون على «مجلس الأمة» يومَي الأربعاء والخميس الماضيين، وهي الخطوة التي عدَّها مراقبون وسيلة الحكومة لـ«تفكيك قنبلة الناقلين»، التي أربكت الفريق الحكومي؛ خشية اتساع رقعة الاحتجاجات، وانتقالها إلى قطاعات أخرى تعيش حالة من «الاحتقان الصامت».

قانون «أحادي الجانب»

يهدف هذا النص، بحسب الوزير سعيود، إلى «تحديث الإطار القانوني لحركة السير على الطرقات». غير أنه تعرّض لانتقادات من طرف عدد من أعضاء مجلس الأمة؛ بسبب طابعه الزجري، وتشديد العقوبات، وارتفاع مستوى الغرامات. وحذَّر المتدخلون من تداعياته على السائقين المهنيين وعلى المواطنين، الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين عيشهم اليومي، مع التشديد على ضرورة تحقيق توازن بين الردع والوقاية، وأخذ الحالية السيئة للطرقات بعين الاعتبار، إضافة إلى مسؤولية السلطات في مجال الصيانة. وأشار بعض البرلمانيين إلى «النتائج السلبية»، التي خلَّفها قرار الحكومة منذ 5 سنوات بوقف استيراد قطع الغيار، على حالة المركبات، وهو ما يفسر حسبهم ارتفاع الحوادث.

وكانت مداخلة مهني حدادو، منتخب «جبهة القوى الاشتراكية» المعارضة، لافتة بشكل خاص، إذ ندد بالمشروع، وعدَّه نصاً «أحادي الجانب، تم إقراره من دون تشاور حقيقي مع مهنيي النقل والنقابات، والخبراء والمجتمع المدني».

وقال حدادو: «إن قانوناً يتعلق بأمن المواطنين لا يمكن فرضه دون نقاش وطني، ويجب أن يعكس حوكمة تشاركية حقيقية». وطالب بسحبه، مؤكداً «ضرورة تعويضه بنص نابع من حوار وطني شامل ومتوازن، ومتكيف مع واقع القطاع ومتطلبات السلامة المرورية».

وزير الداخلية والنقل (مجلس الأمة)

وأمام هذه الانتقادات، أكد وزير القطاع في رده على انشغالات أعضاء «مجلس الأمة» أن القانون «لا يهدف إطلاقاً إلى معاقبة المواطنين، بل إلى ضمان سلامتهم». وقال بهذا الخصوص: «لسنا في منطق معاقبة المواطنين. ولو علمت أنني قد أكون يوماً مجرد ذريعة لمعاقبة المواطنين، فسأغادر منصبي على الفور».

وأوضح الوزير أن الجانب الزجري في النص «يُعدّ أداةً للوقاية قبل كل شيء، وليس غايةً في حد ذاته، ويهدف إلى تحميل جميع الفاعلين في المنظومة مسؤولياتهم، وحماية أرواح مستعملي الطريق». كما شدد على أنه «يُشكِّل مرحلةً أساسيةً لتعزيز السلامة المرورية والحد من حوادث المرور»، التي وصفها بأنها «من أخطر الظواهر ذات الآثار الجسيمة».

الحالات الأشد خطورة

يجرّم المشروع تزوير التقارير الفنية، عندما لا تذكر الأعطال الموجودة في المركبة، أو عندما تتضمَّن التقارير معلومات غير صحيحة. كما يوسّع نطاق المسؤولية ليشمل مدارس تعليم السياقة ومراكز التكوين، والمسؤولين عن صيانة الطرق، إضافة إلى المستوردين والمصنعين والموزعين لقطع الغيار المقلدة. ويصنف المخالفات حسب خطورتها، مُميِّزاً بين المخالفات والجنح، مع إقرار عقوبات تكميلية، مثل سحب أو إلغاء رخصة السياقة.

وزير العدل (مجلس الأمة)

وكان وزير العدل، لطفي بوجمعة، قد تطرَّق إلى الموضوع، موضحاً أن أقسى العقوبات لا تخص إلا الحالات المشددة، مثل السياقة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والفرار بعد حادث، واستعمال وثائق مزورة (خاصة بالمراقبة الفنية)، و«انتحال الهوية»، أو غيرها من المخالفات الخطيرة. وأكد أن الهدف ليس معاقبة المواطنين «بصورة عشوائية»، موضحاً أن كل قضية تعالج على حدة من قبل القضاء، وفقاً لأدلتها وملابساتها الخاصة، وفي إطار احترام صارم للضمانات القانونية.

كما قال وزير العدل إن هذه العقوبات «متناسبة وقانونية، وتهدف أساساً إلى حماية المواطنين وضمان حقهم في طريق آمنة، وليس إلى المعاقبة التعسفية. ويأتي النص في إطار منطق الوقاية والسلامة والمسؤولية الجماعية».


ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة وجّهها، الجمعة، إلى نظيره المصري ‌عبد الفتاح ‌السيسي، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وكتب، ‌في الرسالة التي نشرها على منصة «تروث سوشيال»: «أنا مستعد لاستئناف الوساطة ​الأميركية بين مصر وإثيوبيا من ⁠أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي». وأضاف: «أود مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية الاحتياجات المائية لمصر والسودان وإثيوبيا».

ورأى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لكل دول حوض النيل عبر المفاوضات والتنسيق الأميركي بين الأطراف. وأكد أن «حل التوترات المرتبطة بسد النهضة في إثيوبيا على رأس أولوياتي».

ولفت إلى أنه يمكن ضمان إطلاق كميات من المياه خلال فترات الجفاف في مصر والسودان باتباع نهج ناجح. وكذلك يمكن لإثيوبيا توليد كميات كبيرة من الكهرباء ومنحها أو بيع جزء منها لمصر أو السودان.

وجزم بأنه «لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على مياه النيل».

وأشاد بالسيسي ودوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.