من «ماكسيمو» إلى «دانيال»... تاريخ ليبيا حافل بالكوارث الطبيعية

خبراء يرون أن إعصار «دانيال» هو «الأخطر والأكثر إيلاماً»

حجم الدمار الذي خلّفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة «طقس ليبيا»)
حجم الدمار الذي خلّفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة «طقس ليبيا»)
TT

من «ماكسيمو» إلى «دانيال»... تاريخ ليبيا حافل بالكوارث الطبيعية

حجم الدمار الذي خلّفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة «طقس ليبيا»)
حجم الدمار الذي خلّفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة «طقس ليبيا»)

تعرضت عدة مدن ليبية خلال العقود الأربعة الماضية لكوارث طبيعية مدمرة، مثل العواصف والسيول، لكن يبقى الدمار الهائل الذي خلفه الإعصار المتوسطي «دانيال» في مدن الشرق الليبي، وخصوصا درنة، هو الأعنف والأشد والأكثر إيلاماً، وفق أكاديميين.

غير أن إعصار «دانيال» الذي ضرب ليبيا، واشتدت حدته في مدن المنطقة الشرقية ليس هو الأول من نوعه. فقد شهدت البلاد موجات متكررة من هذه العواصف شبه المدارية قبل أكثر من 4 عقود، لكن تظل الخسائر التي أحدثها إعصار «دانيال» في مدينة درنة «فاجعة تاريخية»، وفق وصف صفحة «طقس ليبيا» المعنية بأخبار الطقس، التي أكدت أن خسائر «دانيال» هي الأكثر شدة ودماراً وخراباً وإيلاماً عبر تاريخ هذه المدينة، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن مدينة درنة تقع على ضفاف «وادي درنة»، الذي يتجاوز طوله 60 كيلومتراً، ومساحة حوض التجميع به تبلغ 575 كيلومتراً مربعاً. كما أن الفيضانات دمرت سدين ركاميين (القلب مجهز من الطين المدموك والجوانب من الحجارة والصخور) بُنيا على مجرى الوادي في سبعينات القرن الماضي لحماية المدينة من الفيضانات والسيول، التي كانت تتعرض لها، والتي كانت تتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.

الدمار الكبير الذي خلّفه إعصار دانيال امتد حتى شوارع بنغازي (أ.ف.ب)

وقالت صفحة «طقس ليبيا» إن كميات الأمطار التي سقطت في أقل من 24 ساعة تجاوزت في حوض تجميع الوادي 200 مليمتر، وهذا يعني أن حوض التجميع استقبل ما يزيد عن 115 مليون متر مكعب من المياه، وهي كمية أكبر من قدرة تحمل السدود مجتمعة، وهذه الكميات لم تسجل سابقاً في كل الفيضانات المسجلة من قبل. مشيرة إلى أنه بعكس الفيضانات السابقة، حيث كانت المياه تتدفق بحرية من خلال المجرى، فإن الفيضانات الحالية كانت بسبب ما تراكم خلف السدود من كميات كبيرة، بالإضافة إلى ما جاء به الوادي من كميات إضافية هائلة من المياه، ما جعل هذا الفيضان تاريخياً وغير مسبوق.

حجم الدمار الذي خلفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة طقس ليبيا)

من جانبه، قال الدكتور السيد صبري، خبير التغيُّرات المناخية والتنمية المستدامة في مصر، إن تأثير هذه السيول والفيضانات كان كبيراً للغاية، نتيجة عدة أسباب، أبرزها أن الفيضانات كانت بسبب تراكم المياه خلف السدين اللذين انهارا، وخلّفا كميات كبيرة من المياه، بالإضافة إلى ما جاء به الوادي من كميات إضافية هائلة من المياه، ما جعل هذا الفيضان غير مسبوق.

وأضاف صبري لـ«الشرق الأوسط» أن الخسائر في المباني والأرواح كانت كبيرة، مقارنة بالكوارث والفيضانات السابقة، نتيجة حالة الاطمئنان التي ترسخت في نفوس سكان المدينة خلال العقود الماضية بعد بناء السدين، ما جعلهم يزحفون بالمباني والطرق والمنشآت على ضفاف الوادي، والمناطق التي لا تصلح للبناء، لأنها تقع في وديان جبلية ومخرات للسيول، ولذلك سببت هذه الفيضانات الكبيرة وغير المتوقعة دماراً غير مسبوق.

وأشار صبري إلى أن ما ضاعف الخسائر البشرية هو أن البنية التحتية لكثير من المناطق الليبية غير مؤهلة للتعامل مع كوارث طبيعية بهذا الحجم، بالإضافة إلى صعوبة وصول فرق الإنقاذ، والفرق الطبية إلى الأماكن المتضررة.

حجم الدمار الذي خلّفه الإعصار في ليبيا وتزايد بعد انهيار سدين بالمدينة (صفحة «طقس ليبيا»)

وفي فبراير (شباط) عام 1963، ضرب مدينة المرج (شرق) زلزال، بلغت قوته حوالي 5.3 درجة على سلم ريختر، حيث كان مركز الزلزال «قرية سيدي دخيل» قرب طلميثة، ما تسبب في وفاة 243 شخصاً وجرح مئات، واعتبر حينها من أكبر الكوارث الطبيعية التي شهدتها ليبيا في تاريخها المعاصر، لكن إعصار «دانيال» يعدّ هو الأخطر، بحسب عميد بلدية المرج، وليد صلهوب.

من جهته، قال الدكتور وحيد سعودي، خبير الأرصاد الجوية والمدير السابق لوحدة التنبؤات الجوية بالهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، إن الخسائر البشرية، والدمار في البنية التحتية الناجم عن اجتياح «دانيال» لبعض مدن ليبيا، لم تشهده البلاد منذ عقود. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن تنبؤات الأرصاد الجوية الليبية الخاصة بحجم الدمار، الذي يمكن أن تخلفه هذه الكارثة الطبيعية، لم تكن دقيقة بشكل كبير، كما لم يكن متوقعاً أن تؤدي كمية المياه الكبيرة إلى انهيار السدود في درنة.

مدينة شحات غرقت بالكامل جراء الأمطار الغزيرة (رويترز)

وأضاف سعودي أن العاصفة شبه الاستوائية تسببت في سقوط أمطار رعدية غزيرة، وصلت حد الفيضان والسيول، ما تسبب في خسائر كبيرة في الأرواح والبنية التحتية، ربما هي الكبرى في البلاد خلال العقود الماضية.

يشار إلى أن ليبيا شهدت كثيراً من العواصف والأعاصير خلال العقود الماضية، من بينها عاصفة «ماكسيمو»، التي ضربت الساحل الغربي للبلاد في عام 1982، تلتها عاصفة «سيلينو» قرب سرت في يناير (كانون الثاني) 1995، وفق ما رصد المركز العربي للمناخ، وبعض الدوريات المعنية بتقلبات الطقس بالحوض الأوسط والغربي من البحر المتوسط.

كما رصد المركز العربي للمناخ عاصفة «زيو»، التي مرت على طول الساحل الليبي في ديسمبر (كانون الأول) 2005، ثم عاصفة «رولف» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وطال تأثيرها الشمال الليبي.

كما مرت بسواحل ليبيا عاصفة «كاسيلدا» القادمة من اليونان في سبتمبر (أيلول) 2020، لكن البلاد لم تشهد حينها سوى أمطار خفيفة إلى متوسطة بغالبية مناطق الشمال الشرقي، وكانت جيدة على الجبل الأخضر.

وفي العام الذي يليه، شهدت بعض سواحل شرق ليبيا، وخاصة منطقة «الحمامة»، عاصفة «تورنادو»، أو كما عرف حينها بالإعصار «القمعي» المصغر، لكنه مرّ بسلام على البلاد.


مقالات ذات صلة

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
آسيا صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «أناضول» لغمر المياه بلدة تل حميس شمال شرقي الحسكة نتيجة الأمطار الغزيرة المتزايدة منذ السبت الماضي

سوريا تحذر من منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية

فتح ممرات مائية وسحب مياه الأمطار المتجمعة في المنازل والأقبية والمحلات التجارية، إضافة إلى التعامل مع حالات انهيار في الشوارع والأبنية وحوادث طرق

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
شمال افريقيا بستان من أشجار الحمضيات يغمره الفيضان في منطقة سيدي قاسم (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات عجاف... فيضانات المغرب تغمر آلاف الهكتارات وتكبّد المزارعين خسائر كبيرة

تحولت حقول في شمال غربي المغرب إلى بحيرات شاسعة بعد فيضانات سببتها أمطار استثنائية طال انتظارها، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.