كيف تُسهم الجهود المصرية في الحد من الزيادة السكانية؟

إحدى جلسات «المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية» في مصر (وزارة الصحة المصرية «فيسبوك»)
إحدى جلسات «المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية» في مصر (وزارة الصحة المصرية «فيسبوك»)
TT

كيف تُسهم الجهود المصرية في الحد من الزيادة السكانية؟

إحدى جلسات «المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية» في مصر (وزارة الصحة المصرية «فيسبوك»)
إحدى جلسات «المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية» في مصر (وزارة الصحة المصرية «فيسبوك»)

طرح حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، (الثلاثاء)، عن «ضرورة الحد من الزيادة السكانية في مصر»، تساؤلات حول: كيف تُسهم الجهود الحكومية في الحد من الأزمة التي تعود إلى عقود مضت؟ في حين يرى بعض الخبراء ضرورة اللجوء إلى «قرارات أخرى للحد من الإنجاب».

ولدى افتتاحه «المؤتمر العالمي الأول للسكان والصحة والتنمية»، بالعاصمة الإدارية الجديدة، (الثلاثاء)، انتقد السيسي «(الحرية المطلقة) في الإنجاب». وقال: «يجب أن يتم تنظيم الإنجاب، وإن لم يتم تنظيمه فإنه يمكن أن يتسبب في (كارثة) للبلد»، مشيراً إلى أن «مصر تستهدف خفض عدد المواليد السنوي إلى حدود 400 ألف، مقابل نحو مليوني مولود يُسَجَّلون سنوياً في الوقت الحالي».

وقد ارتفع عدد سكان مصر من 20.7 مليون عام 1950 إلى 69.9 مليون بحلول عام 2000، ثم توالى الارتفاع ليصل عدد السكان إلى 93.8 مليون عام 2015، وفق دراسة لخبير السكان ودراسات الهجرة في مصر، الدكتور أيمن زُهري. وتتوقع الدراسة المعنونة «الديموغرافيا الخطرة: سكان مصر في القرن الحادي والعشرين» وصول عدد السكان إلى 119.7 مليون نسمة عام 2030.

وحول إمكانية الحد من معدلات الزيادة السكانية عبر «تقييد الإنجاب»، قال زُهري لـ«الشرق الأوسط»: «لا أرى جدوى من (تقييد الإنجاب) من خلال سن القوانين»، مضيفاً: «حتى لو اتبعت مصر سياسة الطفل الواحد، سوف يكون عدد المواليد نحو مليون مولود كل عام، ذلك لأن عقود الزواج تقارب المليون سنوياً».

وعن وجود حلول عملية لقضية الزيادة السكانية، أوضح زُهري: «لا يوجد حل قصير الأجل للزيادة السكانية في مصر، أي حلول (جادة) لن يظهر أثرها قبل 15 أو 20 عاماً من الآن»، لافتاً إلى أن «النمو السكاني ينخفض تدريجياً، ولا حل إلا بتمكين المرأة من خلال النهوض بالتعليم، وتوفير فرص عمل للنساء (خارج المنزل)، وعدم استعجال النتائج».

وتنص المادة 41 من الدستور المصري على التزام الدولة «بتنفيذ برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها، وذلك في إطار تحقيق التنمية المستدامة».

ويرى خبير السكان ودراسات الهجرة أن «(الحل السحري) يكمن في تمكين المرأة»، لافتاً إلى أن «عدد المواليد السنوي منخفض وآخذ في الانخفاض، وكذلك معدل الخصوبة، ومعدل الزيادة السكانية، وهو حالياً 1.6 في المائة سنوياً».

ويرى بعض المعنيين «ضرورة تحول الدولة إلى اتخاذ قرارات عملية». وفي ذلك، قال أستاذ علم الاجتماع في مصر، الدكتور سعيد صادق، إنه دعا في جلسة سابقة بـ«الحوار الوطني»، وهو آلية سياسية تجمع قوى وأحزاباً متنوعة برعاية رئاسية، إلى «فرض ضريبة سنوية على الطفل الثالث، تتضاعف عند ميلاد الطفل الرابع، وهكذا». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «اقترحت أيضاً اشتراط محو الأمية للإناث قبل السماح بزواجهن؛ لأن 30 في المائة من المصريات أميّات، ومحو الأمية من شأنه تأخير الزواج، وتقليل ظاهرة الزواج المبكر».

وحول عدم تحول الزيادة السكانية في مصر إلى «قوة تنموية»، أرجع صادق ذلك إلى «ضعف مخرجات التعليم» و«غياب ثقافة العمل».


مقالات ذات صلة

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عرف تاريخها أزمات إقليمية عديدة.

محمد الريس (القاهرة)
رياضة عربية المنتخب المصري تصدر مجموعته بكأس العالم ويأمل في مواصلة مشواره بالبطولة (الاتحاد المصري لكرة القدم)

الجماهير المصرية ترفع سقف أحلامها بالمونديال

في إحدى الحملات الدعائية المصرية التي بدأ بثها بالتزامن مع بدء بطولة كأس العالم لكرة القدم، ظهر أبطالها من لاعبي المنتخب المصري مع توقعات الجمهور بالفوز.

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا الجيش المصري أعلن الثلاثاء ضبط أسلحة ومخدرات وتنقيب عشوائي عن الذهب (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

الجيش المصري لإحكام السيطرة على المنافذ الحدودية عقب توترات في الجنوب

أعلن الجيش المصري «ضبط 96 قطعة سلاح وكمية من الذخائر تُقدر بنحو 3600 مختلفة الأنواع في 33 واقعة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية أحمد حسام «ميدو» (حساب اللاعب على إكس)

مصر: «ميدو» يتعرض لأزمة صحية عقب صدور حكم بحبس نجله

تعرض اللاعب أحمد حسام الشهير بـ«ميدو» لاعب المنتخب الوطني المصري سابقاً، والإعلامي الحالي، لأزمة صحية، الثلاثاء، استدعت نقله إلى أحد المستشفيات بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مراقبون «دفعة لمسار التقارب» بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

هشام المياني (القاهرة)

الجيش المصري لإحكام السيطرة على المنافذ الحدودية عقب توترات في الجنوب

الجيش المصري أعلن الثلاثاء ضبط أسلحة ومخدرات وتنقيب عشوائي عن الذهب (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
الجيش المصري أعلن الثلاثاء ضبط أسلحة ومخدرات وتنقيب عشوائي عن الذهب (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

الجيش المصري لإحكام السيطرة على المنافذ الحدودية عقب توترات في الجنوب

الجيش المصري أعلن الثلاثاء ضبط أسلحة ومخدرات وتنقيب عشوائي عن الذهب (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
الجيش المصري أعلن الثلاثاء ضبط أسلحة ومخدرات وتنقيب عشوائي عن الذهب (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

أعلن الجيش المصري، الثلاثاء، ضبط قطع سلاح وذخائر ووقائع تنقيب عشوائي عن الذهب؛ وذلك بعد ساعات من إعلانه عن تنفيذ «حملة مُكبَّرة»، بالاشتراك مع قوات الشرطة، على حدود البلاد الجنوبية ضد «بؤر إجرامية» اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة.

وأفاد الجيش، في بيان رسمي، الثلاثاء، بضبط 96 قطعة سلاح، ونحو 3600 من أنواع الذخائر المختلفة في 33 واقعة.

وجاء في البيان أنه «تم ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، وضبط 20 جهازاً للكشف عن المعادن، و118 ماكينة كهرباء، و86 طن أحجار مخلوطة بخام الذهب».

وأضاف: «هذه النجاحات تأتي تتويجاً للجهود المكثفة التي تنفذها قوات حرس الحدود على مدار الساعة لإحكام السيطرة الأمنية على كل المنافذ والمعابر الحدودية على جميع الاتجاهات الاستراتيجية».

وكان الجيش قد أعلن، الاثنين، أن حملته المشتركة مع قوات الشرطة على «البؤر الإجرامية»، التي قال إنها تنشط في الاتجار بالمخدرات والسلاح والتنقيب غير المشروع عن الذهب وتنظيم رحلات الهجرة غير المشروعة، قد أسفرت عن ضبط أكثر من 200 عنصر بينهم 136 أجنبياً.

جانب من المضبوطات التي أعلن عنها الجيش المصري الثلاثاء (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبحسب المتحدث العسكري للجيش المصري، الثلاثاء، فإنه «استمراراً لجهود القوات المسلحة لترسيخ دعائم الاستقرار وحماية البلاد ضد جميع التهديدات وصون مكتسباته، تقوم قوات حرس الحدود بالتعاون مع الأفرع الرئيسية والتشكيلات التعبوية للقوات المسلحة بتأمين الحدود البرية والساحلية على الاتجاهات الاستراتيجية كافة بالاعتماد على منظومة تأمين متكاملة».

وتابع بقوله: «ترتكز هذه المنظومة على الفرد المقاتل المحترف، مدعومة بأحدث نظم التسليح والمعدات وأجهزة الكشف والمراقبة المتطورة ووسائل الاتصال عالية الكفاءة، إلى جانب مركبات الدفع الرباعي ولإنشات المرور الساحلي القريب، وأجهزة الفحص باستخدام الإكس ري والكلاب الحربية المدربة على اكتشاف جميع المهربات».

مصر تعلن إحباط 115 واقعة تسلل وهجرة غير مشروعة (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وأسفرت هذه الجهود كذلك، وفق المتحدث العسكري، عن ضبط 79 واقعة في مجال المواد المخدرة وضبط 351 طناً من مواد مخدرة مختلفة الأنواع، و750 ألف قرص مخدر، وضبط وتدمير عدد من مزارع هذه المواد.

وذكر أنه في مجال ضبط البضائع غير خالصة الرسوم الجمركية، تم ضبط 168 واقعة، وضبط ما يقرب من 50 طناً من المواد البترولية، بالإضافة إلى كميات كبيرة من البضائع المتنوعة وتقدر قيمتها بمليار جنيه (نحو 20 مليون دولار).

كما أكد في إفادته، الثلاثاء، أنه تم ضبط 500 عربة مختلفة الأنواع، وإحباط 115 واقعة تسلل و«هجرة غير مشروعة» وضبط 99886 من جنسيات مختلفة على الاتجاهات الاستراتيجية كافة للدولة.

سيارات تم ضبطتها في عمليات التهريب بمصر (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

ووفق المتحدث العسكري «قُدّرت القيمة المالية للمضبوطات بما يقرب من 40 مليار جنيه، وتمت إحالة وقائع الضبط إلى جهات الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالها».

وعلى مدى الأيام الماضية تداول ناشطون مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وتحدثوا عن توترات بجنوب البلاد إثر «أعمال تنقيب غير مشروع عن الذهب».

وكان متحدث الجيش قد شدد في بيان، الاثنين، على مواصلة قوات إنفاذ القانون «مهامها الميدانية المكثفة لتطهير البؤر الإجرامية وملاحقة العناصر الخارجة عن القانون في إطار جهودها المستمرة لتأمين حدود الدولة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار».

كما أكد حينها «احتفاظ الدولة المصرية بجميع الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات كافة»، و«امتلاكها القدرة على حماية أراضيها ومقدرات شعبها في ظل جميع الظروف».


تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
TT

تحديات تواجه تنفيذ «خريطة» المنفي وصالح وتكالة في ليبيا

من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)
من لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الوحدة)

تتسارع التطورات على الساحة الليبية منذ إعلان رؤساء مجالس: النواب عقيلة صالح، والرئاسي محمد المنفي، والأعلى للدولة محمد تكالة، «خريطة طريق» لإنهاء المرحلة التمهيدية، تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل فبراير (شباط) المقبل.

تهدف «خريطة طريق» إلى إنهاء مرحلة تمهيدية تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأثار هذا السقف الزمني المحدد شكوكاً واسعة؛ إذ وصفه سياسيون بأنه «غير واقعي» في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي، فيما رأى مراقبون أن الخريطة المطروحة تمثل «مناورة استباقية لحجز موقع في أي تسوية مقبلة»، خصوصاً مع تصاعد الزخم حول مبادرة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية.

ولم تمضِ سوى أيام على إعلان «خريطة» صالح والمنفي وتكالة حتى أعلنت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» دعمها لمبادرة بولس، تبعه تأييد نحو 47 نائباً للمبادرة، في خطوة اعتبرت «تحدياً مباشراً لموقف رئيس البرلمان عقيلة صالح».

ويرى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق صالح المخزوم أن هذه التطورات «عمقت الشكوك أكثر حول إمكانية إجراء الانتخابات في الموعد المحدد بخريطة الرئاسات الثلاث».

واستعرض المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أبرز العقبات، التي قد تحول دون إجراء الاستحقاق في الموعد المحدد، من بينها استمرار الخلاف بين مجلسي النواب و«الدولة» حول القوانين الانتخابية، وما نتج عنه من تعميق الانقسام السياسي، بالإضافة إلى أن مفوضية الانتخابات تحتاج إلى مزيد من الوقت لاستكمال إجراءاتها الفنية.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المجلس)

وتعيش ليبيا منذ سنوات حالة انقسام سياسي، بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من البرلمان في الشرق وبعض مناطق الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن «الاستحقاق لن يكون ممكناً إلا إذا تحول من إعلان وموعد سياسي إلى حزمة ضمانات تشريعية وأمنية وفنية، تحظى بقبول القوى الفاعلة على الأرض».

وأوضح أبو الرايقة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» تعد إحدى أبرز هذه القوى الفاعلة، و«أي خريطة لا تراعي موقفها في حساباتها ستظل منقوصة».

وترتكز المبادرة الأميركية على تقارب بين سلطتي الشرق والغرب، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة برئاسة الدبيبة، وتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي.

وحذر أبو الرايقة من أن «غياب تفاهمات واضحة بشأن تحييد السلاح، جراء ضيق المهلة الزمنية، قد يحول الانتخابات من أداة للحل إلى مصدر توتر جديد»، مشيراً إلى أن «الانقسام داخل البرلمان بين داعمي خريطة الرئاسات الثلاث ومؤيدي مبادرة بولس سيضعف الإطار التشريعي، ويزيد احتمالات الطعن في أي مسار انتخابي».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

من جهته، يرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، الشريف عبد الله، أن «نجاح الانتخابات لا يرتهن بتحديد الموعد الزمني بقدر ما يرتهن بتوافق القوى الفاعلة على الأرض». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ليبيا أجرت استحقاقات سابقة في ظروف أمنية أكثر تعقيداً، غير أن حساسية المرحلة الحالية تكمن في كونها مرتبطة بصراع تلك القوى على السلطة، مما قد يدفع أي طرف يستشعر التهميش إلى تفجير العملية الانتخابية».

ويرى عبد الله أن «ضعف الخريطة لا يتعلق فقط بضيق المهلة الزمنية، بل أيضاً بالشكوك حول التزام المجالس الثلاثة نفسها بتنفيذ الانتخابات، بالنظر إلى تعدد خلافاتها طيلة الفترة الماضية، وعدم تحالفها إلا مع استشعار الخطر على مواقعها لا قناعة بالمسار الانتخابي».

واعتبر عضو المسار الأمني بـ«الحوار المهيكل»، إيهاب محمد البيرة، أن «خريطة الرئاسات تبدو متماسكة نظرياً، لكنها غير قابلة للتطبيق عملياً ضمن المدة المحددة».

وقال البيرة لـ«الشرق الأوسط» إن «مشكلة ليبيا لا تنحصر في إجراء الاستحقاق، بل في قبول الليبيين بنتائجه». وتساءل عن «إمكانية بناء الثقة لدى الليبيين في تلك النتائج في ظل وجود حكومتين وجيشين، ومراكز نفوذ متنافسة، إضافة لما هو متوقع من محاولات تخريب من قبل شبكات المصالح ولوبيات الفساد المستفيدة من استمرار الانقسام».

وتتباين الآراء في ليبيا حول مبادرة بولس؛ إذ يرى المؤيدون لها أنها «قد تسهم في تقليص نفوذ الأجسام السياسية القائمة كمجلسي النواب والدولة»، فيما يصفها المعارضون بكونها «صفقة لتقاسم السلطة بين القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها».

في المقابل، دافع النائب الثاني للمجلس الأعلى للدولة، موسى فرج، عن خريطة صالح والمنفي وتكالة، وقال إن «التوافق بين الرئاسات الثلاث جاء بعد مشاورات مطولة هدفت إلى إنهاء الانقسام، والوصول إلى انتخابات تفرز مؤسسات موحدة وذات شرعية كاملة».

وأرجع فرج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» تعثر المسار السياسي خلال السنوات الماضية، رغم جدية محاولات مجلسه، إلى «تضارب المصالح الدولية والإقليمية، وتغليب بعض الأطراف المحلية مصالحها الخاصة»، مشدداً على أن إنهاء «المرحلة الانتقالية يجب أن يتم عبر حل ليبي-ليبي، في ظل تنامي الشكوك تجاه التدخلات الخارجية، التي غالباً ما تعطي الأولوية لمصالح الدول المتدخلة».

ورغم تفهمه لوجود هواجس أمنية، يعتقد فرج أن «جزءاً منها يجري تضخيمه لعرقلة المسار السياسي». وقال إن المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا «قادرتان على التنسيق وتأمين العملية الانتخابية وضمان نزاهتها»، داعياً الأطراف كافة إلى «العمل بهدف الوصول إلى وضع مستقر، قائم على توافق شعبي واسع ومرجعية دستورية».


«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
TT

«إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)
الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد في ظل استمرار الحرب ودخولها العام الرابع، وتبدل التحالفات العسكرية والسياسية بوتيرة متسارعة. فمع انضمام مجموعات منشقة عن «قوات الدعم السريع» إلى جانب الجيش السوداني، ووجود القوات المشتركة للحركات المسلحة، وقوات درع السودان، إلى جانب التشكيلات المحسوبة على التيار الإسلامي، تتشكل تدريجياً خريطة جديدة للقوى داخل المعسكر المناهض لـ«الدعم السريع». يعكس هذا الواقع حالة من التقاطع المؤقت للمصالح بين أطراف متعددة تختلف في خلفياتها وأهدافها ورؤيتها لمستقبل الدولة السودانية.

ورغم أن مواجهة «الدعم السريع» تمثل اليوم العامل الأكثر أهمية لهذه القوى، فإن التباينات السياسية والعسكرية الكامنة بينها تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التحالف. فالتجارب السودانية السابقة تشير إلى أن التحالفات التي تنشأ في ظروف الحرب لا تتحول بالضرورة إلى شراكات مستقرة في مرحلة السلام، بل قد تصبح ساحة لصراعات جديدة حول النفوذ والسلطة وترتيبات ما بعد الحرب. ومن هنا تبرز أهمية قراءة موازين القوى الناشئة، واستشراف طبيعة العلاقة بين مكونات هذا المعسكر، واحتمالات التوافق أو الصدام بينها خلال المرحلة المقبلة.

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وخلال الفترة الماضية، أصبح الجيش السوداني هو المظلة العسكرية الرئيسية التي تتحرك تحتها عدة قوى مختلفة في الخلفيات والأهداف. فالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة القادمة من دارفور تمتلك ثقلاً ميدانياً وخبرة قتالية، بينما تمثل «قوات درع السودان» قوة قبلية وعسكرية صاعدة، في حين يسعى بعض المنشقين عن «الدعم السريع» إلى إثبات حضورهم ضمن المعادلة الجديدة.

تحالف الضرورة

هذه التركيبة خلقت ما يشبه «تحالف الضرورة»، حيث يجمع هذه القوى هدف واحد، يتمثل في مواجهة «الدعم السريع»، لكن ذلك لا يعني وجود مشروع سياسي موحد بينها. فلكل طرف حساباته الخاصة المتعلقة بمستقبل السلطة وتقاسم النفوذ.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع «الحركة الإسلامية» داخل معادلة ما بعد الحرب. فالإسلاميون الذين شكّلوا لعقود أحد أبرز مكونات النفوذ داخل الدولة السودانية، عبر حضورهم السياسي والتنظيمي والأمني، لم يعودوا يحتكرون أدوات التأثير كما كان الحال في السابق. فالقوى التي صعدت خلال الحرب لا تنتمي بالضرورة إلى المشروع الإسلامي، كما أن عدداً منها يحمل إرثاً طويلاً من الخلاف والصراع السياسي مع الإسلاميين منذ عهد نظام «الإنقاذ» برئاسة الرئيس السابق عمر البشير.

ومن هنا تتجلى مفارقة لافتة؛ فكلما اتسعت دائرة القوى المنخرطة في دعم الجيش وتعددت مكوناتها، تراجع الوزن النسبي للتيار الإسلامي داخل هذا التحالف. فالإسلاميون لم يعودوا الطرف الوحيد القادر على توفير الحاضنة السياسية أو المساهمة العسكرية أو التعبئة المجتمعية، بل أصبحوا جزءاً من مشهد تتوزع فيه مراكز النفوذ بين فاعلين متعددين، لكل منهم مصالحه وحساباته الخاصة.

الإسلاميون أمام الضغوط

وتتزايد المؤشرات على تعرض التيار الإسلامي لضغوط سياسية متنامية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. يقول الخبير الاستراتيجي اللواء عبد الهادي عبد الباسط، المقرب من التيار الإسلامي، إن الحركة الإسلامية تواجه خلال المرحلة الحالية تحديات غير مسبوقة، في ظل دعوات متصاعدة تطالب بإبعاد الإسلاميين عن ترتيبات ما بعد الحرب، بل محاسبتهم على أدوارهم خلال سنوات الحكم السابقة وما ارتبط بها من اتهامات. وشهدت الأشهر الماضية إجراءات أمنية وقانونية طالت عدداً من القيادات الإسلامية البارزة، قبل أن تطلق سراحهم، فيما لا تزال تعتقل القيادي في حزب المؤتمر الوطني «النعمان عبد الحليم».

قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

وتزامنت هذه الإجراءات التي يعتقد أنها تمت بضغوط خارجية، مع تصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وحزب المؤتمر الوطني، وكتيبة البراء بن مالك «منظمات إرهابية» من قبل وزارة الخارجية الأميركية.

كما برزت مواقف إقليمية ودولية تدعو إلى استبعاد الإسلاميين من أي عملية سياسية مستقبلية، وهو ما انعكس في بيانات ومشاورات دولية وإقليمية، من بينها الآلية الرباعية الدولية (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) والخماسية (الأمم المتحدة، والاتحادان الأوروبي والأفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة إيغاد).

وفي المقابل، ترى قوى مدنية أن تراجع نفوذ الإسلاميين يمثل استحقاقاً سياسياً مرتبطاً بمسار الانتقال الديمقراطي أكثر من كونه نتيجة مباشرة للحرب. ويقول المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الدكتور بكري الجاك، إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد يكون قادراً على التخلي عن الإسلاميين، إلا أن المشكلة تكمن في نفوذهم داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة. وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أي محاولة لإبعادهم تتطلب تحالفاً واسعاً يستند إلى مشروع سياسي جامع قادر على إدارة المرحلة المقبلة.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

ويرى القيادي في حزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، أن مشروع «الحركة الإسلامية» وحكم حزب المؤتمر الوطني سقط بإرادة الشعب السوداني خلال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأن جهوده لاستمرار الحرب أسهمت في إضعاف التنظيم بصورة أكبر. كما رأى أن الضغوط والعقوبات الدولية، بما في ذلك تصنيف الولايات المتحدة لـ«الحركة الإسلامية» ضمن قوائم مرتبطة بالإرهاب، من شأنها أن تزيد من عزلة التنظيم السياسية.

ويشير شريف إلى أن القوى المدنية ماضية في عزل الإسلاميين سياسياً انطلاقاً من قناعتها بأن الاستقرار في السودان وإعادة بناء الدولة لن يتحققا إلا عبر دعم مسار مدني سلمي يقود إلى تأسيس مؤسسات جديدة على أسس عادلة، معتبراً أن نفوذ «الحركة الإسلامية» وواجهاتها السياسية يتجه نحو مزيد من التراجع.

وفي هذا السياق أيضاً، أكّد رئيس الكتلة الديمقراطية، الموالية للجيش، مبارك أردول، أنهم توافقوا «شفهياً» خلال مؤتمر عقد في أديس أبابا، للقوى المدنية السودانية، على استبعاد كل من المؤتمر الوطني وتحالف «تأسيس»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، من أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما أكّده على صفحته على منصة «فيسبوك».

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية نفوذ الإسلاميين بشكل كامل قد يكون سابقاً لأوانه. فـ«الحركة الإسلامية» لا تزال تمتلك شبكات تنظيمية وخبرات سياسية متراكمة، كما تحتفظ بحضور داخل بعض مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن قدرتها على استعادة الموقع المهيمن، الذي تمتعت به خلال عقود حكم الإنقاذ، تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.