مستقبل السودان كما يراه دبلوماسيون أميركيون

تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عن رؤيتهم لحل النزاع وحذروا من «سيناريو ليبي»... ودعوة إلى احترام تطلعات السودانيين

TT

مستقبل السودان كما يراه دبلوماسيون أميركيون

البرهان و«حميدتي» في أحد لقاءاتهما قبل اندلاع النزاع (أ.ف.ب)
البرهان و«حميدتي» في أحد لقاءاتهما قبل اندلاع النزاع (أ.ف.ب)

في ظل التصعيد الحاد الذي تشهده الساحتان السياسية والميدانية في السودان، والتحذيرات الأممية من «تدمير كامل» للبلاد «وكارثة إنسانية» في المنطقة، استعرضت «الشرق الأوسط» آراء مسؤولين أميركيين سابقين في الملف السوداني، وسألتهم عن تصورهم لمستقبل البلاد واحتمالات التوصل إلى حل.

وتطرق الحديث إلى جولة القائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان، وتصريحات قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) حول الفيدرالية، بالإضافة إلى دور دول المنطقة في مساعي إنهاء القتال، والدور الأميركي في ظل احتجاج وزارة الخارجية السودانية على تصريحات السفير الأميركي في الخرطوم، جون غودفري، الأخيرة، التي دعا فيها طرفي النزاع إلى وقف القتال.

تحذيرات أممية

يقول المبعوث الخاص السابق إلى السودان دونالد بوث، إن 4 أشهر من القتال بين القوات المسلحة وقوات «الدعم السريع» ولّدت «كارثة في البلاد»، مشيراً إلى مقتل «الآلاف، وتهجير نحو 5 ملايين سوداني، وانهيار الخدمات الصحية على مستوى واسع». ويشدد في حديث مع «الشرق الأوسط» على أهمية وقف القتال بسرعة، مضيفاً أن «وقف القتال أساسي لإنقاذ الشعب السوداني من عذابه، لكن لا يبدو أن القوات المسلحة ولا قوات (الدعم السريع) مستعدتان لوقف القتال، والحديث معاً، ومع ممثلين عن الشعب السوداني المعذّب، حول كيفية إحقاق السلام في السودان. إذا استمر القتال؛ فسيواجه السودان مستقبلاً قاتماً من الفقر وتهديد الوحدة الوطنية».

دونالد بوث (الشرق الأوسط)

ويوافق القائم السابق بأعمال السفارة الأميركية في الخرطوم، ألبرتو فرنانديز، على مقاربة بوث، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما دام هناك جمود عسكري دموي من دون مسار سياسي لإنهاء الصراع، فإن ما سنراه هو مزيد من الجوع والأوبئة والتهجير في السودان».

كلمات ردد صداها المدير السابق لمكتب المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، كاميرون هادسون، الذي حذّر من سيناريو مشابه لليبيا، وتوسع رقعة الصراع. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «استمرار القتال، وعدم تمكن أي طرف من تحقيق نصر كاسح، سوف يؤديان إلى استمرار البلاد على هذا المسار، مما سيخلق سيناريو انهيار للدولة مشابهاً لليبيا. وإذا حصل هذا، فسوف يؤدي إلى تصدير زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها، مع خطر محتمل لتوسع الأزمة في الساحل لتصل إلى البحر الأحمر».

مستقبل السودان

ويعرب هادسون عن تشاؤمه إزاء مستقبل السودان، مشيراً إلى أن الأمل في مستقبل البلاد «ضئيل ما دام القتال مستمراً». ويفسر سبب تشاؤمه هذا قائلاً: «لست واثقاً بأن المجتمع الدولي، يستطيع أن يدفع باتجاه مسار سياسي تنجم عنه نهاية للصراع وحكومة ذات مصداقية».

كاميرون هادسون (الشرق الأوسط)

لكن كلاً من فرنانديز وبوث يعارض المقاربة المتشائمة هذه، فيؤكد الأول: «بالطبع السودان لديه مستقبل. لكن في بعض الأحيان ولسوء الحظ فإن بعض البلدان تنهار جزئياً قبل أن تعود إلى الحياة. رأينا هذا الوضع في بلدان مثل ليبيريا وسيراليون، حيث شهدتا حرباً مفتوحة دمّرت معظم البلاد. اليوم البلدان يتمتعان بنظام ديمقراطي، لكن العذاب كان فظيعاً خلال سنين الصراع». ويعقّب: «في السودان تم تدمير الكثير، وهذا سيتطلب أعواماً لإعادة البناء في حال أعطيت البلاد فرصة لذلك».

موقف يدعمه بوث الذي تساءل: «طبعاً هناك أمل بمستقبل أفضل في السودان. فإلى أي مدى يمكن أن تسوء الأمور؟». وأشار بوث إلى أن تاريخ السودان «مشبع بفشل الحكومات العسكرية» وأضاف: «السودان أمة كبيرة ومتنوعة، والسلام لا يتطلب وقفاً للعمليات القتالية فحسب؛ بل أيضاً يتطلب نقاشاً وطنياً شاملاً حول كيف يمكن حكم أمة متنوعة بهذا الشكل، بطريقة تتم فيها معاملة الشعب السوداني كله بمساواة، وتمكّن من سماع أصواتهم واحترامها. لن يكون هذا نقاشاً سهلاً، لكنه ضروري لإنقاذ السودان من مزيد من التشتت».

تصريحات السفير الأميركي

وأثارت تصريحات السفير الأميركي في الخرطوم، جون غودفري، استياء وزارة الخارجية السودانية، التي رفضت المقارنة بين القوات المسلحة، وقوات «الدعم السريع»، في دعوته الأخيرة لإنهاء الصراع... وقد دافع فرنانديز عن موقف غودفري، مشيراً إلى أنه «محق» وأن «كلماته اختيرت بعناية، وتعكس وجهة نظر الحكومة الأميركية».

جون غودفري (الشرق الأوسط)

وأضاف فرنانديز؛ الذي خدم بمنصبه في الخرطوم من عام 2007 إلى 2009: «البعض في السودان احتضن بشكل كلي قضية الجيش ضد قوات حميدتي، لكن الجيش لديه تاريخ رهيب في قتل السودانيين وقمعهم على مدى عقود. البرهان وحميدتي شاركا في الانقلاب العسكري منذ أقل من عامين. والقوات المسلحة إضافة إلى قوات (الدعم السريع) عملتا عن قرب خلال المجزرة في دارفور منذ 20 عاماً. إن أيادي الجهتين غير نظيفة».

من ناحيته، يعدّ بوث أنه «من المنطقي أن يدعو السفير الأميركي الطرفين إلى وقف القتال والبدء بالحوار». ويقول إن «القوات المسلحة السودانية وبقايا الحكومة التي قادتها قبل اندلاع المواجهات مع قوى (الدعم السريع) في أبريل (نيسان) تروج لفكرة أنها تدافع عن السودان ضد وحدة عسكرية متمردة»، مضيفاً: «من المثير للاهتمام أن أغلبية المجموعات المدنية السياسية، ولجان المقاومة في الجوار، ومنظمات المجتمع المدني والموقعين على اتفاق جوبا للسلام، لا يدعمون هذه الفكرة. ويرفضون دعم أي من الطرفين، بل يدعونهما إلى وقف القتال والبدء بالحديث معهم حول مسار مستقبلي للسودان».

ألبرتو فرنانديز (الشرق الأوسط)

لكن هادسون؛ الذي يخالفهما الرأي، انتقد مقاربة السفير الأميركي، مشيراً إلى أن «الحديث بشكل عام هكذا غير فعال، ويتجاهل الخلافات الأساسية التي يتقاتل من أجلها كل طرف». ويفسّر هادسون هذا الموقف قائلاً: «بينما ارتكب الطرفان جرائم حرب، فإنه لا تمكن مقارنة مستوى ونطاق هذه الجرائم». ويذكر: «في النهاية، لن يكون هناك يوم في السودان من دون جيش وطني، لكن سوف يأتي يوم تغيب فيه قوات (الدعم السريع)، وتصريح السفير يتجاهل هذا الواقع الأساسي».

وقف القتال أساسي لإنقاذ الشعب السوداني، لكن لا يبدو أن الجيش و«الدعم السريع» مستعدان لذلك

دونالد بوث

حميدتي والفدرالية:

ترافق التصعيد في حدة اللهجة السياسية مع طرح حميدتي «الفيدرالية» بوصفها جزءاً من حل سوداني، ويشير بوث الذي خدم في منصبه مبعوثاً خاصاً في إدارتي الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترمب، إلى أن «الدعوات والمناقشات لحكم السودان بأسلوب فيدرالي ليست جديدة»، ويضيف: «أرجّح أن النظر في هيكلية فيدرالية للحكومة ستشكل جزءاً من أي نقاش وطني بعد القتال، متعلق بنظام حكم مستقبلي للسودان خلال العملية الانتقالية أو بعدها».

قائد قوات «الدعم السريع» حميدتي (أ.ب)

ويشير فرنانديز كذلك إلى أن كلمة فيدرالية «تستعمل بشكل مستمر في السودان»، مضيفاً أن «نظام البشير استعملها كذلك». ويتحدث السفير السابق عن التحديات المحيطة بطرح من هذا النوع فيقول: «بوصفها هدفاً، إنها فكرة جيدة في بلد كبير ومتعدد مثل السودان. لكن تطبيقها، يعني فعلياً تجريد الخرطوم من بعض صلاحياتها، وهو التحدي هنا. يستطيع حميدتي استعمال هذه الكلمة، لكن كثيرين لن يصدقوا أي شيء يقوله. إن تشخيصه للمشكلة بين النفوذ في الوسط، وغياب النفوذ في المناطق، واقعي، لكنه أمر غير جديد وليس حكراً عليه. إنها مشكلة تاريخ السودان منذ البداية».

استمرار القتال وعدم تمكن أي طرف من تحقيق نصر كاسح، سيخلقان سيناريو انهيار للدولة مشابهاً لليبيا

كاميرون هادسون

أما هادسون فقد شنّ هجوماً لاذعاً على حميدتي قائلاً: «كل ما يتفوه به حميدتي يهدف إلى التشويش والإرباك. يجب ألا نصدّق أي شيء يقوله؛ لأنه يهدف إلى التغطية على حقيقته، وهي أنه شخص ارتكب مجازر وعمليات اغتصاب جماعي وتعذيب وقتل. وقد قام بأغلبية هذا عندما كان عميلاً للبشير، وهو يستمر بهذه التصرفات إلى يومنا هذا».

جولة البرهان

مع بدء البرهان جولته في المنطقة، شددّ بوث على أهمية دور دول المنطقة في حل الصراع، وقال: «مصر والسعودية لديهما مصلحة في رؤية الاستقرار يعود إلى السودان. السعودية تكاتفت مع الولايات المتحدة لدفع الأطراف السودانية نحو وقف إطلاق النار، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، وعقد مفاوضات سياسية في نهاية المطاف. ومصر عقدت اجتماعاً لجيران السودان لمحاولة العثور على طريقة لإنهاء القتال».

لقاء يجمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالبرهان يوم 29 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

وأضاف بوث أن «هذه المساعي لم تنجح حتى الساعة؛ لأن كلاً من القوات المسلحة و(الدعم السريع) لا تزال تعتقد أنها تستطيع الفوز ضد الأخرى. ومن المستبعد أن يتغير هذا الاعتقاد، إلا في حال نجاح غير محتمل لطرف عسكري بشكل أحادي، أو حتى تتوصل الأطراف الخارجية كلها، التي تعتقد حالياً بأن مصالحها هي أن يهزم طرف الآخر، إلى قناعة بأن مصالحها تقضي بإنهاء القتال واستتباب الأمن في السودان، بناء على توافق واسع من السودانيين».

من ناحيته، أشار فرنانديز إلى الأهمية البالغة لدور السعودية قائلاً: «للسعودية مصداقية مع الطرفين، وأنا أتوقع استئناف محادثات جدة في نهاية المطاف. لكن قبل ذلك أتوقع أن يقوم الطرفان بدفع أخير في جهودهما لانتزاع نصر عسكري في ساحة المعركة. لسوء الحظ لم ينتهِ القتل».

ما دام هناك جمود عسكري دموي من دون مسار سياسي، فإن ما سنراه هو مزيد من الجوع والأوبئة والتهجير في السودان

ألبرتو فرنانديز

وتوقع هادسون استئناف محادثات جدة، لكنه عدّ أنه «من الصعب تحقيق أي تقدم، إلا في حال تغيّر أمر ما، سواء على أرض المعركة أو في المقاربة الأميركية». وانتقد توجه الإدارة الأميركية لإعطاء السفير غودفري منصب مبعوث خاص، وقال: «لن يكون هذا كافياً. هو دور يلعبه أصلاً ولن يعطيه أي صلاحيات مختلفة عن تلك التي يملكها الآن».

خيانة تطلعات السودانيين

ورفضت وزارة الخارجية الأميركية الانتقادات الموجهة للسفير غودفري، وعلق مسؤول في «الخارجية»، رفض الكشف عن اسمه، على الأحداث في السودان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إن العنف الذي ارتكبته القوات المسلحة وقوات (الدعم السريع) هو خيانة لمطالب الشعب السوداني الواضحة بتشكيل حكومة مدنية وعملية انتقالية نحو الديمقراطية». وأضاف أن الرئيس بايدن أكد هذا المنحى في السابق، وأن «الشعب السوداني يريد أن يعود المقاتلون إلى ثكناتهم وألا يعيثوا خراباً في محاولة منهم لانتزاع السلطة للحكم». وتابع المسؤول: «نحن نستمر في التأكيد على رسالة وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، للشعب السوداني في 22 مايو (أيار) الماضي، حين قال إن المدنيين السودانيين يجب أن يكونوا هم من يحدد مسار السودان قدماً، وأن يقودوا مساراً سياسياً لإعادة العملية الانتقالية الديمقراطية وتشكيل حكومة مدنية. إن مستقبل السودان السياسي هو ملك للشعب السوداني، ويجب على الجيش الانسحاب من الحكم والتركيز على الدفاع عن الأمة في وجه التهديدات الخارجية».

وأكد المسؤول نفسه أن الوزارة «سوف تستمر تحديداً في إدانة الفظاعات التي يتم الإبلاغ عنها، وبالدعوة لمحاسبة المسؤولين عنها، كما فعلت في تصريحات الوزارة في 15 يونيو (حزيران) حول الانتهاكات في غرب دارفور، وفي 25 أغسطس (آب) حول العنف الجنسي من قبل (الدعم السريع) والميليشيات التابعة لها في غرب دارفور».


مقالات ذات صلة

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مصر لتعزيز استثمارات المغتربين في السوق العقارية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
TT

مصر لتعزيز استثمارات المغتربين في السوق العقارية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع وزيرة الإسكان في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

سعياً من أجل تعزيز استثمارات المغتربين في سوقها العقارية، تعمل مصر على تسهيل فرص تملكهم وحدات سكنية، وتطوير الخدمات والمبادرات المقدمة لهم.

وفي هذا الصدد، أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي اجتماعاً، الأربعاء، مع وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية راندة المنشاوي، في إطار التنسيق بين مؤسسات الدولة لتعزيز الجهود الوطنية في خدمة المصريين العاملين بالخارج ودعم خطط التنمية الشاملة.

وحسب إفادة لوزارة الخارجية، تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون المشترك بين الوزارتين لدعم جهود تطوير المبادرات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمغتربين، من خلال توطيد التكامل بين وزارة الخارجية والمبادرات التنموية بوزارة الإسكان.

ووفق بيان من البنك المركزي في مارس (آذار) الماضي، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 وحتى يناير (كانون الثاني) 2026 ارتفاعاً بمعدل 28.4 في المائة لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقابل 20.0 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2024 وحتى يناير 2025.

وأفاد «المركزي» بأن التحويلات ارتفعت خلال يناير 2026 بمعدل 21.0 في المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، مقابل نحو 2.9 مليار دولار في يناير 2025.

واستعرض عبد العاطي خلال اللقاء الجهود المبذولة لتعزيز قنوات التواصل مع المغتربين من خلال المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية، بما يتيح سهولة الحصول على الخدمات الحكومية، والاستجابة الفورية لاستفساراتهم واحتياجاتهم، إلى جانب تنظيم الفعاليات والمبادرات التي تستهدف ربطهم بالوطن.

وتناول الاجتماع مبادرة تجري بالشراكة بين وزارتي «الخارجية» و«الإسكان» لدعم المغتربين، وتشمل مبادرة «بيتك في مصر» التي تهدف إلى توفير فرص تملكهم وحدات سكنية، بما يسهم في توثيق ارتباطهم بالوطن وتعزيز استثماراتهم في السوق العقارية المصرية.

كما أعلنت وزارة الإسكان منتصف الشهر الماضي عن بدء استقبال التحويلات البنكية من المصريين بالخارج بوصفها أرصدة لهم تمهيداً للحجز بالمرحلة الحادية عشرة من مشروع «بيت الوطن».

اجتماع وزاري في القاهرة الأربعاء لتعزيز الجهود الوطنية لخدمة المصريين بالخارج (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وتشكل تحويلات المغتربين مصدراً مهماً للعملة الصعبة في مصر؛ وسجلت خلال عام 2025 أعلى مستوى في تاريخها بنسبة 40.5 في المائة بواقع 41.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 29.6 مليار خلال عام 2024، حسب البنك المركزي.

وأكد الوزيران خلال اللقاء على «أهمية استمرار التنسيق المشترك لدعم تطوير مبادرات مشتركة تسهم في تيسير حصول المغتربين على الخدمات الحكومية، وتعزيز مشاركتهم في المشروعات القومية، بما يدعم ارتباطهم بالوطن، ويسهم في جذب مزيد من الاستثمارات، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة».

وفي نهاية فبراير (شباط) الماضي، قدم عضو مجلس النواب رضا عبد السلام مشروع قانون بعنوان: «ضمانات وحوافز تحويلات المصريين العاملين بالخارج»، في إطار توسيع مظلة الحماية والرعاية للمغتربين، وتعظيم الاستفادة من تحويلاتهم، وتحفيزهم على التعامل مع البنوك والقنوات الرسمية، بما يضمن زيادة تدفقات النقد الأجنبي.

ويوجد أكثر من 11 مليون مصري في الخارج حتى عام 2022، وفق بيانات «الجهاز المركزي للإحصاء»، تتركز غالبيتهم في الدول العربية، خصوصاً المملكة العربية السعودية. وتأتي دول الأميركتين في المرتبة الثانية، حسب «الجهاز» عام 2021.

وفيما يتعلق بالقارة الأفريقية، تناول اجتماع الأربعاء الدور الذي تضطلع به الشركات المصرية، خصوصاً في مجالات الإنشاءات والبنية التحتية، بما يدعم توجه الدولة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي مع الدول الأفريقية، حسب إفادة «الخارجية».


وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

أكد القائد العام وزير الدفاع المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، على «جاهزية الجيش المصري، واستعداده القتالي الدائم، لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة.

وبعث زاهر برسالة طمأنة، خلال مشاركته في أحد الأنشطة التدريبية للقوات المسلحة المصرية، وأكد أن «المهام التدريبية تبعث برسالة طمأنة للمصريين على جيشهم واستعداده لمواجهة التحديات كافة»، حسب إفادة للمتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية العميد غريب حافظ، الأربعاء.

شهد الفريق أشرف سالم زاهر المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية، ومقره في محافظة السويس (شرق القاهرة)، وذلك بحضور رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء البرلمان.

وفي ختام المشروع، أكد وزير الدفاع المصري أن «القوات المسلحة المصرية، تعمل بكل جهد للحفاظ على ما تمتلكه من نظم قتالية وأسلحة ومعدات»، وأشار إلى «حرصها الدائم على بناء المقاتل الشامل الواعي وتدريبه وفقاً لأرقى أساليب التدريب الحديثة».

وشدد زاهر على أن «القوات المسلحة بما تملكه من إمكانات وقدرات بمختلف تخصصاتها قادرة على حماية البلاد، وصون مقدساته في ظل ما تموج به المنطقة من متغيرات وتحديات»، وأشاد في الوقت نفسه بـ«الجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة في المشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عالية»، عادّاً ما جرى تنفيذه من أنشطة تدريبية «يبعث برسالة طمأنة إلى الشعب المصري على قواته المسلحة واستعدادها القتالي الدائم لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة»، حسب بيان المتحدث العسكري.

ودائماً ما تؤكد القوات المسلحة استعدادها الدائم لمواجهة التحديات الأمنية المحيطة بمصر، على وقع اضطرابات إقليمية في السنوات الاخيرة، شملت الحرب على قطاع غزة، والحرب في السودان، والأوضاع الأمنية في ليبيا، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير في إيران.

وحسب بيان المتحدث العسكري المصري، شهد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إحدى مراحل المشروع التي تضمنت تنفيذ أعمال القتال لاقتحام الحد الأمامي لدفاعات العدو بمعاونة القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات القائمة بالهجوم، وناقش عدداً من القادة والضباط بالمشروع في أسلوب تخطيط وإدارة المهام وكيفية التعامل مع المواقف التكتيكية الطارئة التي يمكن التعرض لها في أثناء مراحل القتال.


مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
TT

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً يقلص النفقات، ويستفيد من البنية التحتية المتطورة التي دشنتها البلاد في السنوات الأخيرة.

من بين هؤلاء ليلى عبده، التي لم تعد تحمل همَّ الطريق الطويل الذي تقطعه ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو تكلفة «تفويلة» البنزين التي كانت تلتهم جزءاً كبيراً من راتبها؛ فهي بدلاً من ذلك تدير محرك سيارتها لدقائق معدودة من مكان إقامتها في مدينة الشروق، بشرق القاهرة، إلى محطة القطار الكهربائي الخفيف (LRT) القريبة من مسكنها.

وبثقة، تترك سيارتها في ساحات الانتظار المجهزة التي وفرتها وزارة النقل مجاناً، وتتجه لركوب القطار الذي ينقلها إلى العاصمة الجديدة، حيث تعمل بوزارة التعليم العالي.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تقليل تكلفة استهلاك البنزين، وركن السيارة دون رسوم، كانا الحافز الأكبر لاستخدام القطار. كما أن المشروع قلل الزحام، ووفَّر مجهود القيادة اليومية. باختصار هذا هو أفضل مشروع في السنوات الأخيرة».

تطوير منظومة النقل

ويعد القطار الكهربائي الخفيف إلى جانب الأوتوبيس الترددي (BRT) أهم وسائل النقل الجماعي الحديثة التي دشنتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في إنشاء مترو الأنفاق الذي يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى، ضمن خطط تطوير منظومة النقل في البلاد، بما يسهم كثيراً في تحسين التنقل، ودعم المدن الجديدة بمحاور ربط إضافية، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل.

عشرات السيارات في إحدى ساحات الانتظار بمحطات القطار الكهربائي الخفيف (وزارة النقل المصرية)

ورفعت الحكومة الشهر الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وفي إطار التوسع في شبكة النقل الجماعي، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، بجولة تفقدية للأعمال الإنشائية لمشروع محطة «الأهرامات» بمحافظة الجيزة، في إطار المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق، حيث استمع إلى الخطة الشاملة التي تنفذها وزارة النقل لإنشاء شبكة من وسائل النقل الجماعي الأخضر المستدام، ووجَّه بأهمية ربط المناطق ذات الكثافة السكانية العالية بهذه الشبكة.

جودة الخدمة «العامل الحاسم»

ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، حسن مهدي، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي حل عملي لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف الصيانة، والترخيص، مضيفاً: «المواطن الذي كان يعتمد على سيارته الخاصة بات يجد في المترو والقطار الكهربائي، والأوتوبيس الترددي بديلاً آمناً، وأقل تكلفة، ويخفف عنه أعباء القيادة، والزحام، ويمنحه وسيلة أكثر استقراراً».

واستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «جودة الخدمة هي العامل الحاسم في تغيير سلوك المصريين؛ فالمواطن لن يترك سيارته إذا كانت وسائل النقل العام سيئة، أو غير منضبطة. لكن مع تحسين مستوى الخدمة، وتطوير الشبكات، أصبح الاتجاه إلى النقل الجماعي خياراً طبيعياً لا إجبارياً، حيث إنه يعكس ثقة متزايدة في هذه الوسائل».

مترو الأنفاق يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى (وزارة النقل المصرية)

وبحسب تصريحات أدلى بها وزير النقل، كامل الوزير، خلال الشهر الجاري، فإن وسائل النقل الجماعي «توفر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية، مما يسهل الوصول إلى الخدمات، والمرافق الأساسية، ويعزز من التنمية الاقتصادية المحلية من خلال تسهيل حركة الأفراد، كما تُحسن هذه الوسائل من جودة الحياة، وتدعم النمو العمراني المستدام، بتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، والقضاء على ظاهرة النقل العشوائي من خلال توفير وسائل نقل آمنة، وتنظيم حركة المرور، والحد من التكدسات، ورفع مستوى السلامة على الطرق، وتحسين الصورة الحضارية للمدن».

«أثر تنموي»

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي وربط المدن الجديدة بها «ليس مجرد مشروع خدمي، بل استراتيجية اقتصادية واجتماعية متكاملة».

وأضاف، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب وسائل النقل الميسّرة كان أحد أسباب عزوف المواطنين عن الانتقال إلى المجتمعات العمرانية الجديدة، بينما ربط هذه المدن بوسائل حديثة، وبتكلفة منخفضة يسهّل تحريك الكثافة السكانية، ويعزز فرص الاستثمار التجاري، والصناعي.

وواصل حديثه: «وزارة النقل شجعت المواطنين على ترك سياراتهم في ساحات الانتظار، واستخدام القطار الكهربائي، والمترو، والمونوريل؛ فهذه الوسائل الحديثة تتميز بسرعة الاستخدام، وانخفاض التكلفة، وتساهم في تخفيف الضغط المروري، ما جعلها خياراً عملياً لشرائح واسعة من المصريين، بعيداً عن الاعتماد على السيارات الخاصة».

وهو يرى أن الأثر الاقتصادي الأبرز لهذا التحول «يتمثل في تقليل فاتورة استيراد السيارات، والوقود، وهو ما يوفر العملة الصعبة، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، إلى جانب تسهيل وصول العمال والموظفين إلى مواقع الإنتاج، ويكون لذلك أثر تنموي إيجابي».