مصر تدعم السودانيين المقيمين بها ثقافياً وفنياً

عبر قبولهم بـ«أكاديمية الفنون» و«مركز الحِرف اليدوية»

وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الاجتماع مع وفد «مبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»
وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الاجتماع مع وفد «مبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»
TT

مصر تدعم السودانيين المقيمين بها ثقافياً وفنياً

وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الاجتماع مع وفد «مبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»
وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الاجتماع مع وفد «مبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»

أقرّت وزارة الثقافة المصرية سلسلة من الفعاليات والأنشطة الثقافية والورش الفنية والتدريبية للحِرف التراثية والتقليدية؛ دعماً للجالية السودانية المقيمة بمصر والنازحين الجدد، كما رحّبت برعاية أصحاب المواهب منهم وإلحاقهم بمعاهد «أكاديمية الفنون».

ووجّهت الوزيرة نيفين الكيلاني بالإعداد لاحتفالية فنية كبرى تشمل أهم المفردات الثقافية والفنية المجسِّدة للهوية السودانية، بمشاركة الفنانين السودانيين

وكانت الوزيرة قد عقدت اجتماعاً، مساء السبت، بالقاهرة، مع وفد مبادرة «إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»، برئاسة عصام شرف رئيس وزراء مصر الأسبق، وضمّ الوفد من الجانب السوداني أميرة الفاضل محمد، وزير الرعاية والتنمية الاجتماعية الأسبق، ومستشار المدير العام لـ«الإيسيسكو للتعاون الدولي»، والفنان علي المهدي الأمين العام للهيئة الدولية للمسرح، ومرتضى علي عثمان المستشار الثقافي للسفارة السودانية بالقاهرة، كما حضر قيادات من وزارة الثقافة المصرية.

وزيرة الثقافة المصرية نيفين الكيلاني خلال الاجتماع مع وفد «مبادرة إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب»

وتطرَّق الاجتماع إلى آليات التعاون لدعم الجالية السودانية في مصر، ووجّهت الوزيرة بأهمية هذه المبادرة، وإقامة فعاليات فنية وثقافية بقصور الثقافة ومراكز الإبداع، التابعة للوزارة، بكل من القاهرة والإسكندرية وأسوان، وهي المحافظات الثلاث التي تشهد أكبر تجمع للنازحين السودانيين في مصر، وأكدت إشراك الفنانين السودانيين من خلال الفِرق الفنية ووِرش الحِرف التراثية، خلال احتفالات «تعامد الشمس» بـ«معبد أبو سمبل»، شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وقال عصام شرف، عبر بيان أصدرته وزارة الثقافة، إن مبادرة «إسناد السودانيين المتأثرين بالحرب» تأتي إيماناً من مصر بدعم الإخوة السودانيين في مختلف المجالات، ومن بينها مجال الثقافة بما تمثله من جانب معنوي داعم لهم، والتي تعزز الانتماء الوطني والهوية لديهم.

جانب من الاجتماع (وزارة الثقافة المصرية)

وكان مرتضى على عثمان قد ناشد وزيرة الثقافة، خلال الاجتماع، المساهمة في ترميم مكتبة الأفلام وإنقاذ الوثائق السودانية، التي تأثرت جراء تدمير المنشآت الثقافية بالسودان، ومن بينها تدمير مكتبة التلفزيون السوداني التي تحوي تراثاً نادراً، في حين أكدت أميرة الفاضل محمد أن المبدعين السودانيين المقيمين بالقاهرة «يرغبون في التعاون مع المبدعين المصريين في إقامة فعاليات يذهب عائدها لضحايا الحرب»، كما أشارت إلى «أهمية خلق فرص عمل للشباب والمرأة السودانية، من خلال التدريب على الحِرف اليدوية».

وذكر الفنان علي المهدي أن المبادرة تهدف إلى إطلاق الفنانين السودانيين والمصريين عدداً من الأنشطة الإبداعية المشتركة. وأبدت الفنانة السودانية إيمان يوسف، بطلة فيلم «وداعا جوليا»، التي تقيم بالقاهرة، سعادتها بهذه الخطوة، وقالت، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «خطوة مهمة بالنسبة للفنانين السودانيين الذين يحظون بدعم معنوي كبير من أشقائهم المصريين».

وأكدت أن «عدداً كبيراً من الفنانين السودانيين نزحوا إلى مصر جراء الحرب، من بينهم ممثلون ومخرجون وكُتاب وموسيقيون وفنانون تشكيليون، وأن أغلبهم يبحث عن فرص لتقديم أعمالهم، وبعضهم يعمل بشكل مؤقت، وأن تقديم فنونهم سيُعدّ أمراً فارقاً للجالية السودانية بمصر».

جلسة سودانية على ضفاف النيل (الشرق الأوسط)

وقال المخرج هشام عطوة، مستشار وزيرة الثقافة للشؤون الفنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماعاً سيُعقَد، خلال يومين، مع قيادات «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، و«صندوق التنمية الثقافية»؛ «لوضع آليات التنفيذ في ضوء الاسترتيجية التي وضعتها وزيرة الثقافة للتعاون مع الجانب السوداني».

وذكرت غادة جبارة، رئيس «أكاديمية الفنون»، أن معاهد الأكاديمية «تضم أعداداً كبيرة من الطلاب السودانيين بالفعل، وأنه في ظل الظروف الحالية بالسودان نفتح الفرصة بشكل أكبر، كما فعلنا من قبل مع الطلبة السوريين»، قائلة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا دورنا وواجبنا في دعم الأشقاء السودانيين، وأن الأكاديمية ظلت منذ بدايتها قِبلة للطلاب العرب».

كما أكدت استعداد الأكاديمية لقبول الطلاب الموهوبين بمدارس الكونسرفتوار والباليه والموسيقى العربية، إلى جانب المعاهد العليا المتخصصة، بشرط اجتياز الاختبارات المعتادة.


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.


أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».


ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

يترقب ليبيون بتوجس واهتمام متزايد تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية، ورصد «الجيش الوطني الليبي» وجود قيادي مسلح يقود عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن وُجد في الجنوب الليبي قبل فراره من ليبيا منذ سنوات.

القيادي المسلح في أحد التنظيمات المتطرفة إيلا أق عبد الرحمن متحدثاً في تسجيل مصور منسوب له في مالي (الشرق الأوسط)

ويأتي هذا الترقب وسط تحذيرات من تنامي التهديدات الأمنية المقبلة من منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نفوذ تحالفات تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة، من بينها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تبنت أخيراً هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية.

وقال مصدر عسكري بارز، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في مالي يثير القلق باعتبارها جزءاً من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنياً بالجنوب الليبي، ما يجعل أي تصعيد هناك مصدر تهديد محتمل، خصوصاً مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية».

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن «المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف، في ظل رصد وجود عنصر شارك في المعارك داخل مالي سبق أن وجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية». مشيراً إلى أن «أحد قادة الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان موجوداً سابقاً في مدينة أوباري بالجنوب الليبي».

وتلقت «الشرق الأوسط» تسجيلاً مصوراً منسوباً إلى القيادي المشار إليه، يظهر فيه معلناً تحقيق «انتصار» على من وصفهم بـ«الطواغيت» في منطقة كيدال شمال مالي.

خالد حفتر في لقاء مع قيادة عسكرية في الجنوب الليبي بمدينة سبها يوم الخميس الماضي (إعلام القيادة العام)

وكان «الجيش الوطني الليبي» قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية، استهدفت عناصر تابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في الجنوب الليبي، ضمن نطاق شمل سبها وغدوة وأوباري، وأم الأرانب ومرزق، وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة، عقب تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.

ولا تتباين كثيراً تقديرات عسكريين ومحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.

ورأى المصدر العسكري ذاته أن التطورات الأخيرة في مالي «تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود»، مشيراً إلى «وجود تمويل بطرق غير مشروعة يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة»، ولافتاً إلى أن تلك الجماعات تطلق على هذه الموارد تسمية «بيت المال ليبيا».

كما أكد المصدر وجود «تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل»، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية، التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.

من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، فيما يعرف بـ«مثلث السلفادور» على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد، موضحاً أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.

وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا عبد الهادي الحويج (صفحة الوزارة)

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية، وهو ما عكسه الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية في شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، مع نظيره المالي عقب الهجوم، الذي استهدف مدينة كاتي، أحد أبرز معاقل المجلس العسكري. وأكد الحويج وقوف بلاده إلى جانب الشعب المالي، ودعم الجهود الإقليمية والدولية، الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011. وفي هذا السياق قال السياسي الليبي موسى إبراهيم إن ما تشهده مالي يعد من «تداعيات سقوط الدولة الليبية»، معتبراً أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.

أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلاً إن «مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي، وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي»، مضيفاً أن الجنوب الليبي يشهد حالياً «سيناريو مشابهاً عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة».

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. وقال المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة إن ما يجري في مالي والنيجر «لم يعد بعيداً عن ليبيا»، معتبراً أن منطقة الساحل تتحول تدريجياً إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي، خصوصاً في الجنوب، عبر شبكات التهريب، وتدفقات السلاح والهجرة غير النظامية، وتحركات المقاتلين.

وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر، إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية، مؤكداً أن «قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد».