بينما اتهمت السلطات الأمنية بغرب ليبيا، نظيرتها التونسية بـ«إجبار المهاجرين غير النظاميين» على دخول المنطقة الحدودية الليبية، بات المئات منهم يواجهون شبح التيه والموت جوعاً وعطشاً في الصحراء بين البلدين، وقالت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، مساء (الأحد)، إن أفرادها عثروا على ست جثث مجهولة الهوية لمهاجرين غير نظاميين من جنسيات أفريقية، وذلك أثناء تنفيذ خطة لتأمين الحدود الغربية الليبية - التونسية.

ونوهت إلى أن جهاز حرس الحدود، وهو يواصل تأمينه للحدود، «عثر على مزيد من المهاجرين الذين تم إجبارهم من قبل السلطات التونسية على دخول المنطقة الحدودية الليبية». وتتزايد المخاوف الحقوقية ومخاوف المهتمين بملف الهجرة غير النظامية، من سقوط ضحايا أكثر بين المهاجرين العالقين بين البلدين من بداية الشهر الحالي. وسبق أن عثرت إحدى الدوريات الأمنية التابعة للقاطع الحدودي (العسة) الأسبوع الماضي، على خمس جثث مجهولة الهوية جنوب الصحراء، تعود لمهاجرين غير نظاميين من جنسيات أفريقية «بالقرب من خط التماس مع دولة تونس»، بعد أن تقطعت بهم السبل.
وأكدت وزارة الداخلية على أن تكثيف هذه الدوريات الأمنية يستهدف «منع تدفق ودخول المهاجرين الذين يتم طردهم من قبل السلطات التونسية»، متابعة: «على الرغم من ارتفاع درجات الحرارة التي تشهدها البلاد وأثناء تمشيط الدوريات للمنطقة الممتدة بين نقطتي (ظهرة الخص) و(طويل طاهر) عثرت على الجثث الست؛ إذ تم انتشالها بحضور أعضاء النيابة العامة برفقة فريق الإسعاف والطوارئ والدعم التابع لوزارة الصحة».

وتخفيفاً من وقع الأزمة، قالت جمعية الهلال الأحمر الليبي، إن أطقمها «تعمل جاهدة» من أجل توصيل المياه الصالحة للشرب للمهاجرين العالقين على الحدود الليبية - التونسية باستخدام «طرق بسيطة وفعالة»، وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً من منظمات حقوقية محلية.
وكان توفيق الشكري المتحدث باسم «الهلال الأحمر الليبي»، قال إن الجمعية قدمت مساعدات طبية ومواد غذائية، للمهاجرين العالقين على الحدود منذ اليوم الأول للأزمة، لافتاً إلى أن العدد الإجمالي لهؤلاء المهاجرين يبلغ قرابة 600 شخص.
وأنقذت السلطات الأمنية بطرابلس (الأحد) رجالاً ونساءً وهم تائهون بالقرب من بحيرة «سبخة المقطع المالحة» على امتداد الحدود بين ليبيا وتونس.
وعند الظهيرة وبينما الحرارة تفوق الأربعين درجة مئوية، عثرت دورية ليبية على رجل مغمى عليه حاول أفرادها إنعاشه بسكب بضع قطرات من الماء على شفتيه، إلا أنه بالكاد يتنفس. في البعيد، يمكن تمييز ست نقاط سوداء تبين بعد دقائق أنهم ناجون شرحوا باللغة العربية للحراس أنهم أتوا من تونس، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم (الاثنين).
وفي الأسبوعين الأخيرين، يقول حرس الحدود الليبيون إنهم أنقذوا مئات المهاجرين الذين نقلتهم السلطات التونسية، على ما يؤكدون، إلى الحدود عند مستوى بلدة العسة على بعد 150 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس؛ ففي أعقاب اشتباكات أودت بحياة مواطن تونسي في الثالث من يوليو (تموز) طُرد مئات المهاجرين الأفارقة من صفاقس في وسط تونس الشرقي التي تشكل نقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية إلى أوروبا.
ينهارون منهكين
وتفيد منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية بأن الشرطة التونسية «طردت» ما لا يقل عن 1200 مهاجر أفريقي وتركتهم عند الحدود مع ليبيا من الشرق والجزائر من الغرب.
وقد تولى «الهلال الأحمر التونسي» بعد ذلك رعاية أكثر من 600 من هؤلاء في منطقة رأس جدير العازلة بين تونس وليبيا، ونحو 200 من الجانب الجزائري، لكن قرب العسة على بعد نحو 40 كيلومتراً من رأس جدير، يستمر المهاجرون بالوصول ضمن مجموعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة أشخاص أو بالعشرات، يتقدمون مذهولين منهكين جراء الحر والعطش، وتخور قواهم عند أقدام الحراس، فيعطيهم الحراس بضع قطرات من الماء ويرشونها على رؤوسهم ووجوههم قبل نقلهم إلى نبع مياه مالحة ليبردوا حرارة جسمهم.
يقول المتحدث باسم «اللواء 19» الليبي علي والي: «نحن على الخط الفاصل بين ليبيا وتونس، ونشهد وصول المزيد من المهاجرين كل يوم. الوضع مقلق».
ويقول هيثم يحيى، مواطن سوداني: «كنت في العمل عندما أمسكوا بي واقتادوني إلى هنا، أولاً في سيارة شرطة، ثم في شاحنة عسكرية (تونسية)، ثم تركوني وطلبوا مني الذهاب إلى ليبيا».
تحت شمس حارقة، «سار البعض لمدة يومين» من دون ماء أو طعام في الصحراء. هذا ما حصل للنيجيري ألسكندر أونشي اوكولو. يقول الرجل البالغ 41 عاماً: «دخلت تونس عبر الدبداب (منفذ بري حدودي) عابراً الجزائر إلى تونس (...) أمضيت بعض الوقت في تونس قبل أن تقبض عليّ الشرطة التونسية».
ويقول المتحدث الليبي: «السبت تم العثور على جثتين، وقبل يومين على خمس، بينهم امرأة مع طفلها (...) بالإضافة إلى الخمس التي تم العثور عليها قبل أسبوع (...). وضع مأساوي وغير مقبول».
ويتساءل: «كيف تتوقعون منهم النجاة من هذا؟! وسط الحر ومن دون ماء مع سيرهم ليومين أو ثلاثة».
وتفيد منظمات إنسانية في ليبيا اتصلت بها وكالة «فرنس برس»، بأن الحصيلة تصل إلى ما لا يقل عن 17 قتيلاً قضوا في الصحراء بين ليبيا وتونس في الأسابيع الثلاثة الماضية.

وفي إطار التصدي لتدفق موجات المهاجرين غير النظاميين على ليبيا، ضبطت السلطات الأمنية بفرع المنطقة الوسطى 40 مهاجراً مصرياً في منطقة بويرات الحسون (غرب مدينة سرت) كانوا يستعدون للهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط.
وقالت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» إنه تم اتخاذ الإجراءات القانونية كافة حيال المهاجرين المقبوض عليهم، وتسليمهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة.

