مهاجرون أفارقة يتوهون منهكين في الصحراء بين تونس وليبيا

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
TT

مهاجرون أفارقة يتوهون منهكين في الصحراء بين تونس وليبيا

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يغتسلون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

​يواصل مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الوصول بالمئات يومياً إلى ليبيا سيراً حتى الإنهاك الشديد، بعدما نقلتهم السلطات التونسية إلى الحدود في وسط الصحراء، وفق شهاداتهم وشهادات حرس حدود ليبيين جمعتها وكالة «الصحافة الفرنسية».

أُنقذ الأحد في منطقة قاحلة وغير مأهولة، رجال ونساء وهم تائهون بالقرب من بحيرة سبخة المقطع المالحة، على امتداد الحدود بين ليبيا وتونس.

عند الظهيرة، وبينما الحرارة تفوق الأربعين درجة مئوية، عثرت دورية ليبية على رجل مغمى عليه، وحاول أفرادها إنعاشه بسكب بضع قطرات من الماء على شفتيه؛ إلا أنه بالكاد يتنفس.

في البعيد، يمكن تمييز 6 نقاط سوداء، تبين بعد دقائق أنهم ناجون شرحوا باللغة العربية للحراس أنهم أتوا من تونس.

في الأسبوعين الأخيرين، يقول حرس الحدود الليبيون إنهم أنقذوا مئات المهاجرين الذين نقلتهم السلطات التونسية -على ما يؤكدون- إلى الحدود، عند مستوى بلدة العسة، على بعد 150 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس.

ففي أعقاب اشتباكات أودت بحياة مواطن تونسي في الثالث من يوليو (تموز)، طُرد مئات المهاجرين الأفارقة من صفاقس في وسط تونس الشرقي، التي تشكل نقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير النظامية إلى أوروبا.

عنصر من حرس الحدود الليبي يوفر المياه لمهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عند وصوله إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (160 كيلومتراً غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

ينهارون منهكين

وتفيد منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية بأن الشرطة التونسية «طردت» ما لا يقل عن 1200 مهاجر أفريقي، وتركتهم عند الحدود مع ليبيا من الشرق، والجزائر من الغرب.

وقد تولى «الهلال الأحمر التونسي» بعد ذلك رعاية أكثر من 600 من هؤلاء، في منطقة رأس جدير العازلة بين تونس وليبيا، ونحو 200 من الجانب الجزائري.

لكن قرب العسة على بعد نحو 40 كيلومتراً من رأس جدير، يستمر المهاجرون في الوصول ضمن مجموعات صغيرة من شخصين أو 3 أشخاص أو بالعشرات، يتقدمون مذهولين منهكين جراء الحر والعطش، وتخور قواهم عند أقدام الحراس؛ فيعطيهم الحراس بضع قطرات من الماء، ويرشونها على رؤوسهم ووجوههم، قبل نقلهم إلى نبع مياه مالحة ليبردوا حرارة جسمهم.

في الآونة الأخيرة، يجري حرس الحدود الليبيون وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية، وعناصر «الكتيبة 19» دوريات يومية في الصحراء.

يقول المتحدث باسم «اللواء 19» الليبي علي والي: «نحن على الخط الفاصل بين ليبيا وتونس، ونشهد وصول مزيد من المهاجرين كل يوم. الوضع مقلق».

ويوضح أنه سمح لوكالة «الصحافة الفرنسية» بمرافقة الدورية «لتكذيب من يدعي (في تونس) أننا قمنا باختلاق كل هذا، وأننا قمنا باقتياد المهاجرين إلى هنا» عند الحدود.

ويؤكد أن الحراس يرصدون يومياً في نطاق عملهم حول العسة: «وصول 150 إلى 350، وأحياناً ما يصل إلى 400 أو 500 مهاجر غير شرعي».

وصل في ذلك اليوم 110 أشخاص، بينهم امرأتان، بينما لم يعثر على شخصين آخرين بلغ عنهما مهاجر.

يقوم جندي من حرس الحدود بمسح الأفق بمنظاره على أمل تحديد مكان المهاجرين.

وعبر الناجون الحدود من دون علمهم، وساروا في الاتجاه الذي أشار إليه الجنود التونسيون، أي ليبيا.

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء يستريحون عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

سير ليومين

هيثم يحيى، مواطن سوداني عمل في قطاع البناء لمدة عام في تونس؛ حيث وصل سراً عبر النيجر، ثم الجزائر.

يروي يحيى قائلاً: «كنت في العمل عندما أمسكوا بي واقتادوني إلى هنا، أولاً في سيارة شرطة، ثم في شاحنة عسكرية (تونسية) ثم تركوني وطلبوا مني الذهاب إلى ليبيا».

تحت شمس حارقة: «سار البعض لمدة يومين» من دون ماء أو طعام في الصحراء.

هذا ما حصل للنيجيري ألكسندر أونشي أوكولو. يقول الرجل البالغ 41 عاماً: «دخلت تونس عبر الدبداب (منفذ بري حدودي) عابراً الجزائر إلى تونس... أمضيت بعض الوقت في تونس قبل أن تقبض عليَّ الشرطة التونسية».

ويتابع قائلاً: «ألقوا القبض عليَّ في الشارع، ونقلت إلى الصحراء الكبرى». ويظهر شاشة هاتفه المحطمة، موضحاً: «كسروه وضربوني».

حرس الحدود الليبي يوفر المياه لمهاجرين من أصل أفريقي بعد وصولهم إلى منطقة غير مأهولة بالقرب من العسة بليبيا على الحدود الليبية التونسية في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

17 قتيلاً

ويقول المتحدث الليبي: «السبت تم العثور على جثتين، وقبل يومين 5 بينهم امرأة مع طفلها... بالإضافة إلى الخمس التي تم العثور عليها قبل أسبوع... وضع مأساوي وغير مقبول».

ويتساءل: «كيف تتوقعون منهم النجاة من هذا؟ وسط الحر ومن دون ماء مع سيرهم ليومين أو ثلاثة».

وتفيد منظمات إنسانية في ليبيا اتصلت بها وكالة «الصحافة الفرنسية»، بأن الحصيلة تصل إلى ما لا يقل عن 17 قتيلاً قضوا في الصحراء بين ليبيا وتونس، في الأسابيع الثلاثة الماضية.

في رأس جدير، لا يزال 350 مهاجراً يقيمون في مخيم، بينهم 65 طفلاً و12 امرأة حاملاً.

وقال مسؤول في المجال الإنساني في ليبيا لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «ظروف حياتهم صعبة جداً». وأوضح أن 180 مهاجراً آخر من بينهم 20 طفلاً يقيمون موقتاً في العسة.

وفي رأس جدير بدأوا منذ 10 أيام تقريباً يحصلون على المياه والطعام والرعاية الطبية من «الهلال الأحمر الليبي».

وشدد المصدر الإنساني على أن الوضع يتحسن «لكن لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل، فلا وجود للصرف الصحي ولا لخزانات المياه ولا مراكز إيواء فعلية».

وقالت الحكومة في طرابلس في الأيام الأخيرة، إنها ترفض إقامة المهاجرين الوافدين من تونس على أراضيها. وقد انتقدت تقارير عدة للأمم المتحدة، ليبيا، بسبب العنف الممارس في حق 600 ألف مهاجر موجودين على أراضيها، وغالبيتهم في مخيمات.

مهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء عند وصولهم إلى منطقة غير مأهولة على الحدود الليبية التونسية بالقرب من العسة (غرب طرابلس بليبيا) في 30 يوليو 2023 (إ.ب.أ)


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وسط البحر.

«الشرق الأوسط» (بنغازي)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

تحركات قضائية في ليبيا لتعقّب مهرّبين بعد غرق 38 «مهاجراً»

قال مكتب النائب العام الليبي إن «تشكيلاً عصابياً» دفع بمهاجرين غير نظاميين من شواطئ طبرق إلى شمال المتوسط، على متن قارب متهالك فشل في إيصالهم إلى وجهتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ضباط شرطة في طريق مغلق بالقرب من البيت الأبيض قبل وصول ملك بريطانيا تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى العاصمة الأميركية واشنطن 27 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يسعى لتغيير تسمية وكالة الهجرة والجمارك من «آيس» إلى «نايس»

أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأييده لفكرة تغيير اسم وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك المثيرة للجدل، والمعروفة اختصاراً بـ«آيس»، لتصبح «نايس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

محاكم الهجرة الأميركية تشهد تحوّلات تحت إدارة ترمب

تشهد محاكم الهجرة الأميركية تحولات كبيرة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الذي يسعى إلى تسريع معالجة التراكم الضخم في قضايا المقيمين بصورة غير شرعية في البلاد.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

شددت محادثات ليبية - يونانية عُقدت في طرابلس، على أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء في ملف الهجرة غير النظامية، وتكثيف برامج التدريب.

خالد محمود (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.