قوبل قرار إسرائيل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء بردود أفعال متباينة داخل المملكة، إذ عدّه بعض المحللين قراراً استراتيجياً وانتصاراً دبلوماسياً، بينما عارضه آخرون.
واعترفت إسرائيل، الأسبوع الماضي، رسمياً بسيادة المغرب على الصحراء، وأعلنت أنها تدرس فتح قنصلية بمدينة الداخلة، ثاني كبرى مدن الصحراء. وقال الأكاديمي والمحلل السياسي المغربي إدريس قصوري لوكالة «رويترز» إن الاعتراف الإسرائيلي بسيادة المغرب على صحرائه، وفتح قنصلية في الداخلة، «قرار استراتيجي جد مهم بالنسبة للمغرب أساساً، ويخدم بشكل كبير القضية الوطنية».
في المقابل، قال المحامي والحقوقي المغربي خالد السفياني إن «هذا الاعتراف يخدم الصهاينة»، وذلك في إشارة إلى إسرائيل، التي تخوض صراعاً مع الفلسطينيين منذ أكثر من 7 عقود، وخاضت حروباً عدة مع دول عربية. وطبّع المغرب العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2020 بوساطة أميركية، في إطار ما يعرف باسم «اتفاقات إبراهيم»، مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء. واعترفت واشنطن بالسيادة المغربية على المنطقة على الفور، بينما تأخر الاعتراف الإسرائيلي إلى الأسبوع الماضي. وأضاف قصوري موضحاً: «إسرائيل أرادت أن يتجدر اتفاق (إبراهيم) عبر المغرب، وأن يكون هذا الأخير محفزاً ونموذجاً لعدد من الدول لتسايره، وبالتالي أرادت أن تجني من الاتفاق فوائد كثيرة، سياسياً ودبلوماسياً، إلى جانب ما هو اقتصادي وعسكري، قبل أن تعترف بسيادة المغرب على صحرائه... أما المغرب فكان واقعياً، وله هدف استراتيجي... المغرب كان جد ملتزماً بالاتفاق، ولم يرد أن يخرج عن إطاره، وذهب خطوة خطوة... كما توسعت المعاملات إلى المستوى العسكري الأمني». لكن المحامي السفياني، عضو المؤتمر القومي الإسلامي بالمغرب، عبّر عن رأي آخر بقوله: «نرى أنه من العبث تصوير وكأن الشعب المغربي غير قادر على الحفاظ على وحدته الترابية، هذه إهانة للشعب المغربي عندما نقول إننا سنعول على كيان مجرم (...) للحفاظ على وحدتنا الترابية... المغرب في صحرائه والمغاربة حرروا أرضهم من الاستعمار، وهم قادرون على المحافظة على صحرائهم وعلى كل حبة رمل من ترابهم الوطني». ورأت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، المكونة من إسلاميين معتدلين، ومن منظمات المجتمع المدني، أن «ربط قضية الصحراء بالتطبيع سُبة في حق المغاربة».
والعلاقات بين المغرب وإسرائيل ليست وليدة الاتفاق الثلاثي المبرم عام 2020، فقد سبق أن فتحت إسرائيل مكتب اتصال سياسي لها بالمغرب في عام 1994 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وسبقته زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز إلى المغرب عام 1986، التي أثارت وقتها ردود فعل مختلفة على مستوى العالمين العربي والإسلامي. من جهة أخرى، أشار المحلل والمحامي المغربي والخبير في العلاقات الدولية، الحسين كنون، إلى أن المغرب «ينهج سياسة الطموح والوضوح في العلاقات الدولية، في إطار علاقة رابح - رابح». وأوضح أن «الاعتراف جاء في وقته بالنظر إلى أن المغرب حقق انتصاراً على جميع الأصعدة، والدول العظمى استجابت واعترفت بالصحراء عندما قال العاهل المغربي في خطابه إن المغرب يرى العالم بنظارة الصحراء المغربية». وشهدت مدينة النقب عقد النسخة الأولى من (قمة النقب) في مارس (آذار) العام الماضي، التي استضافت فيها إسرائيل وزراء خارجية عدد من الدول العربية، التي أبرمت اتفاقات سلام أو تطبيع معها؛ وهي مصر والمغرب والبحرين والإمارات، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، واتفق المشاركون على عقد القمة سنوياً.
وكان من المرتقب أن يستضيف المغرب الدورة الثانية من القمة في مارس الماضي، لكنها تأجلت مرات عدة. وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في يونيو (حزيران)، إن تأجيل القمة «جاء بسبب الأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة»، في إشارة إلى تصاعد العنف والمواجهات في الأراضي الفلسطينية، ولمّح إلى أن بلاده قد تستضيف القمة في الخريف المقبل. وأضاف كنون: «مثلما أرادت إسرائيل أن تستفيد من المغرب وأخّرت الاعتراف بمغربية الصحراء، ظل المغرب يمشي خطوة خطوة، وينتظر كيف تتطور الأمور، وبقي ينتظر بعض المتغيرات التي يمكن أن يجدد فيها أولوياته، لا سيما أن الأمر يتعلق بأولوية استراتيجية وهي القضية الوطنية، ولذلك ارتأى أن يؤجل قمة النقب». وبينما يرى البعض أن تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل وترقيتها يضر بالفلسطينيين، يشير قصوري وكنون إلى أن تسارع هذه الخطوات بين البلدين «لا يتعارض» مع مصلحة القضية الفلسطينية، بل يخدمها. وفي هذا السياق قال قصوري إن الاعتراف الإسرائيلي «سيخدم قضية السلام في الشرق الأوسط، فالعلاقات المغربية-الفلسطينية، كانت دائماً إيجابية، منذ قدم التاريخ»، مضيفاً أن «العاهل المغربي يرأس لجنة القدس، ويدعم الفلسطينيين في صمودهم في وجه الغطرسة الإسرائيلية»، موضحاً أن غلق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط في 2003 جاء بسبب الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وبينما أكد قصوري أن «العلاقات الجيدة للمغرب مع اليهود والفلسطينيين ستخدم القضية الفلسطينية لأنهم سيصبحون محرجين بشكل كبير بانهيار الاتفاقات وتراجعها»، رأى كنون أن «المغرب من المدافعين الشرسين عن القضية الفلسطينية، وقد اشترط في إعلان الاتفاق بين الإسرائيليين والمغرب قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وإيقاف الاستيطان»، مضيفاً أن «الدبلوماسية المغربية-الإسرائيلية لن تؤثر بأي شكل من الأشكال على الدفاع عن القضية الفلسطينية، التي يضعها المغرب في الكفة نفسها مع قضية الصحراء المغربية».





