«الجنائية الدولية» تحقق في جرائم دارفور مع تصاعد العنف بالسودان

واشنطن دانت استمرار «الأعمال الوحشية» 

جثث في الطرقات في مدينة الجنينة بدارفور في 16 يونيو 2023 (أ. ف. ب)
جثث في الطرقات في مدينة الجنينة بدارفور في 16 يونيو 2023 (أ. ف. ب)
TT

«الجنائية الدولية» تحقق في جرائم دارفور مع تصاعد العنف بالسودان

جثث في الطرقات في مدينة الجنينة بدارفور في 16 يونيو 2023 (أ. ف. ب)
جثث في الطرقات في مدينة الجنينة بدارفور في 16 يونيو 2023 (أ. ف. ب)

بدأت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً في تصاعد الأعمال العدائية بدارفور في السودان منذ منتصف أبريل (نيسان)، بما في ذلك تقارير عن جرائم قتل واغتصاب وحرق عمد وتشريد وجرائم تؤثر على الأطفال، حسبما أبلغ كبير المدعين بالمحكمة الأمم المتحدة اليوم الخميس.

ويخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، معارك في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى بالسودان في صراع على السلطة اندلع في منتصف أبريل (نيسان).

وتسبب الصراع في نزوح ما يزيد على 3 ملايين، بما في ذلك أكثر من 700 ألف فروا إلى البلدان المجاورة.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الأسبوع الماضي، إن السودان، وهو ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، على شفا حرب أهلية شاملة يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة ككل.

لقائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) مع قواته في جنوب دارفور (أ.ف.ب)

وفي الوقت الذي أشادت فيه بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية، أدانت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم، استمرار «الأعمال الوحشية وعمليات القتل الموجهة بدوافع عرقية» التي ترتكب في غرب دارفور.

وقال المتحدث باسم الوزارة ماثيو ميلر في بيان: «الأعمال الوحشية والعنف في دارفور تتطلب المساءلة والقدر المعقول من العدالة من أجل الضحايا والمجتمعات المتضررة ووضع حد للإفلات من العقاب».

مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال (أ.ف.ب)

وقال مكتب المدعي العام كريم خان في تقرير مرفوع لمجلس الأمن الدولي: «بإمكان المكتب أن يؤكد أنه بدأ تحقيقات تتعلق بحوادث في سياق الأعمال القتالية الحالية».

ونص التقرير على أن مدعي المحكمة الجنائية الدولية «يتتبعون بعناية تقارير حول (جرائم) قتل بدون محاكمة، وحرق منازل وأسواق، وأعمال نهب في الجنينة، بغرب دارفور، وكذلك قتل وتشريد المدنيين في شمال دارفور وأماكن أخرى في مختلف أنحاء دارفور»، مشيراً إلى أن المحكمة تنظر أيضاً في «مزاعم حول جرائم جنسية وجرائم قائمة على أساس الجنس، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي وتقارير مزعومة عن العنف ضد الأطفال والجرائم التي تؤثر عليهم».

جانب من الدمار في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور (أ.ف.ب)

ونص التقرير على أنه بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية لا تستطيع العمل حاليا في السودان بسبب الوضع الأمني​​، فإنها تعتزم القيام بذلك في أقرب وقت ممكن. وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي لعام 2005، يقتصر اختصاصها على منطقة دارفور.

ولدى المحكمة الجنائية الدولية أربع مذكرات اعتقال معلقة تتعلق بالقتال السابق في دارفور بين عامي 2003 و2008، إحداها ضد عمر البشير بتهمة الإبادة الجماعية.

وكان البشير رهن الاحتجاز في السودان، هو واثنان من وزرائه السابقين وهما مطلوبان أيضاً من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب مزعومة في دارفور.

وفي أبريل نيسان، بدأت المحكمة الجنائية الدولية أول محاكمة لها تتعلق بجرائم دارفور في قضية القائد المزعوم السابق لميلشيا الجنجويد علي محمد علي عبد الرحمن.


مقالات ذات صلة

حرب المسيّرات في السودان

شمال افريقيا دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

حرب المسيّرات في السودان

لقي مدنيان حتفهما وأصيب آخرون بهجوم طائرة مسيّرة استهدف محطة وقود بمدينة ربك بولاية النيل الأبيض، وواصلت المسيّرات غاراتها على مدينة الأبيض بشمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون يملأون أوعية بالماء في مركز توديع مجاني بالعاصمة الخرطوم (أرشيفية-أ.ب)

بعد انقطاع الكهرباء... العطش يحاصر سكان «الأُبَيِّض» بكردفان

تشهد الأوضاع الإنسانية في مدينة الأُبَيِّض، كبرى مدن شمال كردفان، بوسط السودان، تدهوراً مستمراً، بعدما دمّر قصف جوي محطة الكهرباء الرئيسية.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني خلال دورية في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة متطورة شمال دارفور

أعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيَّرة معادية من طراز «FH - 95» صينية الصنع شمال بلدة الطويشة بولاية شمال دارفور

أحمد يونس (كمبالا)
تحليل إخباري الأمين العام لـ«الحركة الإسلامية» في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

تحليل إخباري «إخوان» السودان... أمام مفترق الطرق

يشهد السودان مرحلة بالغة التعقيد، في ظل تبدل التحالفات العسكرية والسياسية داخل الجيش السوداني وإعادة تشكيل موازين القوى، ما يضع التيار الإسلامي أمام مفترق طرق.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا أشخاص يملأون حاويات مياه في نقطة توزيع وسط أزمة مياه في الخرطوم - السودان 18 مايو 2026 (أ.ب)

أميركا تحذّر من خطر «فظائع جماعية» وشيكة في مدينة الأُبيض السودانية

أعربت الولايات المتحدة، الاثنين، عن قلقها البالغ إزاء «المؤشرات المقلقة التي تشير إلى احتمال وقوع فظائع جماعية وشيكة» في مدينة الأُبيِّض السودانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر تتطلع إلى دعم دولي لاستضافة اللاجئين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الخميس في القاهرة برهم صالح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الخميس في القاهرة برهم صالح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتطلع إلى دعم دولي لاستضافة اللاجئين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الخميس في القاهرة برهم صالح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الخميس في القاهرة برهم صالح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (الرئاسة المصرية)

بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، في القاهرة الخميس، أوضاع الوافدين الأجانب واللاجئين في مصر.

المحادثات شملت طلب مصر دعماً دولياً مع استضافتها أكثر من 10 ملايين مهاجر ولاجئ، وهو ما يرى خبير في شؤون الهجرة واللاجئين في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «مهمة كبيرة وسط ظروف دولية صعبة جراء تداعيات حرب إيران»، متوقعاً أن «يعزز المجتمع الدولي قدرات مصر ويتقاسم معها الأعباء الكبيرة».

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، في مقدمتهم السودانيون والسوريون، ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات رسمية.

ورَحّلت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

السيسي خلال استقباله صالح (الرئاسة المصرية)

وأكد السيسي لصالح الذي تولى منصبه الجديد مطلع العام الحالي «اعتزاز مصر بالتعاون القائم مع المفوضية السامية للأمم المتحدة في توفير الحماية الدولية للاجئين، وملتمسي اللجوء المقيمين فيها، واستعدادها لمواصلة هذا التعاون بما يعزز التضامن الدولي ويدعم اللاجئين». كما أكد «حرص الدولة المصرية على توفير الخدمات الأساسية لهم في حدود قدراتها، مع ضمان احترام القوانين المصرية والتزاماتها الدولية»، مشدداً على أن «مصر لم تستخدم يوماً قضية اللاجئين لتحقيق أهداف سياسية».

وأشار الرئيس المصري إلى «أهمية تفعيل مبدأ (تقاسم الأعباء والمسؤوليات) وزيادة الدعم الدولي الموجّه إلى مصر، فضلاً عن دعم المنظومة الوطنية الجديدة الجاري استكمال أطرها التنفيذية، للتعامل مع قضايا اللجوء».

ويأتي اللقاء بعد أقل من شهر من إقرار مصر مطلع يونيو (حزيران) الحالي إصدار اللائحة التنفيذية لقانون «لجوء الأجانب» الذي ينظم أوضاع اللاجئين وحقوقهم والتزاماتهم المختلفة، وفق قرار لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي نشرته الجريدة الرسمية.

وصدّق الرئيس السيسي في ديسمبر 2024 على القانون الذي أقره مجلس النواب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وتضمن 39 مادة، بالتوافق مع الاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها القاهرة.

وطالبت اللائحة التنفيذية اللاجئين وطالبي اللجوء بـ«تقديم بطاقاتهم الحالية إلى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين قبل انتهاء صلاحيتها بشهر على الأقل، لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، كما ألزمت أصحاب الوثائق المنتهية قبل بدء العمل بالقرار بإخطار (اللجنة) خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذه لتوفيق أوضاعهم».

ويرى الخبير في شؤون اللاجئين والهجرة الدكتور أيمن زهري، أن مصر «تبذل مجهوداً ضخماً جداً في رعاية أكثر من 10 ملايين أجنبي ومهاجر ولاجئ على أراضيها، من دون أن تتلقى المساعدة الكافية من المجتمع الدولي»، مشيراً إلى أنها «تطالب بشكل دائم ومستمر بضرورة مشاركة الأعباء، إلا أنه للأسف لا توجد استجابة فعلية، ما يجعل هذا العدد الضخم في ظل ظروف اقتصادية طاحنة يمثل ضغطاً سياسياً كبيراً على الدولة المصرية».

وأوضح زهري أن مصر تتعامل مع هؤلاء كـ«ضيوف، انطلاقاً من مبدأ تقاسم لقمة العيش معاً، ولم تتبع نهج دول أخرى في استغلال ملف اللاجئين للمساومة أو الضغط السياسي للحصول على دعم مالي». ولفت إلى أن الدولة المصرية «رغم أنها لا تقدم مساعدات نقدية مباشرة لكل لاجئ، فإنها تتيح لهم الاستفادة من كافة الخدمات المتاحة للمصريين، سواء في قطاع التعليم أو الصحة، وبشكل مجاني تماماً أياً كانت التكلفة، وبخاصة أن اللاجئين السوريين والسودانيين خصوصاً هم بمنزلة إخوة تربطهم بمصر روابط جغرافية وثقافية وإنسانية وتاريخية عميقة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الخارجية المصرية)

بدوره، أكد المفوض الأممي صالح، وهو رئيس سابق للعراق، خلال لقاء الرئيس المصري «حرص المفوضية على تعزيز تعاونها الممتد مع الحكومة المصرية في توفير الحماية للاجئين ودعم المجتمعات المستضيفة»، مشيداً بـ«الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر في استضافة ملايين الأجانب والمهاجرين واللاجئين»، وفق بيان الرئاسة المصرية.

وشدد صالح على أن «الأعباء الملقاة على مصر جسيمة، وأنه يتعين وجود دعم حقيقي ومشاركة فعلية في المسؤوليات المرتبطة باستضافة الأجانب والمهاجرين واللاجئين».

ويشير زهري إلى أن المخصصات الرسمية التي تصل لمفوضية شؤون اللاجئين في مصر لا تتجاوز 30 في المائة من التمويل المخطط له، مما يضع عبئاً إضافياً على كاهل الدولة المصرية. وأكد أن «مبدأ (تقاسم الأعباء) هو مبدأ راسخ في العلاقات الدولية، ومنصوص عليه في الميثاق العالمي للمهاجرين والميثاق العالمي للاجئين لعام 2018، وكذلك في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين»، وشدد على «ضرورة وجود وقفة دولية حازمة وصارمة لدعم هذا الملف وتقاسم الأعباء»، مؤكداً أن مصر «رغم معاناتها من مشكلة سكانية، لا يمكنها إغلاق أبوابها أمام إخوتها، لكن المسؤولية أصبحت تقتضي تدخلاً دولياً حقيقياً ومنصفاً».


المسيّرات تواصل حصد أرواح المدنيين في السودان

دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
TT

المسيّرات تواصل حصد أرواح المدنيين في السودان

دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)
دبابتان متضررتان خلال الموجهات العسكرية أمام مبنى المصرف المركزي في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

قضى مدنيان وأصيب عدد آخر بهجوم شنته طائرة مسيّرة استهدف محطة وقود في مدينة رَبَك عاصمة ولاية النيل الأبيض جنوب البلاد، وفي الوقت نفسه واصلت الطائرات المسيّرة هجماتها على مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان صباح اليوم، وذلك استمراراً لتصاعد هجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف مناطق متفرقة من السودان.

وأفادت مصادر محلية بأن المسيّرات استهدفت «محطة وقود داخل مدينة ربك صباح الخميس، وأدى القصف إلى مقتل مواطنين وإصابة آخرين، جرى نقلهم إلى المرافق الصحية لتلقي العلاج، في حين فرضت السلطات طوقاً أمنياً حول الموقع، وشرعت في حصر الخسائر والتحقيق في ملابسات الحادث».

وقال شهود عيان إن القصف أحدث حالة من الذعر وسط السكان، في حين هرعت فرق الإسعاف والجهات المختصة إلى الموقع للتعامل مع آثار الهجوم وتأمين المنطقة.

وفي تطور متزامن، ما زالت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تتعرض لهجمات متتالية من المسيّرات المرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع». وقال شهود عيان إن المسيّرات شنت غارة جديدة على المدينة صباح الخميس، دون إعلان من السلطات حتى الآن حصيلة رسمية للخسائر الناجمة عن الهجوم.

وتشهد مدن عدة في وسط وغرب السودان تصاعداً في وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة منذ بدء الحرب، لكنها تطورت وتزايدت في الأشهر والأسابيع الأخيرة من السنة الرابعة للحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وفي الأسابيع الأخيرة، ظلّت مدينة الأبيض هدفاً متكرراً لهجمات تنسب إلى «قوات الدعم السريع»، كما تتعرض مدن ربك وكوستي بولاية النيل الأبيض، ومدن كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، بين فينة وأخرى، لهجمات مماثلة. وفي المقابل، يواصل الجيش السوداني تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع تقع ضمن مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، وعادة لا يُعلن الطرفان بشكل رسمي نتائج وأهداف الغارات التي يشنها الطيران المسير.

سيارات تضررت خلال المواجهات العسكرية موضوعة في ساحة بالخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وتأتي هذه الغارات بعد يومين من هجوم طائرة مسيرة الثلاثاء، استهدف سوق بلدة «الصياح» بولاية شمال دارفور، أسفر أيضاً، حسب تقارير محلية، عن مقتل شخص وإصابة عدد من المدنيين، وأدى لاندلاع حرائق دمرت جزءاً من السوق، وأتلفت محاصيل ومواد غذائية تقدر بملايين الجنيهات.

وتخدم سوق الصياح أكثر من 70 قرية في المنطقة، وتبعد نحو 60 كيلومتراً شمال مدينة مليط الحدودية مع ليبيا، ونحو 100 كيلومتر شمال شرقي الفاشر. وقال شهود إن الهجوم تزامن مع وجود آليات قتالية لـ«قوات الدعم السريع» في محيط السوق، مرجحين أن تكون المسيّرة التي نفذته تابعة للجيش السوداني، الذي لم يصدر أي تعليق على الواقعة.

وأصبحت الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الماضية من أبرز أدوات القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، مع توسع استخدامها في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت حيوية ضد مناطق سيطرة الطرفين، بعد أن كانت المعارك تتركز في خطوط المواجهة المباشرة.

وعادة ما تستهدف هذه الهجمات قواعد ومقار عسكرية، ومستودعات للأسلحة والذخائر وآليات قتالية، إضافة إلى منشآت للبنية التحتية ومحطات الوقود وقوات الطرفين.

ويجعل وجود الكثير من المواقع العسكرية داخل المدن وتمركز قوات الطرفين في مناطق مأهولة بالسكان المدنيين هم الأكثر تضرراً من هذه الضربات، التي كثيراً ما تسفر عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالمنازل والمنشآت المدنية والخدمات الأساسية.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.

ونسبت «أسوشييتد برس» في 15 يونيو (حزيران) الحالي إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن أكثر من 1000 مدني قتلوا بهجمات الطائرات المسيّرة في السودان خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.

وحسب التقرير، قال تورك إن مكتبه سجل مقتل أكثر من 1000 مدني، جراء ضربات الطائرات المسيّرة خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) من العام الحالي.

ولا توجد إحصائيات رسمية بأعداد القتلى المدنيين بسبب الحرب، لكن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، ذكر في آخر تقاريره، إن ما لا يقل عن 59 ألف شخص قتلوا خلال الحرب، بيد أنه رجح أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير بسبب صعوبة توثيق الضحايا في عدد من مناطق القتال.


السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودان: اتساع إضراب المعلمين احتجاجاً على ضعف الرواتب وتأخرها

تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)
تأخر المرتبات يجعل المعلمين عاجزين عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرهم الأساسية (أرشيفية - أ.ف.ب)

في حين يسعى السودان إلى استعادة عافيته وإعادة بناء مؤسساته بعد سنوات من الحرب، فإن قطاع التعليم بدأ يواجه أزمة متفاقمة مع استمرار إضراب المعلمين؛ للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وصرف مستحقاتهم المالية.

وتتسع الفجوة بين مطالب المعلمين المشروعة وحق الطلاب في التعليم... فالمعلمون يواجهون تدني الأجور وتآكل قيمتها الشرائية، فيما يدفع الطلاب ثمن توقف الدراسة وتعطل التحصيل الأكاديمي، في انعكاس واضح لتداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية على أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد.

ومع دخول إضراب المعلمين أسبوعه الثاني في ولايات الخرطوم والجزيرة وكسلا، تتواصل معدلات الاستجابة المرتفعة وسط المعلمين والمعلمات، في مؤشر على اتساع حالة السخط تجاه الأوضاع المعيشية المتردية.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ويؤكد المحتجون تمسكهم بمطالبهم، عادّين الإضراب وسيلتهم الأخيرة للمطالبة بحقوق ظلت مؤجلة سنوات في ظل تراجع الأجور وتراكم المستحقات.

أوضاع قاسية

يقول عمر يوسف، مدير إحدى مدارس المرحلة الابتدائية، إن الإضراب جاء نتيجة «تراكم مستحقات مالية للمعلمين، إلى جانب تأخر صرف منح الأعياد وبدلات الوجبة والسكن وعدم تنفيذها بصورة كاملة».

وأوضح أن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات يعدّ «من أبرز أسباب الاحتقان وسط المعلمين، رغم المناشدات المتكررة لوزارة المالية لمعالجة هذه القضايا».

ويقول المعلم محمد عباس: «أصبحت أواجه صعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالي، فتأخر الرواتب جعل حياتنا اليومية مليئة بالقلق وعدم الاستقرار».

بدوره، يقول المعلم أيوب مصطفى: «أقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، لكن تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخلي. في بعض الأيام أضطر إلى الاقتراض حتى أتمكن من الذهاب إلى عملي، وهذا وضع لا يمكن أن يستمر».

كما قالت المعلمة أم سلمة عبد الرحمن: «بعد أن فقدتُ منزلي واضطررت إلى النزوح، أصبحت أعتمد بشكل كامل على راتبي، لكن تأخر المرتبات جعلني عاجزة عن دفع الإيجار أو توفير احتياجات أسرتي الأساسية، بينما ما زلت أحاول الاستمرار في أداء رسالتي التعليمية».

طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

يضيف المعلم محمد عباس: «لديّ أبناء في مراحل دراسية مختلفة، وأصبحت غير قادر على توفير الرسوم الدراسية أو المستلزمات التعليمية لهم. أشعر بالألم حين أعجز عن تلبية احتياجات أسرتي رغم أنني أقضي حياتي في تعليم أبناء الآخرين».

ويقول المعلم معاوية فضل المولى: «الراتب لم يعد يكفي أياماً معدودة، ومع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب التوفيق بين متطلبات الأسرة ومستلزمات العمل. نحن لا نطالب بأكثر من حياة كريمة تحفظ لنا ولأسرنا الحد الأدنى من الاستقرار».

ضعف التمويل

وأكد المتحدث الرسمي باسم «لجنة المعلمين السودانيين (النقابية المستقلة)»، سامي الباقر، أن الإضراب الحالي جاء نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات التي ضربت قطاع التعليم؛ «على رأسها ضعف التمويل الحكومي وتداعيات الحرب؛ مما أدى إلى تدهور البيئة التعليمية وتفاقم أوضاع المعلمين المعيشية».

وأوضح الباقر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تدني الأجور وتآكل القيمة الشرائية للجنيه السوداني جعلا رواتب المعلمين غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مشيراً إلى أن «راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 40 دولاراً شهرياً، بينما لا تزيد رواتب بعض الدرجات الدنيا على 13 دولاراً».

وأضاف أن «المعلمين ما زالوا يواجهون تبعات متأخرات مالية تشمل الرواتب والبدلات والعلاوات منذ اندلاع الحرب، التي تصل في بعض الولايات إلى 14 شهراً، فضلاً عن التفاوت الكبير في الأجور بين الولايات بعد نقل مسؤولية المرتبات إلى الحكومات الولائية».

وانتقد الباقر ما وصفها بـ«الإجراءات العقابية ضد المضربين، بما في ذلك فرض الإجازات القسرية»، مؤكداً أن هذه الممارسات زادت من حالة الاحتقان وسط المعلمين.

وحذر بأن استمرار الأزمة قد يدفع أعداداً متنامية من المعلمين إلى هجر المهنة؛ «مما يهدد مستقبل العملية التعليمية»، واصفاً واقع التعليم في السودان بأنه «انهيار شامل» يتطلب معالجات عاجلة وزيادة الإنفاق على القطاع.

وأكد أن معالجة أزمة التعليم ترتبط بصورة وثيقة بإنهاء الحرب، عادّاً أن «وقف النزاع يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها قطاع التعليم والمعلمون في مختلف أنحاء البلاد».

تكلفة المواصلات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من دخل المعلمين (أرشيفية - أ.ف.ب)

آثار سلبية

قال الخبير التربوي، الهادي السيد، إن حرمان الطلاب من التعليم «خسارة كبيرة، خصوصاً في ظل عصر أصبحت فيه المعرفة ضرورة أساسية لبناء المستقبل»، مشيراً إلى أن «كل يوم يمر بعيداً عن الدراسة يترك أثراً سلبياً على مسيرتهم التعليمية».

وأوضح السيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب ألقت بظلالها على قطاع التعليم في السودان، وأنها تسببت في تسرب أعداد كبيرة من الطلاب وانقطاعهم عن الدراسة، «قبل أن تبدأ الأوضاع في التحسن تدريجياً وعودة المؤسسات التعليمية إلى أداء دورها في عدد من المناطق».

وأضاف أن المعلمين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة بسبب تدني الرواتب وعدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية؛ مما دفع بهم إلى الإضراب للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

وأكد أن مطالب المعلمين مشروعة، «إلا إن استمرار الإضراب انعكس سلباً على الطلاب، وأدى إلى تأخير العملية التعليمية وتراجع التحصيل الدراسي». وقال إن المعلم والطالب كليهما «ضحية الظروف الراهنة، بينما تواجه الدولة تحديات اقتصادية كبيرة في مرحلة إعادة الإعمار».

ودعا إلى إيجاد حلول توافقية تضمن حقوق المعلمين وتحافظ على استقرار العملية التعليمية، مؤكداً أن «الإضراب، رغم مشروعيته، ألحق أضراراً بالطلاب، والمصلحة العامة تقتضي التوصل إلى تسوية عادلة تعيد المعلمين إلى الفصول الدراسية وتحفظ حق الطلاب في التعليم».

تبدو الأزمة أكبر من مجرد خلاف بشأن الرواتب والمستحقات، فهي معركة من أجل إنقاذ التعليم نفسه. فالمعلم الذي يطالب بحياة كريمة، والطالب الذي ينتظر حقه في التعلم، يقفان معاً في مواجهة واقع فرضته الحرب والأزمات الاقتصادية. وبينما تتواصل المطالب والوعود، يبقى الأمل معقوداً على التوصل إلى تسوية تنصف المعلمين وتحمي الطلاب، حتى لا يتحول مستقبل جيل كامل إلى ضحية جديدة من ضحايا الحرب.