تونس: محاكمة آلاف العائدين من بؤر التوتر

محامي المتهمين في قضايا الإرهاب لـ«الشرق الأوسط»: تنفيذ أحكام بالسجن ضد «سلفيين سابقين»

وزيرة العدل التونسية القاضية ليلى جفال (متداولة)
وزيرة العدل التونسية القاضية ليلى جفال (متداولة)
TT

تونس: محاكمة آلاف العائدين من بؤر التوتر

وزيرة العدل التونسية القاضية ليلى جفال (متداولة)
وزيرة العدل التونسية القاضية ليلى جفال (متداولة)

كشفت بلاغات أمنية مجدداً عن إيقافات شملت «سلفيين سابقين» بعد محاكمتهم في حالة سراح من قبل المحاكم المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب، وآلاف الشباب العائدين من بؤر التوتر في ليبيا وسوريا والعراق...

وأورد بلاغان أمنيان جديدان إيقاف متهمين بالإرهاب من محافظتي المنستير، 170 كلم جنوب العاصمة تونس، وبنزرت، 50 كلم شمال العاصمة، تنفيذاً لأحكام صادرة بشأنهما تناهز 5 أعوام سجناً.

المحامي المختص بقضايا الإرهاب والوزير السابق سمير بن عمر

أحكام قديمة

وأورد المحامي سمير بن عمر، المختص في قضايا الإرهاب ومحاكمات السلفيين منذ أكثر من عشرين عاماً، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «قضية الشخص الذي أوقف أخيراً في محافظة المنستير مشابهة لقضايا آلاف الشباب الذين سبق أن سافروا لبؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا عندما كانت العواصم الغربية وعدة عواصم إقليمية تشجعهم على (الجهاد) و(دعم ثورات الإطاحة بحكم معمر القذافي في ليبيا، وبشار الأسد في سوريا، ولمحاربة القوات الأجنبية) في بلاد الشام والعراق».

وكشف المحامي بن عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن «أغلب هؤلاء المتهمين أحيلوا في حالة سراح في قضايا فُتحت ضدهم منذ نحو 10 أعوام بعد عودتهم إلى تونس».

ولم يُسجن هؤلاء سابقاً؛ «لأن أغلبهم لم يتورط مباشرة في العمليات الإرهابية خارج تونس أو داخلها ولم يشارك (الميليشيات السلفية المسلحة) عملياتها». وكثير منهم تراجع من تلقاء نفسه عن الانتماء إلى الجماعات المسلحة في ليبيا وسوريا والعراق، بعد أن اكتشف أن ما كان يجري في تلك البلدان قبل نحو 10 أعوام «ليس جهاداً وليس تحركاً ثورياً...»، بل صراعات مسلحة تورطت فيها عدة لوبيات وأطراف عربية وإسلامية ودولية «خدمة لأجندات عديدة... ».

محكمة تونس العاصمة نظرت قضايا الإرهاب (أرشيفية)

3 مجموعات

من جهة أخرى، صرح مصدر مسؤول في تونس لـ«الشرق الأوسط»، بأن السلطات الأمنية والقضائية التونسية قسمت آلاف العائدين من «بؤر التوتر» منذ وصول الباجي قائد السبسي إلى الحكم في 2015 إلى ثلاث مجموعات: الأولى وقع إيقاف كل عناصرها وإحالتهم على المحاكم الجنائية في حالة إيقاف بسبب الاشتباه في تورطهم مع الجماعات المسلحة «الداعشية» و«التكفيرية» في ليبيا وسوريا والعراق، وبعضهم حوكم حضورياً بالسجن لمدة تتجاوز 10 أعوام.

أما المجموعة الثانية فقد أحيلت على «الرقابة الإدارية» ومؤسسات العلاج النفسي والاجتماعي بعد أن تأكد أن عناصرها يعانون اضطرابات عصبية بسبب سفرهم رغماً عنهم نحو سوريا أو ليبيا رفقة أحد عناصر العائلة، مثل الزوج أو الأب.

وقد تمكن هؤلاء من الفرار والعودة إلى تونس عبر السفارات والقنصليات، وتبين أنهم لم يتدربوا على السلاح ولم ينخرطوا فيه.

وبالنسبة لكثير منهم فقد عادوا إلى مواطنهم، بعد أن تأكدوا من مقتل الزوج أو الأب أو المرافقين في الحروب المدمرة التي شهدتها سوريا والعراق وليبيا أواسط العقد الماضي.

مسيرة ضد المجموعات السلفية المتطرفة في تونس (أرشيفية)

لم ينخرطوا في المجموعات المسلحة

وبالنسبة للمجموعة الثالثة فهي تشمل «سلفيين جهاديين» و«متطرفين دينياً» سافروا إلى سوريا أو العراق أو ليبيا، لكنهم لم ينخرطوا في أي مجموعة مسلحة، إلا أنهم ظلوا محل شبهة. وقد قررت السلطات وقتها إحالتهم على المحاكم بصفة فردية في «حالة سراح»، لتقرر المحكمة سجنهم أو تبرئتهم.

وتبين أن قوات الأمن والمحاكم بقيت ترصد تحركات هؤلاء المشتبه بانتمائهم إلى مجموعات «سلفية تكفيرية» وبتعاطفهم «مع المجموعات الإرهابية».

وحسب المحامي سمير بن عمر، فقد «طالت فترة مراقبتهم عدة أعوام، في انتظار استكمال قضاة التحقيق والنيابة والمحاكم الأبحاث وصياغة تقارير ختم الأبحاث وموقف دائرة الاتهام...»، لذلك بدأت المحاكم منذ مدة إصدار أحكام متفرقة بالسجن على المشتبه فيهم. وبعد صياغة الأحكام من قبل هيئة المحكمة أحيلت القرارات على قوات الأمن التي قامت بإيقاف المتهمين المعاقبين بالسجن.

من جهة أخرى، اعتبر المحامي بن عمر أن «الإعلان عن حكم بالسجن يحوم حول 5 أعوام فقط في قضايا الإرهاب من بين المؤشرات عن كون المتهم ليس متورطاً مع العمليات المسلحة أو في برمجة عمليات إرهابية لوجيستياً».

قضايا «التآمر على أمن الدولة»

من جهة أخرى، كشف المحامي بن عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن «ملفات عشرات السياسيين الموقوفين في قضايا ذات صبغة سياسية مع اتهامهم بالإرهاب والتآمر على أمن الدولة ما زالت مفتوحة، رغم قرب تعليق العمل في المحاكم التونسية بمناسبة الإجازة القضائية السنوية التي تبدأ يوم 15 يوليو (تموز) الجاري وتستمر شهرين كاملين».

وتشمل هذه الملفات عدداً من قادة «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة الموقوفين منذ نحو 5 أشهر، بينهم عصام الشابي زعيم الحزب «الجمهوري»، وغازي الشواشي زعيم حزب «التيار»، وراشد الغنوشي ورفاقه في حزب «النهضة»، ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض، والوزير السابق مدير مكتب الرئيس الباجي قائد السبسي رضا بالحاج... كما تشمل عدداً من رموز المعارضة اليسارية والليبرالية والحقوقيين العلمانيين، بينهم أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، والوزير الأسبق للأمن الذي كان مقرباً من قائد السبسي المحامي العروبي اليساري محمد الأزهر العكرمي، والناشطة الحقوقية والنسائية الأكاديمية شيماء عيسى.

وحسب وزارة العدل التونسية، فإن المحاكم تتابع استنطاق المشتبه بتورطهم في «قضايا التآمر على أمن الدولة»، التي قدر المحامي الحقوقي العياشي الهمامي، ورئيس «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة أحمد نجيب الشابي، أن «عدد ملفاتها يناهز العشرة، وعدد المتهمين فيها تجاوز المائة، وأغلب هذه القضايا مستقلة عن بعضها».


مقالات ذات صلة

نيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

أفريقيا جوانب من المؤتمر الدولي للأمن الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في أبوجا (رابطة العالم الإسلامي)

نيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

رابطة العالم الإسلامي تطلق مبادرة للسِّلم المجتمعيّ في غرب أفريقيا ونيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا وساحل العاج تبحثان الأمن في غرب أفريقيا والساحل

تباحث الرئيس الموريتاني مع رئيس ساحل العاج (كوت ديفوار)، حول الأوضاع الأمنية والتحديات التي تواجه غرب أفريقيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم أحمد الأحمد الذي تصدّى لأحد مهاجمي شاطئ بونداي ونزع سلاحه خلال تلقيه العلاج في المستشفى عقب الهجوم (أ.ف.ب)

الشرطة الأسترالية تسقط تهم الاعتداء بحق «بطل هجوم بونداي»

أسقطت الشرطة الأسترالية، الأربعاء، تهمتَي الاعتداء والملاحقة بحقّ رجل أشادت الأوساط الرسمية بشجاعته خلال حادثة إطلاق النار الجماعي على شاطئ بونداي العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (سيدني (أستراليا))

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: إحالة المتهم بـ«مذبحة التجمع» إلى محكمة الجنايات

صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)
صورة المتهم والضحايا للحادث (وزارة الداخلية المصرية)

أمرت النيابة العامة في مصر بإحالة متهم بقتل أسرة كاملة بالقاهرة الجديدة لمحاكمة جنائية عاجلة، وذلك بعد تحقيقات استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وذكر بيان النيابة العامة المصرية أنها تلقت إخطاراً بالعثور على جثامين أربعة أشخاص من أسرة واحدة بدائرة القاهرة الجديدة، مقتولين إثر إصابتهم بأعيرة نارية، سبق الإبلاغ عن تغيبهم، فباشرت التحقيقات التي استمرت ثمانية وأربعين ساعة، وانتقلت إلى مسرح الواقعة، وناظرت الجثامين، وأمرت بإجراء الصفة التشريحية، كما تتبعت خط سير المجني عليهم من خلال آلات المراقبة، وطلبت تحريات الشرطة، التي أسفرت عن أن مرتكب الواقعة صديق للمجني عليهم، فأمرت بضبطه وإحضاره.

وأوضح بيان النيابة المصرية أنه باستجوابه «أقر بقتل المجني عليه وزوجته وطفلتيهما مع سبق الإصرار، إثر رفض المجني عليه إقراضه مبلغاً مالياً؛ فعقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرجه إلى منطقة القطامية، وأطلق صوبه ثلاثة أعيرة نارية أودت بحياته، ثم استولى على مفتاح مسكنه، وتخلص من جثمانه بإحدى الطرق الصحراوية».

واستطرد البيان أنه «عقب ذلك، استدرج زوجته وطفلتيه، موهماً إياهن بتعرض المجني عليه لحادث سير، قاصداً إخلاء المسكن وسرقة محتوياته، ثم أطلق عليهن داخل السيارة التي كانت تقلهن خمسة أعيرة نارية أودت بحياتهن، وتوجه إلى المسكن، إلا أن وجود حارس العقار حال دون إتمام مخططه».

وأمرت النيابة العامة بحبس المتهم احتياطياً، وإحالته إلى المحاكمة الجنائية العاجلة، حسب البيان.


إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على جيبَي سبتة ومليلية مع الرباط

وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)
وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس خلال لقاء مع عدد من المسؤولين في سبتة لبحث أزمة المهاجرين (إ.ب.أ)

قال مسؤولون إسبان، الأربعاء، إن وضع جَيْبَيْ سبتة ومليلية، الواقعتين شمال المغرب، بوصفها أراضيَ إسبانية «ليس موضع نقاش»، وذلك بعد أن أكد وزير العدل المغربي عبد ​اللطيف وهبي مطالبات الرباط بالسيادة على المدينتين، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وعُدّت تصريحات وهبي، الثلاثاء لقناة تلفزيونية، أول مرة تثير فيها الرباط هذه القضية الخلافية علناً، منذ أزمة اقتحام سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي من قبل نحو 72 ألف مهاجر لمدة وجيزة، التي لقي فيها من لا يقلون عن 96 شخصاً حتفهم في التدافع الجماعي على ‌الحدود.

وقال وهبي إن ‌بلاده لطالما أثارت مسألة وضع ​المدينتين ‌في مفاوضات ⁠مع ​إسبانيا؛ «بهدف ⁠طويل الأمد يتمثل في التوصل إلى حل عبر الحوار».

ومنذ استقلاله في عام 1956، يَعدّ المغرب سبتة ومليلية منطقتين محتلتين من إسبانيا، ويؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تنتقل في نهاية المطاف إلى الرباط. أما مدريد فتعدّهما جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

ورداً على سؤال بشأن تصريحات وهبي، قالت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا ⁠روبليس، لصحافيين في سبتة: «سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين ‌إسبانيتين، بل هما مدينتان ‌إسبانيتان بامتياز، ولا يمكن المساس بهما». وأضافت، في ​إشارة إلى الأزمة الحدودية: «أي هجوم ‌على سبتة ومليلية هو هجوم على إسبانيا عموماً. ويجب ‌ألا يتكرر ذلك أبداً».

وأشادت الحكومة الإسبانية بتعاون السلطات المغربية في إعادة المهاجرين، وحمّلت عصابات تهريب البشر مسؤولية الأزمة. وقالت وزارة الخارجية الإسبانية، في بيان، إن سلامة أراضي إسبانيا «لم تناقَش مع أي طرف، ‌ولن تناقش أبداً».

من جانبها، قالت وزارة الداخلية المغربية، الأربعاء، إنها عززت الإجراءات الأمنية بالقرب من الحدود مع ⁠سبتة ومليلية، ⁠وذلك في أعقاب دعوات عبر الإنترنت لمحاولة عبور جماعية أخرى في 15 أغسطس (آب) الحالي، محذرة بأنها ستلاحق المنظمين والمشاركين قضائياً. وذكرت الوزارة في بيان أنها «تدعو الجميع إلى التحلي باليقظة وروح المسؤولية، وعدم الانسياق وراء مثل هذه الدعوات المشبوهة والمضللة، لما قد يترتب عليها من تعريض حياة الأشخاص للخطر». ودعت الوزارة السلطات الإسبانية إلى «العمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب».

وكانت وزيرة الشباب الإسبانية، سيرا ريجو، قد صرحت الأسبوع الماضي بأن مدريد ستقيّم عرض ​المغرب إعادة القصّر على ​أساس كل حالة على حدة.


«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
TT

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بمحاسبة الأطراف المتورطة في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية (غرب)، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب المدينة لهجوم جديد في وقت متأخر الثلاثاء.

وهذا التصعيد الذي بدا من منظور مراقبين تجاهلاً لتحذيرات الدبيبة، أثار أيضاً مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية، تمس حياة السكان مباشرة.

بقايا طائرة مسيرة استهدفت محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الثلاثاء (الشركة العامة للكهرباء)

ويأتي الهجوم الأحدث بعد سلسلة اعتداءات طالت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية في الزاوية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام مجموعات مسلحة طائرات مسيّرة في تنفيذها، ما يضع السلطات في طرابلس أمام اختبار أمني متزايد لمدى قدرتها على احتواء الجماعات المسلحة، الناشطة في المنطقة الغربية.

ووسط استياء شعبي عم مدينة الزاوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، نشرت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، صوراً للأضرار التي لحقت بمحطة تحويل جنوب الزاوية، جراء استهدافها ليل الثلاثاء، موضحة أن الهجوم أدى إلى احتراق المحطة بالكامل وخروجها عن الخدمة، ما تسبب في فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وقالت الشركة إنها اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لحصر الأضرار وتقييمها، تمهيداً للبدء في إعادة تأهيل المحطة، التي تضم محولين بكامل ملحقاتهما بجهد 11/30 كيلوفولت.

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة (أ.ب)

وكانت الشركة قد حذرت، عقب الهجوم، من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، مؤكدة أن فقدان المزيد من محطات التحويل، وخطوط ومكونات نقل الطاقة، قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، تصل إلى إطفاء جزئي أو عام للشبكة.

وأوضحت الشركة أن الظروف الأمنية التي شهدتها الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، فضلاً عن تعطيل برامج الصيانة وتأثر وحدات الإنتاج في محطة كهرباء الزاوية.

وأضافت الشركة أن تدهور الوضع الأمني خلال يونيو (حزيران) الماضي دفع شركة «جي إي» الأميركية إلى سحب فرقها الفنية، وتعليق أعمالها في المحطة، الأمر الذي أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة، واستمرار فقدان أكثر من 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، من إجمالي قدرة للمحطة تبلغ نحو 1300 ميغاوات.

جهود رجال الإطفاء لإخماد النيران التي اندلعت بمنشآت نفطية في الزاوية (أ.ب)

وحمّلت الشركة مسؤولية أي تبعات قد تلحق بالشبكة، أو تؤثر في استمرارية التغذية الكهربائية، لاستمرار استهداف منشآتها ومكوناتها، وتعذر تنفيذ أعمال الصيانة والتشغيل في بيئة آمنة.

وجاء الهجوم الجديد فيما تواجه السلطات في طرابلس ضغوطاً متزايدة لاحتواء التوتر الأمني في الزاوية، خصوصاً في ظل علاقات وتفاهمات سابقة مع عدد من التشكيلات المسلحة النافذة في المنطقة الغربية.

وكان الدبيبة ونائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، قد عقدا خلال اليومين الماضيين لقاءات مع قادة مجموعات مسلحة في طرابلس والزاوية، في مساعٍ لخفض التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقبل ساعات قليلة من الهجوم، وصف الدبيبة، في بيان عبر منصة «إكس» مساء الثلاثاء، استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة، وتصعيد لن يمر دون رد»، معتبراً أنه عمل منظم تجاوز «خطأ لا يمكن السماح بتجاوزه»، ويمس أمن البلاد واقتصادها ومقدرات الليبيين.

وأوضح الدبيبة أن الجهات المختصة باشرت التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المستخدمة في الهجوم، مشيراً إلى أنه تابع تطورات الحريق الذي اندلع في خزان بالمنطقة الصناعية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، ووجّه برفع مستوى الاستجابة مع إعطاء الأولوية لحماية الأرواح ومنع امتداد النيران.

وتكتسب الزاوية، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بإمدادات حقل الشرارة النفطي، الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 300 ألف برميل يومياً. لكنها تشهد في المقابل انتشاراً لفصائل مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ ومسارات تهريب الوقود والبشر والهجرة غير النظامية، وفق تقارير أممية.

الدبيبة وصف استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة» (إ.ب.أ)

وفي موازاة التصعيد الأمني، تكثف الأمم المتحدة اتصالاتها لدعم التهدئة في المنطقة الغربية. وأكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، دعم البعثة الكامل للجهود الرامية إلى خفض التوتر واستعادة الاستقرار، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم حقوق الإنسان، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمؤسسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية على امتداد الساحل الغربي.

وجددت تيتيه، خلال لقائها في طرابلس رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الوحدة صلاح النمروش ووفداً من مدينة صرمان، ضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، دعم الأمم المتحدة للجهود الرامية إلى إنهاء القتال وضمان سلام وأمن مستدامين.

وأشادت المبعوثة بالاجتماع الذي عقد مؤخراً بين رئيسي الأركان العامة في سرت، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً نحو إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة أسباب التوتر الأمني في المنطقة الغربية، ومنع تحوله إلى تهديد مباشر للمنشآت الحيوية والسكان.