هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

تخللتها أيام مرعبة كادت أسرته تموت برصاصات مجهولة أثناءها

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

هارب من جحيم نيران الحرب في السودان... قصة نازح

منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
منذ بداية الحرب ظل الدخان جراء الاشتباكات يغطي سماء العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حين اندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كانت ابنة المواطن أحمد محمد، الطبيبة الشابة، تدير عيادة في إحدى المنشآت الطبية عند شارع النيل، حيث دارت المعارك الأولى. علقت الطبيبة والعاملون معها هناك، أما والدها وأشقاؤها فقد حاصرتهم الرصاصات المتقاطعة في مسكنهم بحي كوبر من نواحي الخرطوم بحري، بالقرب من أحد أكبر معسكرات قوات الدعم السريع، المعروف بـ«مقر هيئة العمليات»، وبسبب ضرب مطار الخرطوم وإغلاق السلطات العسكرية المجال الجوي السوداني، علقت الأم في المملكة العربية السعودية، التي ذهبت إليها لأداء شعيرة العمرة.

من أولى الرصاصات، اتضح أن مصير هذه الأسرة الصغيرة أن تتوزع بين منطقتين في السودان ودولة خارجية، وصار كل جزء منها عالقاً في مكان لا يستطيع مغادرته، خشية أن ينقطع اتصاله وتواصله مع بقية أفراد الأسرة. وفي الأثناء كانت المعارك تدور أمام منزل الأسرة وسكانه لا يستطيعون الخروج لتحسس ما يحدث في الخارج، ولا يستطيعون ترك المكان بانتظار عودة الابنة المحتجزة، فمغادرة المنزل إلى منطقة آمنة مخاطرة بأن تفقد أثرهم ويفقدوا أثرها.

سكان يغادرون منازلهم في جنوب العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

لا مفر

ظل الحال كما عليها، ودوي الرصاص والمقذوفات والطائرات المقاتلة والمدفعية يرج زجاج ونوافذ المنزل رجاً، لكن لا مفر أمام الأب أحمد محمد وأبنائه إلاّ انتظار عودة البنت العالقة في محل عملها. ويقول: «لم نكن نستطيع مغادرة المنزل، فأين ستذهب الدكتورة إذا انتقلنا لمكان آخر، مجبرون على البقاء تحت أسرتنا لحين عودتها».

وفي ليلة كان القصف عنيفاً جداً ارتجت له الحوائط والجدران، وسمعت صوت الرصاصات تصطدم بجدار المبنى الخارجي، لتكتشف الأسرة أن الرصاصات العمياء قد اخترقت الحائط الخارجي للمنزل، وكادت تقتل النائمين خلفه، لحظهم لم تخترقه، بيد أنهم ومنذ تلك اللحظة التي أخطأهم فيها الموت آثروا النوم أرضاً وفي أبعد مكان عن حوائط الشقة الصغيرة التي يقطنونها.

ولم تقف الرصاصات عند حدود تحويل الحائط إلى «غربال»، بل دمرت شبكتي الصرف الصحي ومياه الشرب في المبنى. ويقول محمد: «كدت آخذ أبنائي لنغادر، لكن أصغرهم صاح، إذا غادرنا، كيف ستجد شقيقتي مكاننا، ننتظر يا أبي حتى عودتها».

انعدام الماء والكهرباء

لم تقتصر معاناة تلك الأسرة على الرصاص والقذائف المتطايرة حولهم وتحاصرهم من كل الجوانب، بل إن خدمة الكهرباء والمياه تعطلت منذ اللحظات الأولى لاندلاع القتال، فزادتهم معاناة على معاناتهم، وصار جلب الماء من بئر تبعد نحو كيلومترين مخاطرة لا فرار منها. ويقول محمد: «كنا ننتظر هدوء تبادل إطلاق النار بين الطرفين لنتسلل إلى بئر في أحد مصانع الثلج، وننضم لصف طويل من أهل الحي الذين ينتظرون دورهم لملء مواعينهم بالماء، وطبعاً الحديث عن كهرباء ومراوح حلم بعيد المنال في حرارة الخرطوم التي زادتها المعارك التهاباً».

حاولت المؤسسة التي تشتغل عندها الطبيبة إخراج العاملين حين أُعلنت أول هدنة، لكن الرصاصات المتطايرة والأعين المحمرة التي تنظر شذراً لكل مارٍ أجبرتهم على العودة مجدداً. وفي الهدنة الثانية أفلحت المؤسسة في إخراجهم بعملية معقدة، وفي عربة خاصة تحمل شعار المؤسسة، واضطروا للالتفاف لمسافة تقارب 50 كيلومتراً، على الرغم من أن المسافة بين مكان عملها وبيتها لا تزيد عن 6 كيلومترات في الأوضاع العادية.

حرائق جراء الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

احتفال وسط القصف

فجأة، صرخ شقيق الطبيبة فرحاً حين دخلت أخته المنزل سالمة، وكان وصولها احتفالاً وسط القصف والدموع، ويقول محمد: «بدأنا نخطط للمغادرة، لكنا آثرنا أن ننتظر حلول عيد الفطر، كنّا نأكل من زاد رمضان، لكن بسبب انقطاع التيار الكهربائي تلف جله، فصرنا نأكل ما تيسر ونحن صيام». وتابع: «صبيحة العيد والناس يهللون ويكبرون للصلاة، جمعنا ما تيسر من حاجياتنا، ووضعناها في العربة، وسارعنا بالتسلل إلى خارج الخرطوم».

وأضاف محمد: «واجهنا معارضة قوية من زوجتي، الموجودة في المملكة، على السفر بسيارتنا، لأن أفراد قوات الدعم السريع وقتها بدأوا نهب السيارات، لكني حسمت الأمر قاطعاً بأننا سنسافر بالسيارة، وسأعطيهم مفتاحها وأفدي بها أبنائي إذا لزم الأمر، لا سيما وأنهم يمكن أن يأخذوها متوقفة أمام المنزل». وتابع: «ودعنا الجيران ووزعنا عليهم ما تبقى من زاد قابل للتلف، وأمناهم مفتاح المنزل، وتسللنا بداخل الأحياء متجهين نحو شرق ولاية الجزيرة، لنستقر عند أصدقاء في قرية بمنطقة البطانة قرب مدينة تمبول الشهيرة».

وواصل محمد حديثه: «عند قنطرة حلة (كوكو) في الخرطوم بحري، وهي جسر يعد المدخل الرئيس للعبور للخرطوم شرق، وجدنا قوة كبيرة من (الدعم السريع)، فلم توقفنا، فواصلنا السير شرقاً، لنتعثر في مجموعة أخرى من قوات الدعم السريع شرق سوق كوكو، تحققوا من هوياتنا وسمحوا لنا بالمغادرة. ثم تفتيش ثالث حتى وصلنا منطقة العيلفون أقصى جنوب شرقي الخرطوم، وبعدها لم تكن هناك أي سيطرة لأي من القوتين المتقاتلتين».

آثار ما بعد النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في سوق الجنينة غرب دارفور (أ.ف.ب)

الوجه القبيح للحرب

ووفقاً لمحمد، فإنه بعد أن كانوا قد سمعوا أصوات الحرب، فإن رحلتهم جعلتهم يرون وجهها القبيح قبل أن يغادروا الخرطوم، فعلى جانبي الطريق مدرعات محترقة، وعربات مسلحة مرمية على أطراف الطريق، وناقلات جنود لم تبق النيران منها شيئاً، فيما تناثرت الجثث على جانبي الطريق. كان ذلك عشية قدوم قوات تابعة للجيش قادمة من جهة الشرق تصدت لها قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على المنطقة.

وصل محمد وأولاده مقصدهم بولاية الجزيرة، فوجدوا الأصدقاء بانتظارهم، ذبحوا لهم الذبائح حامدين لهم سلامتهم، وحملوهم على أكف الراحة، يقول محمد: «بمجرد وصولنا كان همي الأول أن أنام فقد أنهكني السهر والهلع، فقلت لمضيفي الكرماء الذين جهزوا الطعام الشهي الذي حرمنا منه طويلاً، أنا أريد أن أنام، فنمت نومة حرمت منها طوال أيام الفزع ودوي القذائف، أما أيام النزوح ومحاولة السفر إلى مصر فتلك حكاية قد تصلح لقصة أخرى».

وماذا حدث بعد رحيل محمد وأسرته، فقد أبلغه الجيران من سكان المبنى أنهم غادروه جميعاً، وأن المبنى بمجرد خلوه تحول لثكنة عسكرية، سيطر عليه مقاتلو «الدعم السريع»، وحولوا طابقه الأرضي إلى مشفى مداني، وسكنوا طوابقه العليا، ونصبوا مضادات الطيران على سطوحه، ولا أحد يستطيع الاقتراب أو التصوير، ولا يعرف أحدهم مصير مقتنياته التي تركها على أمل العودة بعد عدة أيام، لكن الفترة طالت لتبلغ ثلاثة أشهر.


مقالات ذات صلة

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون يعملون في مزرعة مجتمعية بالقرب من مخيم فرشانا (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين

حذَّر «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، اليوم (الخميس)، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين؛ بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب) play-circle

مصر تتعهد باتخاذ «الإجراءات الضرورية» للحفاظ على وحدة السودان

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الأربعاء)، أن بلاده ستتخذ الإجراءات الضرورية للحفاظ على وحدة السودان

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
TT

عبد العاطي وويتكوف تباحثا سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا

صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)
صورة مدمجة تظهر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مساء الخميس، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والولايات المتحدة إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لبيان للمتحدث باسم الخارجية المصرية.

وأفاد البيان بأن الاتصال «تناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأميركا في ظل العلاقات المتميزة التي تربط الرئيس (المصري) عبد الفتاح السيسي والرئيس (الأميركي) دونالد ترمب وبين البلدين الصديقين، حيث أشاد الجانبان بما تمثله العلاقات المصرية-الأميركية من ركيزة أساسية لدعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين ويدعم الجهود الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وشهد الاتصال بحث آخر المستجدات في قطاع غزة، حيث تبادل الجانبان الرؤى بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب الإعلان عن تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وفقاً للبيان.

كما تناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، لا سيما فى إيران، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، وضرورة تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، ثمن ستيف ويتكوف الدور المصري المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهود مصر المتواصلة في احتواء الأزمات الإقليمية المختلفة والدفع نحو حلول سياسية تسهم في تهدئة الأوضاع بالمنطقة.


الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)
طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه تم «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة" ولكن "بحلول نهاية مارس (آذار) سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع».

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

وتشهد البلاد منذ نحو ثلاثة أعوام حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 11 مليونا على الأقل داخل البلاد وخارجها، بينهم من يعيش في مراكز إيواء مكتظة بالكاد تفي الحاجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي حاجته إلى 700 مليون دولار أميركي لاستكمال نشاطاته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

ولم تنجح الجهود الدبلوماسية للرباعية الدولية بشأن السودان، المؤلفة من الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بعد في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.

واستضافت القاهرة الأربعاء اجتماعا رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ودولا أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق الكثير من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة أكد نهاية العام الماضي انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومترا شمال كادقلي وكلاهما محاصرتان من قبل قوات الدعم السريع) يواجهون ظروفا تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقا لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليونا في أنحاء السودان الجوع الشديد.

وخلال زيارته لمدينة دنقلا الخميس، قال المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك إن العديد من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين أن النساء لديهن وصول محدود إلى خدمات الدعم.

ودعا إلى بذل جهد شامل من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي لتمكين توصيل المساعدات الإنسانية الحيوية.

- جهود غير كافية -

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص، أي أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونصفهم من الأطفال.

يتفقد أقارب ضحايا النزاع السوداني أسماءهم على أكياس الجثث بعد أن نقل الهلال الأحمر السوداني الرفات من مقابر مؤقتة إلى مقبرة محلية في الخرطوم (أ.ب)

وقالت المنظمة في بيان إن المساعدات المقدمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة احتدم القتال في منطقة كردفان جنوبي السودان مع توسع قوات الدعم السريع عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد في المواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين إلى جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق الكثير من المطابخ العامة أبوابها، بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم الخميس دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع لها قبل أكثر من 18 شهرا، نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جهته، أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس دخول 1,3 طن متري من المساعدات الإنسانية إلى الفاشر.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

- آمال دبلوماسية -

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب العمل على إنهاء الحرب في السودان بعد مناشدة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

منذ ذلك الحين، واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة قوات الدعم السريع، وهي تهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية ورفض التدخل الخارجي.

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة إلى مصر وأن بلاده مستعدة لاتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية أمن السودان.

وتعتبر القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.

من جهته، اعتبر مبعوث الأمم المتحدة للسودان رمطان لعمامرة اجتماع الأربعاء فرصة مؤاتية للأطراف الفاعلة لتوحيد الجهود، إلا أن مصدرا دبلوماسيا قال لوكالة فرانس برس إنه لا توجد في الوقت الحالي مقترحات جديدة لاتفاق هدنة.


«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)
أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع الشديد، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب.

وأكد البرنامج أنه، بالفعل، جرى «تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، لكن «بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل سنكون استنفدنا مخزوننا الغذائي في السودان».

وأضاف البيان أنه في غياب تمويل إضافي فوري «سيُحرَم ملايين الأشخاص من المساعدات الغذائية الحيوية في غضون أسابيع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشهد البلاد، منذ نحو ثلاثة أعوام، حرباً بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح 11 مليوناً، على الأقل، داخل البلاد وخارجها، بينهم مَن يعيش في مراكز إيواء مكتظة تفي، بصعوبة، الاحتياجات الأساسية.

وأكد بيان برنامج الأغذية العالمي احتياجه لـ700 مليون دولار أميركي لاستكمال أنشطته في السودان حتى يونيو (حزيران) المقبل.

واستضافت القاهرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع الرباعية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ودولاً أخرى لمناقشة جهود السلام التي لم تحقق كثيراً من التقدم.

وكان تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعوم من الأمم المتحدة قد أكد، نهاية العام الماضي، انتشار المجاعة في مدينتَي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان.

وحذّر التقرير من أن المدنيين في عشرين مدينة سودانية أخرى، بينها الدلنج (130 كيلومتراً شمال كادقلي وكلتاهما محاصَرتان من قِبل «قوات الدعم السريع») يواجهون ظروفاً تشبه المجاعة، غير أنه من الصعب التحقق من البيانات؛ لصعوبة الحركة وانقطاع الاتصالات.

ووفقاً لبرنامج الأغذية، يعاني 21 مليوناً في أنحاء السودان الجوع الشديد.

جهود غير كافية

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أنه خلال عام 2026 سيحتاج أكثر من 33 مليون شخص؛ أيْ أكثر من ثلثي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة، ونِصفهم من الأطفال.

وقالت المنظمة، في بيان، إن المساعدات المقدَّمة تعمل «على إبقاء الأطفال على قيد الحياة في ظل أصعب الظروف، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون كافية، في ظل غياب الوصول المستدام والتمويل الكافي والانخفاض الحقيقي في وتيرة الأعمال العدائية».

وفي الآونة الأخيرة، احتدم القتال في منطقة كردفان جنوب السودان مع توسع «قوات الدعم السريع» عقب إحكامها السيطرة على إقليم دارفور المجاور في غرب السودان.

وتوالت الشهادات عن نقص حاد بالمواد الغذائية في دارفور ولجوء المدنيين لجلود الحيوانات وقشور الفول السوداني، مع إغلاق كثير من المطابخ العامة أبوابها بسبب انقطاع الطرق وصعوبة توصيل المساعدات.

وأعلنت السفارة الأميركية في الخرطوم، الخميس، دخول أول قافلة مساعدات إنسانية إلى الفاشر، منذ بدء حصار «قوات الدعم السريع» لها قبل أكثر من 18 شهراً، نظّمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

من جانبه أكد المبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس دخول 1.3 طن متري من المساعدات الإنسانية الفاشر.

وتُحذر المنظمات الإنسانية من أن انعدام الأمن واستمرار القتال في دارفور يعرقلان دخول المساعدات الإنسانية التي بات السكان في حاجة ماسة إليها.

آمال دبلوماسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعمل على إنهاء الحرب في السودان، بعد مناشدة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارة لواشنطن.

زمنذ ذلك الحين واجهت جهود الرباعية الدولية عقبات بعدما وصفها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بعدم الحياد بسبب عضوية الإمارات التي تتهمها الخرطوم بمساندة «قوات الدعم السريع»، وهي تُهم نفتها أبوظبي مراراً.

وبعد اجتماع الأربعاء في القاهرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وجود توافق حول الحاجة إلى هدنة إنسانية «ورفض التدخل الخارجي».

وشدد عبد العاطي على أن المساس بوحدة السودان هو «خط أحمر» بالنسبة لمصر، وأن بلاده مستعدة لاتخاذ «الإجراءات الضرورية» لحماية أمن السودان. وتعد القاهرة من أبرز حلفاء الجيش السوداني.